
حين يُفكَّك السلاح الصامت ، قراءة في وعي الدكتور ياسر أبوبكر بحرب الخوارزميات ، بقلم : د. منى أبو حمدية
ليس من السهل على كاتب أن يلتقط مصطلحاً تقنياً ناشئاً، ويُعيد صياغته بوصفه أداة تحليل سياسي ومعرفي عميق، دون الوقوع في فخ التهويل أو التبسيط. لكن الدكتور ياسر أبوبكر، في مقاله «حرب الخوارزميات: حين تصبح الآلة سلاحاً والوعي ساحة المعركة»، ينجح في ذلك بوعي لافت، مقدماً نصاً يتجاوز حدود الشرح إلى مساءلة جوهر التحولات التي تمسّ الإنسان المعاصر في وعيه، وخياراته، وقدرته على الفعل.
قيمة هذا المقال لا تكمن في جدة المصطلح فحسب، بل في الطريقة التي أُدرج فيها ضمن سياق الصراع العالمي على السردية والمعنى. فالدكتور أبوبكر لا يتعامل مع الخوارزميات كأدوات تقنية محايدة، بل يكشف عن بعدها السلطوي الخفي، حين تتحول من وسيلة تنظيم إلى أداة ضبط، ومن تقنية تحسين إلى آلية هيمنة. هنا، ينتقل النقاش من عالم البرمجة إلى عالم السياسة، ومن الشاشة إلى الوعي.
يحسب للمقال أنه يخرج بحرب الخوارزميات من دائرة التنظير المجرد، ويضعها في تماس مباشر مع الواقع الفلسطيني، حيث لا تُخاض المعركة فقط على الأرض، بل على الرواية، والصورة، وترتيب الظهور، وحدود الانتشار. الإشارة إلى “الرقابة الناعمة” التي تمارسها المنصّات الرقمية ليست توصيفاً إنشائياً، بل تشخيص دقيق لنمط جديد من القمع، لا يحتاج إلى قرار قضائي، ولا إلى شرطي ظاهر، بل يكتفي بمعادلة رقمية تُقصي، وتهمّش، وتدفن المحتوى بصمت.
الأهم في طرح الدكتور أبوبكر أنه لا يسقط في ثنائية الضحية الكاملة. فهو يحمّل الذات مسؤوليتها الأخلاقية والمعرفية، محذراً من الانجرار وراء محتوى غير موثّق أو مضلل، حتى لو بدا منسجماً مع “القضية”. هذه النقطة تحديداً تمنح المقال قوته الأخلاقية؛ إذ يربط بين المصداقية والمقاومة، ويعيد تعريف النضال الرقمي بوصفه فعلاً واعياً لا استهلاكاً عاطفياً.
كما يلفت المقال إلى أخطر مستويات حرب الخوارزميات: حين تدخل في صلب القرار العسكري والأمني.
هنا، لا تعود المسألة متعلقة بحرية التعبير فقط، بل بالحياة والموت، وبمنطق “الاستهداف المحتمل” الذي يُغلّف بلغة علمية باردة، تخفي خلفها انحيازات البيانات، وعطب السياق الإنساني. هذا التفكيك يضع القارئ أمام سؤال أخلاقي ومعرفي مركزي: من يحاسب الآلة حين تخطئ؟ ومن يحاسب من برمجها؟
ويُحسب للمقال كذلك ربطه الذكي بين حرب الخوارزميات والتعليم. فالمواجهة، كما يطرح الدكتور أبوبكر، لا تكون بالصراخ ولا بالشعارات، بل ببناء مناعة معرفية طويلة الأمد، تبدأ من المدرسة والجامعة، وتُدرج فهم الخوارزميات والتضليل الرقمي ضمن صلب التربية الإعلامية والتفكير النقدي. هنا، يتحول التعليم من فعل تلقين إلى فعل تحرر.
إن مقال «حرب الخوارزميات» ليس نصاً تحذيرياً فقط، بل دعوة صريحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالمعرفة، وبالمنصّات، وبأنفسنا كمجتمعات تعيش داخل ساحة معركة غير مرئية. وهو يقدّم نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه المقال الفكري: واضحًا، عميقاً، ومسؤولاً.
في زمن تُدار فيه الحروب بصمت، ويُعاد تشكيل الوعي دون استئذان، تأتي كتابة الدكتور ياسر أبوبكر لتذكّرنا بأن أخطر ما في الخوارزمية ليس تعقيدها، بل جهلنا بها.
ومن يجهل سلاح خصمه، غالباً ما يخسر المعركة… دون أن يدرك متى بدأت.
- – د. منى أبو حمدية – أكاديمية و باحثة – فلسطين .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .