
الكاتبة والناقدة غدير حميدان الزبون تقرأ في كتاب “التعبير القرآني ودلالاته النفسية والتربوية في قصتي يوسف وموسى عليهما السلام” للكاتب وائل محيي الدين
هدية من نور القرآن في كتاب: “التعبير القرآني ودلالاته النفسية والتربوية في قصتي يوسف وموسى عليهما السلام”.
بعد عودةٍ مُثقلةٍ بتعب السفر، وفي اليوم الثاني من دوامي المكتبي سرت نحو بريدي الخاص في الدرج العلوي أتفقد ما فيه من أوراقٍ إدارية صامتة، فإذا بمغلف مغلق مخطوط عليه يسلّم ليد الدكتورة غدير حميدان الزبون في مديرية التربية والتعليم بيت لحم، فتحته فكان كتابك يخرج من كهف الحصار ليعرف طريقه إلى عقلي قبل يدي.
كان نافذةً صغيرة انفتح منها نورٌ هادئ، فأدركتُ أنّ بعض الهدايا تأتي لتُربّت على المرء في الوقت الصحيح.
كان كتابك، يا دكتور وائل محيي الدين، خير هدية تُهدى؛ لأنّه وصل على شكل رسالة فكر، ودليل يقين للكلمة الصادقة التي تعرف صاحبها وتختار قارئها.
فتحتُ المغلّف، ولم أكن أتهيّأ لدهشة؛ لما اعتادته اليد من رتابة البريد، فالعين تعلّمت عبور الأسماء دون توقّف، غير أنّ الورق هذه المرّة لم يكن صامتًا، فكان يخفي وراءه ما يخفي، وعلى رأي المثل: “إنّ وراء الأكمة ما وراءها”.
ما إنْ انفرج المغلّف حتى خرج منه كتابان متجاوران من نسخة واحدة كأنهما يعرفان بعضهما منذ البداية، فالطريق الذي قطَعاه من أقصى الشمال إلى الجنوب كان مقصودًا به أنْ ينتهي هنا.
توقّفتُ عند الإهداء أوّلًا، فالاسم المكتوب بخطّ صاحبه يصبح أكثر من تعريف.
أحد الكتابين موقّعًا باسمي:
“إهداء إلى الأخت الفاضلة الدكتورة غدير حميدان الزبون”،
والآخر يحمل اسم صديقتي العزيزة:
“إهداء إلى الأخت الدكتورة خديجة أبو عمرية”.
في تلك اللحظة صار الكتاب مساحة ثراء وُزِّعت بحكمة، فالفكرة حين تُشارك تتضاعف، وتترسّخ.
كان كتابك، يا دكتور وائل محيي الدين، قد وصل في توقيت يعرفه العقل، من عودة من سفر طويل إلى صباح هادئ في مديرية التربية والتعليم، ومغلّف بسيط يبدّل إيقاع اليوم كلّه.
بعض الكتب تأتي لتُقرأ، وبعضها يأتي ليُعيد ترتيب الداخل، وهذا الكتاب من الصنف الثاني.
فتحتُ الصفحات بتمهّل من باب المقام، فإذا بالتعبير القرآني يتقدّم بشموخ، لقد كان واعيًا بذاته، مطمئنًا إلى منهجه، وحريصًا على ألا يُستدرج إلى إسقاطات جاهزة، أو إلى وعظٍ سهل.
بدا واضحًا أنّ الكتاب كُتب بعقل الباحث، وقلب المربّي، وصبر المتأمّل طويلًا في النص.
منذ الصفحات الأولى بدا التعبير القرآني حيًّا، متحرّكًا داخل النصّ بطمأنينة من يعرف مكانه، وكانت قراءته سعيًا هادئًا إلى جوهر الكلمة.
حضرت المفردة بوزنها، وأخذ السياق حقّه، أمّا الجوّ النفسي العام للسورة فكان حاضرًا مثل ظلٍّ مرافق لا يُرى مباشرة، غير أنّ أثره لا يغيب.
في قِصّتَي يوسف وموسى عليهما السلام، انفتحت التجربة الإنسانية على اتّساعها. يوسف عليه السلام بدا مسارًا طويلًا لصقل النفس عبر الفقد والانتظار والتحوّل، وموسى عليه السلام كان تكوينًا يتشكّل وسط الخوف والرسالة والاختبار.
القراءة لمتدبّر القصص تتحول إلى مسار تربوي تتراكم فيه التفاصيل الصغيرة حتى تُنتج الإنسان القادر على الوقوف.
هذا الكتاب لمن يحظى بشرف تدبّره يُنصت إلى الكلمة القرآنية بإجلال معرفي، فكل لفظة موضوعة في مكانها، تؤدّي دورها النفسي، وتشارك في بناء المعنى العام، والتناوب اللفظي يظهر بشكل مقصود ليوجّه الإحساس، ويصوغ الموقف، ويُعيد تشكيل الوعي، ما يسمح للقارئ برؤية أعمق لوظيفة اللغة في التربية وبناء الداخل.
إنّ ما يمنح هذا العمل قيمته الحقيقية ذلك التوازن الدقيق بين التحليل والإنصات، فالنصّ لا يُغلق على نتيجة واحدة، ولا يُسلّم القارئ خلاصات جاهزة، وإنما يترك مساحة للتأمّل، ويمنح السؤال شرعيته.
فالقرآن خطاب حيّ، يُربّي قبل أنْ يُطالب، ويقود النفس خطوة خطوة نحو النضج.
وصلني كتابك، فاستعاد البريد معناه، واستعادت القراءة مكانتها الأولى، هو أثر معرفي يُذكّر بأنّ التربية تبدأ من اللغة، ولا زالت القصة القرآنية قادرة على ملامسة إنسان هذا العصر إذا قُرِئت بوعي ومسؤولية.
وهنا تتشكّل قناعتي الأخيرة في أنّ هذا النوع من الكتب لا يُقرأ على عجل، ولا يُحاصر في دائرة التخصّص الضيّقة، فهو كتاب يُهدى، ويُناقَش، ويُدرَّس؛ لأنه يعيد الاعتبار للتعبير القرآني بوصفه طاقة بناء نفسي وتربوي، لا تنفد دلالاتها ولا يشيخ أثرها.
لهذا أقول لك اليوم يا أخي الوازن الحصيف: وصلني كتابك فوسّع أفق القراءة، وأعاد للهدية معناها الأصيل، وذكّرني بأنّ أجمل ما يصلنا هو ما يجد مكانه في النفس قبل الرفّ.
ومن هنا أسدي نصحًا لمن يبحث عن السلام الداخلي
حول كتاب: “التعبير القرآني ودلالاته النفسية والتربوية في قصتي يوسف وموسى عليهما السلام” بأنْ يقتني هذا الكنز فهو يفتح بابًا هادئًا على النفس الإنسانية كما يصوغها القرآن؛ تلك النفس التي تتألم، وتخاف، وتُبتلى، لكنها لا تفقد بوصلتها ما دامت متصلة بالله. فمن خلال التعبير القرآني في قصتي يوسف وموسى عليهما السلام، نتعلّم أنّ السلام الداخلي يكمن في القدرة على فهمه واحتوائه ضمن حكمة إلهية أوسع.
في قصة يوسف عليه السلام، تتجلّى طمأنينة الصبر الجميل؛ صبر لا يُنكر الوجع، لكنه لا يسمح له أنْ يتحوّل إلى حقد أو انهيار، فيعالج التعبير القرآني مشاعر الغدر، والخذلان، والوحدة، ليقود النفس من الانكسار إلى الاتزان، ومن الجرح إلى الصفح، وهو مسار نفسي تربوي عميق لكلّ من أثقلته التجارب.
أما في قصة موسى عليه السلام فيبرز السلام المتولّد من الثقة بالله وسط القلق والخوف، فالقرآن لا يُخفي ارتجاف النفس أمام الخطر، لكنه يعلّمها كيف تنتقل من الاضطراب إلى السكينة عبر الوحي، والدعاء، والشعور بالمعية الإلهية، وهنا تتجلّى دلالات نفسية تمنح القارئ أدوات روحية لتجاوز التوتر والقلق الوجودي.
يُظهر الكتاب التعبير القرآني من خلال بنائه التربوي للنفس؛ فهو يعلّمها كيف ترى الابتلاء معنى، والخوف رسالة، والانتظار طريقًا للنضج.
ومن خلال هذا الفهم، يتحوّل التدبّر إلى ممارسة للسلام الداخلي، ومصالحة للإنسان مع ذاته، كما تعيد ترتيب علاقته بالألم، وتذكّره بأنّ الطمأنينة القرآنية تُبنى وعيًا بعد وعي، وآية بعد آية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .