
ما أعزّ من الولد… قراءة في قلب الجدّ لوحة الفنان : محمد الدغليس ، كلمات : د. وليد العريض
ليس صحيحًا أن ولدَ الولد أعزّ لأن الولد أقلّ قيمة، فالولد قطعة من الروح، امتداد الجسد والاسم والملامح، أقرب جينيًا، وأعمق وجوديًا.
لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا هي أن الزمن خان العاطفة.
حين كان الأولاد أطفالًا، كان الآباء آباءً بحقّ والأمهات أمهاتٍ حتى الإرهاق.
العمل يسبق الحنان
والتعب يسبق اللعب
وتأمين الخبز يسبق الجلوس على الأرض لمشاركة طفلٍ دميته وأسئلته الساذجة.
يمضي العمر،
يكبر الأولاد سريعًا،
ينتقلون من الطفولة إلى المراهقة
ومن البيت إلى الحياة
ويكتشف الآباء – متأخرين – أنهم أحبّوا بصدق… لكنهم لم يمتلكوا الوقت الكافي ليعيشوا هذا الحب.
ثم يأتي الأحفاد.
لا يأتون كأبناء،
بل كـفرصة ثانية.
فرصة بلا ضغط العمل
وبلا خوف الغد
وبلا قلق المصروف.
الجدّ لم يعد ربّ أسرة يُطارد الرزق،
بل صار إنسانًا يريد أن يجلس،
أن يضحك،
أن يمسك يدًا صغيرة دون أن ينظر إلى الساعة.
والطفل الصغير لا يطلب أكثر من ذلك.
هنا يحدث اللقاء العجيب:
كلاهما في العمر نفسه نفسيًا.
الطفل في بدايته
والجدّ في عودته الطفولية الأخيرة.
الجدّ يعود طفلًا بلا خجل
والحفيد يجد في الجدّ أبًا بلا أوامر.
لا امتحانات،
لا صراخ،
لا تربية صارمة،
بل حبّ صافٍ
وحنان فائض
وتعويض صامت عمّا فات.
ولهذا يقدّم الجدّ لحفيده أحيانًا أكثر مما قدّمه لابنه،
ليس لأنه أحبّ ابنه أقل،
بل لأنه تعلم الحب متأخرًا وامتلك وقته أخيرًا.
هذه العلاقة خاصة عند الأجيال القديمة – الفلاحين، الكادحين، البسطاء – كانت ملاذًا إنسانيًا.
أجيال شقيت لتُطعم
ولم تُتح لها رفاهية اللعب،
فاكتشفت اللعب حين صار اللعب متاحًا… مع الأحفاد.
في هذه اللوحة، لا نرى رجلًا وطفلًا فقط،
نرى عمرًا يصافح عمرًا،
ونرى يدًا كبيرة تمسك يدًا صغيرة،
ليس لتقودها،
بل لتقول لها:
الآن عندي وقت… ابقَ معي.
وهكذا،
لا يكون ولدُ الولد أعزّ لأن الولد أقلّ،
بل لأن الحب حين يلتقي بالفراغ يصبح أكثر امتلاءً
ولأن القلب حين يتحرّر من الواجب،
يمنح العاطفة حقّها كاملًا.
إنها ليست مفاضلة،
بل مصالحة مع الزمن.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .