
فتح والاقتصاد الوطني: من الإعالة إلى التمكين ، بقلم : الصحفي سامح الجدي
(المقال الثامن عشر من سلسلة مقالات “أي فتح نُريد” )
دور الحركة في دعم صمود الناس
تُعد مسألة الاقتصاد الوطني الفلسطيني واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا على قدرة الشعب على الصمود ومواجهة الاحتلال، كما تُعتبر عاملًا حاسمًا في استدامة المشروع الوطني. حركة فتح، بصفتها قيادة تاريخية للحركة الوطنية الفلسطينية، لعبت دورًا مركزيًا في هذا المجال، سواء من خلال الدعم المباشر للمواطنين، أو من خلال السياسات الاقتصادية التي تهدف إلى تعزيز قدرات الشعب على الاعتماد على ذاته. ويطرح السؤال: كيف تحوّل دور فتح من مجرد الإعالة إلى التمكين الاقتصادي، وما هي السبل التي يمكن أن تعزز صمود الناس من خلال السياسات الاقتصادية؟
أولًا: الاقتصاد الوطني الفلسطيني بين الإعالة والتمكين
الاقتصاد الوطني الفلسطيني يواجه تحديات هيكلية متجذرة منذ النكبة، حيث يعتمد إلى حد كبير على المساعدات الخارجية والتحويلات الدولية، إضافة إلى قيود الاحتلال على الحركة والتجارة والاستثمار. هذا الوضع خلق ثقافة الإعالة، أي الاعتماد على الدعم الخارجي أو على الهبات والمساعدات، بدلًا من بناء اقتصاد وطني مستدام.
الإعالة، على الرغم من أنها توفر حماية قصيرة الأمد، إلا أنها تجعل المجتمع هشًا أمام الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتحد من قدرة الأفراد على المشاركة الفاعلة في النشاط الاقتصادي. هنا يظهر دور حركة فتح، الذي يجب أن يتجاوز مجرد توفير المساعدات الطارئة، نحو التمكين الاقتصادي: أي بناء قدرات الأفراد والمؤسسات لتصبح قادرة على الاعتماد على نفسها، وتحقيق إنتاجية مستدامة، وتحسين مستوى المعيشة بشكل مستقل عن الدعم الخارجي.
ثانيًا: دور فتح في دعم صمود الناس
حركة فتح، منذ بداياتها، أدركت أن الصمود الشعبي ليس فقط مسألة سياسية أو عسكرية، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد والقدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمع. ويمكن تلخيص أدوارها في هذا السياق في المحاور التالية:
- الدعم المالي المباشر للأسر المحتاجة: فتحت فتح برامج لدعم الأسر الفلسطينية، خاصة في أوقات الأزمات، سواء عبر رواتب موظفي السلطة الوطنية، أو من خلال برامج الإغاثة الطارئة للأسر الفقيرة والمحتاجين. هذا النوع من الدعم ساهم في تثبيت الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وخلق شبكة أمان للشعب، لكنها في الوقت ذاته كانت مرحلة انتقالية يجب أن تواكبها جهود تمكين مستدامة.
- تطوير المشاريع الاقتصادية المحلية: تحرص فتح على تعزيز المشاريع الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة، سواء من خلال التمويل المباشر أو تسهيل الوصول إلى الموارد، بما يتيح للأفراد إنشاء أعمالهم الخاصة والمساهمة في خلق فرص عمل جديدة. هذه السياسات تمثل مرحلة الانتقال من الإعالة إلى التمكين، حيث تصبح الأسر والأفراد قادرين على إنتاج دخلهم وتحسين مستوى حياتهم بشكل مستقل.
- الاستثمار في البنية التحتية الاقتصادية: من خلال دعم البنية التحتية الأساسية مثل الكهرباء والمياه والطرق، ساهمت فتح في توفير بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا، تسمح للأعمال التجارية والصناعية بالاستمرار والنمو. البنية التحتية ليست فقط عن النقل والخدمات، بل هي أساس لتمكين الاقتصاد الوطني من العمل بكفاءة واستدامة.
- التعليم والتدريب المهني: جزء من استراتيجية التمكين الاقتصادي يرتبط بالقدرة على تزويد الشباب والعمال بالمهارات اللازمة لسوق العمل. فتح دعمت برامج التعليم المهني والتدريب، ما ساعد على تعزيز قدرة الأفراد على الدخول في الاقتصاد الوطني بفاعلية والمساهمة في تطويره.
ثالثًا: من الإعالة إلى التمكين – استراتيجيات التحول
التحول من الإعالة إلى التمكين يتطلب تبني استراتيجية شاملة، تركز على خلق اقتصاد مستدام يضمن صمود المواطنين ويعزز استقلالية القرار الوطني. تشمل هذه الاستراتيجيات:
- تشجيع ريادة الأعمال والابتكار: دعم المشاريع الصغيرة والمبادرات الريادية يمكن أن يقلل الاعتماد على الهبات الخارجية، ويخلق فرص عمل جديدة للشباب. ريادة الأعمال ليست فقط وسيلة لتحسين الدخل، بل أيضًا وسيلة لتعزيز روح المبادرة والمسؤولية الفردية والجماعية.
- تعزيز القطاعات الإنتاجية المحلية: الزراعة والصناعة المحلية تعتبر من أعمدة التمكين الاقتصادي، لأنها توفر فرص عمل مباشرة وتحافظ على الموارد الوطنية. دعم فتح للقطاع الزراعي والصناعي يساهم في تحقيق الأمن الغذائي والاقتصادي، ويقلل الاعتماد على الاستيراد.
- تطوير الأسواق المالية والمصرفية: إنشاء نظام مالي قوي ومستقل يتيح للأفراد والشركات الحصول على القروض والاستثمار بطريقة آمنة، يدعم قدرة الاقتصاد الوطني على النمو المستدام.
- التكامل بين الفعل السياسي والاقتصادي: لا يمكن فصل التمكين الاقتصادي عن السياق السياسي، حيث أن سياسات الاحتلال وقيوده على الحركة والتجارة تؤثر مباشرة على قدرة الشعب على التمكين الاقتصادي. فتح تعمل على الربط بين النشاط السياسي والدبلوماسي، وبين الاستراتيجيات الاقتصادية، بحيث يدعم كل جانب الآخر الصمود الوطني.
رابعًا: التحديات التي تواجه التمكين الاقتصادي
رغم جهود فتح، هناك العديد من التحديات التي تواجه الانتقال من الإعالة إلى التمكين:
- القيود الاحتلالية: الاحتلال يفرض قيودًا على الحركة، التجارة، الاستيراد والتصدير، ما يحد من قدرة الاقتصاد الوطني على النمو. هذه القيود تجعل من الصعب خلق اقتصاد مستقل ومستدام دون تدخلات سياسية أو دعم خارجي.
- الاعتماد على المساعدات الخارجية: رغم جهود التمكين، لا يزال جزء كبير من الاقتصاد الفلسطيني يعتمد على المساعدات الدولية، ما يحد من قدرة فتح على تحقيق استقلالية اقتصادية كاملة.
- الانقسام الداخلي الفلسطيني: الانقسام السياسي بين فتح وحماس أثر بشكل مباشر على السياسات الاقتصادية، وعطل بعض المبادرات التنموية، مما يجعل من الصعب تنفيذ مشاريع شاملة على المستوى الوطني.
- نقص الاستثمارات المحلية والدولية: بسبب عدم الاستقرار السياسي والقيود الاحتلالية، يواجه الاقتصاد الفلسطيني صعوبة في جذب الاستثمارات الضرورية للنمو. وهذا يحد من قدرة فتح على تمكين المواطنين اقتصاديًا بشكل شامل.
خامسًا: النجاح في دعم صمود الناس: أمثلة وتجارب عملية
يمكن الإشارة إلى بعض الأمثلة العملية التي تعكس دور فتح في دعم صمود الناس عبر التمكين الاقتصادي:
- دعم الموظفين ورواتب السلطة الوطنية: خلال فترات الأزمات، حرصت فتح على ضمان دفع رواتب الموظفين الحكوميين، ما ساعد على استقرار الأسر وتحقيق صمود اجتماعي واقتصادي.
- المشاريع الزراعية الصغيرة: دعم فتح للمزارعين من خلال توفير البذور والمعدات والتدريب على أساليب الزراعة الحديثة ساعد على زيادة الإنتاج المحلي وتحسين الدخل، مع الحفاظ على الأمن الغذائي.
- برامج التدريب المهني للشباب: تنفيذ برامج تدريبية للشباب على مهارات حديثة، بما في ذلك التكنولوجيا والحرف اليدوية، أسهم في خلق فرص عمل جديدة، وتمكين الأجيال القادمة من المشاركة الفاعلة في الاقتصاد.
سادسًا: رؤى مستقبلية لتعزيز التمكين الاقتصادي
لتعزيز الانتقال من الإعالة إلى التمكين بشكل مستدام، يمكن التركيز على عدة رؤى مستقبلية:
- توسيع نطاق المشاريع الريادية والصناعية: الاستثمار في القطاعات الصغيرة والمتوسطة، وربطها بالأسواق المحلية والدولية، لتعزيز الاقتصاد الوطني بشكل مستدام.
- تعزيز التكامل الاقتصادي الفلسطيني الداخلي: خلق شبكة اقتصادية متكاملة بين المدن والقرى، لتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية وتعزيز الاقتصاد المحلي.
- تعزيز الشراكات الدولية الذكية: الاستفادة من التمويل الدولي والمساعدات الخارجية بشكل يخدم التمكين وليس مجرد الإعالة، مع الحفاظ على الاستقلالية في اتخاذ القرار الوطني.
- تطوير سياسات مالية وتشريعية تدعم التمكين: وضع قوانين وتشريعات تشجع على الاستثمار، وتحمي المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتضمن استدامة الموارد الاقتصادية.
خاتمة
يمكن القول إن حركة فتح لعبت دورًا محوريًا في دعم صمود الشعب الفلسطيني من خلال سياسات الإعالة الاقتصادية في المراحل الأولى، لكنها تدرك أن الاعتماد على المساعدات وحده لا يكفي لتحقيق الحرية والاستقلال الوطني. التحول إلى التمكين الاقتصادي يمثل استراتيجية أساسية لبناء اقتصاد وطني مستدام، يعتمد على قدرات المواطنين ومبادراتهم، ويقلل من التبعية للمساعدات الخارجية.
دور فتح في التمكين الاقتصادي لا يقتصر على تقديم الدعم المالي المباشر، بل يشمل تطوير البنية التحتية، تعزيز التعليم والتدريب المهني، دعم المشاريع الصغيرة، وربط الاقتصاد بالسياسة الوطنية بشكل يضمن صمود الشعب على المدى الطويل. هذا النهج يعكس فهمًا عميقًا للعلاقة بين الاقتصاد والسيادة الوطنية، ويؤكد أن التمكين الاقتصادي هو جزء لا يتجزأ من المشروع الوطني الفلسطيني.
الانتقال من الإعالة إلى التمكين الاقتصادي يظل تحديًا مستمرًا، لكنه ممكن إذا ما استمر العمل على تطوير القدرات المحلية، تعزيز الوحدة الوطنية، وخلق بيئة اقتصادية وسياسية مستقلة. هذا التمكين ليس هدفًا اقتصاديًا فحسب، بل هو شرط أساسي لاستدامة الصمود الوطني، وبناء مستقبل فلسطيني مستقل ومزدهر.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .