9:18 مساءً / 22 يناير، 2026
آخر الاخبار

أصحاب الأراضي في مواجهة النازحين صراع على المأوى في زمن الحرب ، بقلم : آمنة الدبش

أصحاب الأراضي في مواجهة النازحين صراع على المأوى في زمن الحرب ، بقلم : آمنة الدبش

في غزة يبدو المشهد أكثر قسوةً وتعقيداً فوسط العدوان المستمر وجد مئات الآلاف من المواطنين أنفسهم مجبرين على النزوح القسري بعد تدمير منازلهم أو تهديد حياتهم بالقصف.. لم يحملوا معهم سوى ما تيسر من متاع وذكريات باحثين عن أي مساحة آمنة تحميهم من الموت غير أن المأساة لم تتوقف عند حدود النزوح بل امتدت لتأخذ شكلاً جديداً أكثر إيلاماً تمثل في طرد بعض النازحين من الأراضي التي لجؤوا إليها سواء كانت أراضي زراعية أو قطعاً فارغة يملكها أفراد.


خيام مهترئة نُصبت على عجل وأطفال افترشوا الأرض ونساء يحاولن خلق حياةٍ مؤقتة من العدم مشاهد باتت مألوفة في غزة غير أن ما يثير الألم والغضب حقاً هو إقدام بعض أصحاب الأراضي على مطالبة النازحين بإخلائها بالضغط المباشر أو بالتهديد بذريعة تنفيذ “مشاريع” أو استخدامات أخرى دون أي بدائل إنسانية أو ضمانات تحفظ كرامتهم وحقهم في المأوى.


▪︎ حق الملكية بين القانون والضمير


لا شك أن حق الملكية حق مشروع ومكفول لكن السؤال الأخلاقي والإنساني يفرض نفسه بقوة هل يجوز التمسك بهذا الحق في لحظة تهدد فيها حياة البشر وكرامتهم..؟ وهل يمكن فصل القانون عن الضمير في واقع استثنائي تحكمه الحرب والموت..؟


يطرح هذا المشهد إشكالية معقدة تجمع بين حق أصحاب الأراضي في ملكياتهم الخاص وحق النازحين في المأوى والحماية خلال حالات الطوارئ فبينما يستند المالكون إلى حقوق قانونية مشروعة يجد النازح نفسه بلا أي خيار آخر ، بعد أن فقد منزله وكل ما يملك هذا التصادم بين الحق القانوني والواجب الإنساني يعكس غياب دور الجهات الرسمية والتنظيمية القادرة على إدارة الأزمة بعدالة ومسؤولية.


▪︎ اضعف الحلقات


ما يحدث اليوم هو نقل للأزمة من مستواها الحقيقي إلى داخل المجتمع نفسه بدل أن يكون الغضب موجهاً نحو الاحتلال الذي دمر وهجر يجري تفريغه في أضعف الحلقات نازح أعزل ، امرأة تبحث عن مأوى لأطفالها، أو شيخ لم يعد يملك حتى القدرة على الرحيل من جديد.


الأخطر من الطرد ذاته هو تبريره باسم “الملكية الخاصة” أو”الخوف على الأرض”، أو “الظروف الاقتصادية” هذه المبررات قد تكون مفهومة نظرياً لكنها تسقط أخلاقياً حين تمارَس في سياق كارثة إنسانية غير مسبوقة فالحروب لا تقاس فقط بما تدمره من حجر بل بما تخلفه من تصدع في القيم والعلاقات الإنسانية.


▪︎ تفكك اجتماعي وضغط نفسي


لا يقتصر أثر طرد النازحين على فقدان مكان الإيواء فحسب بل يمتد ليطال النسيج الاجتماعي ويعمق حالة التوتر والاحتقان داخل المجتمع الغزي كما يخلف آثاراً نفسية قاسية خاصة لدى الأطفال وكبارالسن الذين يتعرضون لتجارب متكررة من الخوف وعدم الاستقرار والتشريد المتكرر ما يهدد مستقبلهم النفسي والاجتماعي.


في المقابل يقدم كثير من الغزيين نماذج مشرفة في التكافل والتضامن حيث فتحوا أراضيهم ومنازلهم وتقاسموا القليل الذي يملكونه مع النازحين إدراكاً منهم أن ما يجمعهم أكبر من أي اعتبار مادي وأن هذه المحنة اختبار حقيقي للقيم الإنسانية.


▪︎ مسؤولية غائبة


إن تكرار هذه الحالات يسلط الضوء على غياب واضح لدور الجهات المسؤولة والمؤسسات المجتمعية لتنظيم أماكن الإيواء المؤقت وضمان عدم استغلال ضعف النازحين أو تعريضهم لمزيد من الانتهاكات كما تقع مسؤولية أخلاقية على الوجهاء وأصحاب القرار المجتمعي في نشر ثقافة التضامن والتأكيد على أن هذه الأرض في لحظة الخطر تتسع للجميع.
▪︎ في غزة نحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى الصمود ، الصمود ليس فقط البقاء تحت القصف بل الحفاظ على إنسانيتنا ونحن نفعل ذلك… الأرض بلا إنسان لا قيمة لها والملكية التي تُنتزع من جسد طفل نازح لا يمكن اعتبارها انتصاراً.


في زمن الإبادة لا يجوز أن نضيف إلى المأساة مآسي من صنع أيدينا. فالحرب ستنتهي يوماً ما، لكن ما سيبقى هو أثر المواقف إما إنسانية تُروى بفخر أو قسوة تترك جرحاً لا يندمل.

– آمنة الدبش – صحفية من قطاع غزة

شاهد أيضاً

سفير فلسطين لدى لبنان محمد الاسعد يلتقي رئيس بلدية المية ومية والمجلس البلدي

سفير فلسطين لدى لبنان محمد الاسعد يلتقي رئيس بلدية المية ومية والمجلس البلدي

شفا – د. وسيم وني ، التقى سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية محمد الاسعد …