11:38 مساءً / 20 يناير، 2026
آخر الاخبار

قراءة سيميائية في رواية “عائد إلى قبري” للكاتبة زكيّة علّال ، بقلم : غدير حميدان الزبون

قراءة سيميائية في رواية "عائد إلى قبري" للكاتبة زكيّة علّال ، بقلم : غدير حميدان الزبون

قراءة سيميائية في رواية “عائد إلى قبري” للإعلامية والكاتبة الجزائرية زكيّة علّال ، بقلم : الناقدة والكاتبة الفلسطينية غدير حميدان الزبون

ماذا يعني أنْ يعود الإنسان إلى قبره؟
أهي عودة الجسد إلى مأواه الأخير، أم رجوع الذاكرة إلى نقطة الفقد الأولى؟
وهل القبر في منطق هذه الرواية مكانٌ للموت، أم مساحة متأخرة للحقيقة؟


منذ العنوان تُلقي رواية “عائد إلى قبري” بالقارئ في قلب المفارقة، فاسم الفاعل عائد يوحي بالحياة، وبالحركة، وبالاختيار، بينما القبر أقصى سكون ممكن، ونهاية كل طريق، وبين هاتين الكلمتين يتشكّل توتر دلالي حادّ، ويكأنّ العنوان جرح مفتوح، أو سؤال معلّق لا يبحث عن جواب بقدر ما يطالب القارئ بالمشاركة في التفكير فيه.


فأيُّ زمنٍ هذا الذي يصبح فيه القبر وجهة؟


وأيُّ عالمٍ ذاك الذي لم يترك للإنسان مكانًا يعود إليه سوى حفرة في الأرض؟
هل نحن أمام بطلٍ يمشي عكس الحياة، أم أمام حياةٍ دفعت أبناءها إلى الارتماء في أحضان الموت؟


العنوان هنا ليس عتبة بريئة، إنّه فخٌّ جماليٌّ ذكي يستدرج القارئ إلى مساءلة مفاهيم اعتدناها متمثّلة في الوطن، والجسد، والذاكرة، والنجاة.


إنّه عنوان يشي بأنّ العودة تتنافى مع الخلاص، والقبر نقطة انطلاق لسردٍ موجع يعيد تعريف الوجود من زاوية الفقد، ويجعل من الموت مرآةً فاضحة للحياة.


هكذا وقبل أنْ نقرأ السطر الأول نكون قد دخلنا بالفعل في قلب الرواية؛ رواية لا تسأل: كيف نموت؟ لكنّها تسأل بجرأة أكثر إيلامًا: كيف نعيش عندما يُصبح القبر آخر ما تبقّى لنا؟


في رواية “عائد إلى قبري” للإعلامية والكاتبة الجزائرية زكية علال نعبر عتبة وجودية كثيفة، يتقاطع فيها الجسد مع الذاكرة، والموت مع السياسة، والفقد الفردي مع الجرح الجمعي.


إنها رواية تُقرأ كنصّ مفتوح على التأويل، ويشتغل على العلامة كأثرٍ وجوديٍّ مُقيم في اللغة، ومقيم عليها في آن واحد.
تأتي زكية علال إلى الرواية من تخوم الإعلام حاملةً معها حسّ الشهادة، ودقّة الرصد، وجرأة السؤال، غير أنّها في “عائد إلى قبري” تخلع قناع الخبر، وتدخل محراب السرد جاعلة من اللغة فضاء للمقاومة.


كتابتها مشبعة بحسّ إنساني عميق، يتّكئ على ثقافة واسعة، ويستثمر طاقة اللغة الشعرية دون أنْ يقع في فخ الزخرفة.


إنّها تمتلك كتابة تُمسك بالوجع فتفكّكه، وتعيد تركيبه داخل بنية دلالية مشحونة بالأسئلة دون أنْ تبكيه.
يُعدّ عنوان الرواية “عائد إلى قبري” أول صدمة دلالية في النص.
فالعودة في منطق الحياة تكون إلى البيت، إلى الأصل، إلى الوطن؛ أما هنا فإلى القبر.
نحن أمام قلبٍ حادٍّ للمتوقّع، إذْ يصبح القبر موطنًا، وتغدو الحياة امتدادًا للموت.


العنوان لا يُخبر بقدر ما يُربك، فهو يفتح باب التأويل على مصراعيه: أهي عودة جسدية؟ أم عودة ذاكرية؟ أم اعتراف بأنّ الإنسان في زمن العنف لم يعد يملك سوى قبره كآخر أشكال الانتماء؟
يشتغل النصّ على الجسد كعلامة مركزية، فهو جسد ناقص، ومبتور، ومُفكَّك.


فالبتر يُقرأ في الرواية أثرا للحرب والعنف، إضافة إلى أنّه استعارة كبرى لاغتيال الإنسان، وسلبه اكتماله الرمزي.
إنّ الجسد المقطّع يحيل إلى وطن مُجزّأ، وذاكرة مكسورة، وهُوية لم تعد قادرة على التماسك.
وفي هذا السياق، يتحوّل القبر من فضاء للموت إلى فضاء لإعادة طرح سؤال الكرامة: هل يُدفن الجسد كاملًا؟ أم تُدفن الحقيقة مجزّأة مثله؟


بات القبر في الرواية علامة مركزية للمعنى تتكثّف فيه الأسئلة عن الحياة، وعن العدالة، وعن العبث.
هو مرآة للعالم الخارجي؛ فما يحدث فوق الأرض يُعاد تمثيله تحته، ومن خلال الوقوف المتكرّر عند القبور، تتحوّل الرواية إلى طقس تأملي، تُراجع فيه الشخصيات معنى الوجود في عالم فقد بوصلته الأخلاقية.


تعتمد زكية علال لغة هجينة، تمتح من السرد هدوءه، ومن الشعر كثافته، فالجمل غالبًا قصيرة، ومشحونة كأنها شظية دلاليّة.


هذا الاقتصاد اللغوي بمثابة وعي سيميائيّ بأنّ الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأنّ البياض جزء من النص، فلغة الرواية لا تشرح الألم، وإنما تتركه يتسرّب بين الكلمات، فيصبح القارئ شريكًا في إنتاج المعنى.


ومن خلال التدبّر للرواية نجدها تُقيم ثنائية واضحة بين الحكمة والرغبة، حيث تُقدَّم الرغبة على أنّها قوة عمياء، وسريعة، ومدمّرة، فيما تأتي الحكمة بطيئة، ومتأخّرة، لكنّها وحدها القادرة على إعادة التوازن.


هذه الثنائية تبدو أخلاقية وسياسية وإنسانية، إذْ تُحيل القارىء إلى عالم تُدار فيه المصائر بالعنف لا بالعقل، وبالاندفاع لا بالبصيرة.


في المحصّلة يمكن القول إنّ “عائد إلى قبري” تصنّف كرواية موقف لنصّ سيميائيّ كثيف، يشتغل على العلامة في (الجسد، والقبر، والبتر، والصمت) ليكشف هشاشة الإنسان المعاصر في مواجهة منظومات القتل والتهميش.
زكية علّال لا تقدّم أجوبة جاهزة، فهي تترك القارئ في قلب السؤال، وتدعوه إلى أنْ يعيد النظر في معنى الحياة، حين يصبح الموت أكثر حضورًا منها.


إنّها رواية تُقرأ ببطء، وتُعاد قراءتها؛ لأنها لا تُستهلك فهي أيها القارىء، تُقيم في الذاكرة، جرحًا جميلًا ومؤلمًا.
وهكذا، حين نُغلق الصفحة الأخيرة من “عائد إلى قبري” نشعر وكأنّنا خرجنا لتوّنا من طقسٍ اعترافيٍّ ثقيل ترك على أرواحنا أثر التراب الرطب، ورائحة الأسئلة التي لا تُدفن.


لا شيء يُقفل تمامًا في هذا النص؛ فالقبر الذي ظننّاه نهاية ينفتح على اتساع المعنى، والعودة التي حسبناها استسلامًا تتبدّى مواجهة أخيرة مع عالمٍ خانَ إنسانيته.


تنجح زكية علّال في أنّها جعلت من السّرد مسارًا نزوليًّا إلى الأعماق يبحث عن حقيقة موجعة، فشخصياتها لا تطلب الشفقة، ولا ترفع شعارات، وإنما تمشي ببطء فوق هشاشة وجودها، وتترك للقارئ أنْ يرى نفسه منعكسًا في شقوقها، فالقبر يشهد، والذاكرة تقاوم، والكتابة تشكّل العدالة المتأخرة، فلا ينتصر الموت، ولا تنتصر الحياة، لكنْ تنكشف هشاشتهما معًا، وما يبقى بعد كلّ هذا النزف السّردي هو سؤال الإنسان وهو يحدّق في مصيره:


ماذا تبقّى مني؟ وأيّ جزء لم تطله المقصلة بعد؟


إنّ “عائد إلى قبري” رواية تُغلق على رجفة تجعل القارئ يعيد النظر في معنى النجاة، وفي فكرة الوطن، وفي حدود الجسد، وفي جدوى الصمت.


إنها رواية تُنهي الحكاية، لكنّها تفتح الوعي، وتترك الباب مواربًا على احتمالات القراءة كما لو أنّها تقول بهدوء قاسٍ: لا نعود إلى قبورنا عندما نموت، إنّنا نعود عندما تعجز الحياة عن احتوائنا، وهذا يجعل الرواية باقية بعد آخر سطر، وحيّة رغم كلّ هذا الموت.

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم الثلاثاء 20 يناير كالتالي : سعر أونصة الذهب عالمياً …