
بين تقويض الأونروا وهدمها: مسار واحد لتصفية حق العودة ، بقلم : سالي أبو عياش
لم يكن هدم مقر الأونروا في القدس اليوم حادثاً عابرا، بل تتويجاً لمسار طويل بدأ منذ اللحظة التي شُرعت فيها سياسات تقويض عمل الوكالة سياسياً وماليا، ووصل إلى مرحلة التنفيذ الميداني. فتصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير التي وصف فيها الحدث بأنه “يوم تاريخي”، لا تعكس مجرد موقف شخصي، بل إعلان صريح لمسار ممنهج يستهدف تفكيك أحد أهم الشواهد الدولية على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.
تأسست الأونروا عام 1949 لتقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا خلال النكبة. لكنها لم تكن مجرد وكالة إغاثة، بل مؤسسة تحمل قيمة سياسية وقانونية بالغة، إذ تمثل الاعتراف الدولي بوضع اللاجئين وحقهم في العودة وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194. ومنذ تأسيسها، شكل وجود الأونروا تذكيراً قانونياً مستمراً بأن قضية اللاجئين لم تُحل، وأن حق العودة لا يزال قائما.
تعرّضت الوكالة لهجوم سياسي متواصل من قبل المسؤولين الإسرائيليين، الذين اتهموها بتغذية “ثقافة حق العودة”، واعتبروا وجودها عائقاً أمام رؤيتهم لحل الصراع على أساس المشروع الاستعماري الإحلالي. التحول الكبير بدأ بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، حين اتهمت الحكومة الإسرائيلية الأونروا بالاختراق من قبل عناصر حماس، رغم نفي الوكالة التام لهذه الاتهامات. تبع ذلك الضغط المالي من بعض الدول المانحة، وإقرار قوانين في الكنيست لتقييد عمل الوكالة في القدس والضفة وغزة.
الاستهداف لم يكن ماديا بعد، بل كان يستهدف الشرعية والمؤسساتية للأونروا. لكن اليوم، بالهدم الفعلي لمقرها، انتقل المسار من التضييق الإداري والسياسي إلى التنفيذ الميداني على الأرض. ما حدث ليس مجرد إزالة مبنى، بل محاولة لمحو شاهد دولي على حق العودة، وإرسال رسالة صريحة بأن المؤسسات الأممية لم تعد رادعاً أمام المشروع الإسرائيلي.
هذا التطور يتقاطع مباشرة مع خطاب سياسي صريح لوزراء نافذين في الحكومة الإسرائيلية. فبن غفير يرى في هدم الأونروا “إنجازاً تاريخياً”، بينما يعكس خطاب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش رؤية أوسع، تقوم على تفكيك أي إطار دولي أو إقليمي يقيّد اليد الإسرائيلية. فقد شبّه أردوغان بالسنوار واعتبر قطر مساوية لحماس، ودعا إلى تفكيك المقر الأمريكي في كريات غات، ورفض خطة ترامب بشأن غزة، مطالباً بفتح معبر رفح “بموافقة مصر أو رغماً عنها”، وحدد مهلة قصيرة لتفكيك حماس ثم “الانقضاض على غزة”.
بين الجرافة التي هدمت مقر الأونروا في القدس، والخطاب السياسي الذي يطلقه سموتريتش، يتجلّى منطق واحد: تقويض المؤسسات الدولية، وفرض الأمر الواقع بالقوة، وإعادة هندسة الواقع الديمغرافي والسياسي الفلسطيني بما يخدم مشروع التهجير وتصفية قضية اللاجئين. فمن يطالب بتفكيك مقر أمريكي، لن يتردد في هدم مقر وكالة أممية بحجة دعم الإرهاب.
يشكّل وقف عمل الأونروا خطراً مباشراً على حق العودة الفلسطيني، إذ أن هذه المنظمة ليست مجرد جهة إغاثية، بل شاهد قانوني وسياسي على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194. إلغاء دور الأونروا يعني فقدان الاعتراف الرسمي بوضع اللاجئين، مما يسهل تصفية قضيتهم تدريجياً وتمهيد الطريق لتوطينهم في الدول التي لجأوا إليها، وهو ما تسعى إليه بعض الجهات لإنهاء المطالبة بحق العودة تدريجياً.
ويشكل اللاجئون الفلسطينيون في دول اللجوء ركيزة أساسية للقضية الفلسطينية، خاصة من الناحية الديمغرافية، حيث تسعى إسرائيل باستمرار إلى تقليل عدد السكان الفلسطينيين وزيادة عدد المستوطنين الإسرائيليين من أجل قلب المعادلة السكانية. حرمان اللاجئين من حقهم في العودة وتوطينهم في دول اللجوء يضعف الكثافة الفلسطينية ويهدد الوجود الفلسطيني كعنصر أساسي في أرضه.
كما أن إنهاء عمل الأونروا يخدم الرواية الإسرائيلية التي تزعم أن قضية اللاجئين لم تعد قائمة، وهو ما يضعف الموقف الفلسطيني في أي مفاوضات مستقبلية. علاوة على ذلك، فإن نقل مسؤولية اللاجئين الفلسطينيين إلى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة سيحوّلهم إلى لاجئين عاديين يمكن توطينهم في أماكن أخرى، بدلاً من الاعتراف بحقهم في العودة إلى وطنهم.
المطلع جيداً على تطورات الأحداث السياسية منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم يدرك أن شيطنة الوكالة ومحاولة الضغط عليها مالياً وإدارياً لم تكن سوى خطوات تهدف إلى إلغاء دورها، وتحفيز التهجير الطوعي، وتفعيل الترحيل القسري، والقضاء على حق العودة كهدف مركزي.
وهذا المسار يتجلى يومياً من خلال تهجير وطرد السكان من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية، مثل مخيمات جنين وعين شمس والفارعة، وتحويل منازلهم إلى ثكنات عسكرية أو تدميرها، وما شهدناه في حرب الإبادة على قطاع غزة من تدمير كامل لمخيمات جباليا والشاطئ والبريج.
من خلال هجومها على الأونروا وعلى الفلسطينيين، تحاول إسرائيل إلغاء وجود اللاجئين الفلسطينيين، ومحو تاريخهم وهويتهم وحقهم غير القابل للتصرف في العودة إلى وطنهم، وهو الحق الذي كفله لهم قرار الأمم المتحدة رقم 194. وفي حال تنفيذ تشريعات الكنيست بوقف عمل الوكالة، فإن ذلك لا يضر بالخدمات الإنسانية فقط، بل يشكل خطراً جسيماً على القضية الفلسطينية نفسها، لأنه يؤدي إلى تصفية حق العودة ويضعف الهوية الوطنية الفلسطينية والنضال السياسي لاستعادة الحقوق التاريخية.
على سبيل المثال توطين اللاجئين في الدول المضيفة مثل لبنان والأردن وسوريا يعني إلغاء وضعهم القانوني كلاجئين فلسطينيين، ما يسهل إسقاط المطالبات الدولية بحق العودة. اللاجئ الذي يحصل على جنسية البلد المضيف لن يُعتبر لاجئاً بعد ذلك، مما يلغي أي مبرر سياسي أو قانوني لمطالبته بحقه في العودة. وعليه، فإن تصفية قضية اللاجئين تعني تفكيك أحد أهم أعمدة القضية الفلسطينية، وتفتح الطريق أمام فرض رؤية الاحتلال لحل نهائي يقوم على تهجير سكان قطاع غزة والضفة الغربية، وزيادة المستوطنات، وفرض الدولة اليهودية الكبرى دون الالتزام بقرارات الشرعية الدولية.
في النهاية، إن إضعاف الأونروا لا يعني فقط حرمان اللاجئين من الخدمات الأساسية في التعليم والصحة والغذاء، بل يضرب الأساس القانوني لصفة اللاجئ الفلسطيني. فنقل ملف اللاجئين إلى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة سيحوّلهم إلى “لاجئين عاديين” يمكن توطينهم في الدول المضيفة، بدل الاعتراف بحقهم في العودة إلى ديارهم الأصلية. هذا البعد الديمغرافي هو جوهر المعركة؛ اللاجئون الفلسطينيون يشكلون أحد أعمدة القضية الفلسطينية سياسياً وتاريخياً. توطينهم سيُسقط وضعهم القانوني ويضعف ورقة حق العودة، ويُسهّل على إسرائيل فرض رؤيتها لحل نهائي يقوم على ضم الضفة، وتوسيع الاستيطان، وتهجير سكان غزة، بعيداً عن قرارات الشرعية الدولية.
إذا كان ما جرى اليوم في القدس قد حدث في المدينة الأكثر حساسية، فإن الضفة الغربية تقف الآن أمام سيناريو مقلق. ما بدأ في القدس يمكن أن يتكرر غداً في رام الله أو نابلس أو الخليل. المسار واحد: شيطنة الأونروا، تقليص دورها، تشريع قوانين ضدها، ثم تفكيكها فعلياً وصولاً إلى الهدم.
في هذا السياق، يكتسب هدم الأونروا اليوم معنى أوسع من كونه حادثة مؤسسية: إنه ضربة لرمز دولي يحمي حق العودة. تصريحات بن غفير وسموتريتش ليست مجرد كلمات عابرة، بل دليل على مسار سياسي واضح يسعى لتصفية حق العودة، وإلغاء صفة اللاجئ الفلسطيني، وتحويل التهجير القسري إلى سياسة معلنة على الأرض.
اليوم القدس، وغداً الضفة، وفي الأفق غزة بصيغة تهجير معلن. فبين الجرافة والخطاب، تتكشف سياسة واحدة تهدف إلى تفكيك الأونروا، إسقاط صفة اللاجئ، وتمهيد الطريق لتوطين الفلسطينيين بدل عودتهم. ما لم يتحرك المجتمع الدولي دبلوماسياً وقانونياً لحماية الوكالة وضمان استمرار الاعتراف بحق العودة، فإن ما شهدناه اليوم في القدس قد يصبح بداية النهاية لأحد أعمدة القضية الفلسطينية نفسها، وتهديداً مباشراً لهوية الفلسطينيين ومستقبلهم في وطنهم.
يبدو أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين في خطر محدق، وأن مخطط التهجير والتوطين يُنفّذ على نار هادئة. الأونروا اليوم في خطر وجودي وكارثي، والقضية الفلسطينية أمام منعطف صعب وحالك، ولا حياة لمن تنادي. أمام هذا السيناريو، يصبح التحرك الدبلوماسي والشعبي ضرورة ملحّة للحفاظ على الأونروا كمؤسسة دولية مسؤولة عن اللاجئين، وإيجاد مصادر تمويل بديلة لضمان استمرار خدماتها، وحماية حق العودة كجزء أساسي من الهوية الوطنية الفلسطينية، ومواجهة أي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية تدريجياً.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .