10:44 مساءً / 29 نوفمبر، 2025
آخر الاخبار

الصين ، بين الأسطورة والنهضة ، رؤية باحث فلسطيني من قلب التجربة الميدانية ، بقلم : د. فؤاد ربايعة

الصين ، بين الأسطورة والنهضة ، رؤية باحث فلسطيني من قلب التجربة الميدانية

الصين : بين الأسطورة والنهضة.. رؤية باحث فلسطيني من قلب التجربة الميدانية ، بقلم : د. فؤاد ربايعة


مقدمة


الصين ليست دولة تزورها ثم تعود كما كنت؛ بل حضارة تبتلعك بأضوائها وأسئلتها، إنها تجربة تهز داخلك مفهوم الزمن والقوة والنهوض. هناك، حيث تتقاطع الجسور في السماء كأنها شرايين فولاذية لدولة عملاقة، وحيث تتحرك الملايين في صمت يشبه صمت الجبال، تدرك أنك أمام حضارة تتنفس بثقة أمة عمّرت نصف التاريخ واستعدّت لوراثة نصف المستقبل.

كل مدينة فيها كأنها فصل من رواية تُكتب خارج الزمن؛ بكين التي تنهض كإمبراطورة من رماد التاريخ، ليست مجرد عاصمة، بل ذاكرة حضارية تحولت إلى مختبر تكنولوجي ضخم. وشنغهاي التي تمشي نحو المستقبل كأنها تستعجل قيادة العالم، هي ليست مجرد مدينة، بل إعلان مبكر عن ملامح العالم القادم.

وحين تمشي في شوارع الصين، تصبح كأنك في درس مفتوح يشرح لك بالعمل لا بالكلام كيف تنهض الأمم حين ترتب عقلها قبل أن ترتب مدنها. فلم نذهب إلى الصين لنراقبها، بل لنفهم لماذا تتقدم، وكيف يمكن لأمّة جُرحت واستُنزفت وفُقِرت أن تصنع أعظم عودة في التاريخ الحديث.


إن هذه الرحلة لم تكن زيارة بروتوكولية ولا برنامجاً تقليدياً للوفود، بل نافذة واسعة على نموذج حضاري كامل، صامت من الخارج، عميق ومتشابك من الداخل. نموذج يقول للعالم: إن المستقبل يُصنع بالانضباط والمعرفة، لا بالشعارات ولا بضجيج السياسة.


جاءت زيارتي إلى جمهورية الصين الشعبية ضمن برنامج تدريبي وتفاعلي شامل ضمن وفد الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الأبرتهايد والاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة الممتدة من 2 إلى 15 نوفمبر 2025، واستهدف الاطلاع المباشر على التجربة الصينية في التنمية، التكنولوجيا، الحوكمة، والتعليم. أتاح البرنامج للوفد الفلسطيني رؤية الصين من الداخل لا كما تتحدث عن نفسها، بل كما هي فعلياً دون دعاية مباشرة أو خطاب موجّه. وقد شكّلت هذه التجربة نافذة تحليلية لفهم التحولات العميقة التي تشهدها الصين بوصفها قوة عالمية صاعدة تعيد تشكيل النظام الدولي.

الصين كقوة عالمية صاعدة: قراءة تحليلية


لا يمكن لأي باحث يزور الصين اليوم أن يتعامل معها كدولة عادية، أو كقوة إقليمية من بين القوى. الصين كما رأيناها على الأرض ليست في مرحلة صعود فقط، بل في مرحلة انتقال نحو قيادة النظام الدولي، الأرقام التي عُرضت علينا خلال المحاضرات، والبنية التحتية التي رأيناها على الأرض، تكشف بوضوح أن الصين لا تتقدم فقط.. بل تتسارع.


اقتصادها الذي يقترب من تجاوز الولايات المتحدة، وصناعتها التي غزت العالم من الهواتف إلى القطارات فائقة السرعة، وجيشها الذي تحوّل إلى أحد أكثر الجيوش تطوراً في التكنولوجيا والتسلح؛ كلها مؤشرات لدولة تُعيد رسم موازين القوة.
إن ما يظهر للزائر ليس إلا سطح جبل الجليد:


⦁ بنية تحتية غير مسبوقة
⦁ منظومة أمنية تعمل بالذكاء الاصطناعي
⦁ مدن ذكية مخططة بعقل الدولة لا بعاطفة السوق
⦁ ملايين البشر يُدارون بنظام دقيق يدمج الانضباط بالابتكار، موارد بشرية مدربة ومنضبطة، تمثل أعظم قوة عمل عرفتها البشرية.
⦁ أكبر شبكة قطارات فائقة السرعة في العالم.
⦁ صناعة تكنولوجية تتحدى الولايات المتحدة في الشرائح الإلكترونية، والاتصالات، والسيارات الكهربائية.
⦁ فائضاً اقتصادياً هو الأكبر عالمياً.
⦁ جيشاً يُعدّ اليوم من أكثر الجيوش تطوراً في التسليح السيبراني والفضائي.


هذه ليست صدفة، وليست طفرة تنموية؛ بل مشروع سياسي استراتيجي تعتبر الصين من خلاله أنها البديل العالمي للنموذج الأمريكي، وأن الزمن القادم هو زمن الشرق.


ومن يراقب الصين اليوم يفهم أن العالم خلال عقدين أمام قطبين فقط: الولايات المتحدة، والصين التي تعمل بصمت ولكن بقوة أكبر مما يظهر في الإعلام. لقد لمسنا خلال الزيارات أن الصين لا تقدم وصفة صعودها، لكنها تعرض نتائج هذا الصعود بطريقة تجعل الزائر مقتنعاً بأن هذا البلد سيكون القوة الأولى أو الثانية عالمياً خلال جيل واحد فقط.

ملامح المجتمع الصيني كما ظهرت في التجربة الميدانية


داخل هذا المشهد الكبير، كان لعدد من التفاصيل اليومية أثر عميق على فهمي للصين كدولة ومجتمع. فالدراجات الهوائية مثلاً ليست رمزاً للفقر، بل عنصراً من عناصر الثقافة الحضرية الصينية؛ يستخدمها الموظف والمدير ورجل الأعمال لأنها وسيلة معقولة، صحية، وسريعة داخل المدن الضخمة. أما الجسور التي تتقاطع فوق الشوارع، فقد بدت كأنها شبكة هندسية علقتها يد دولة تخطط بعقل الدولة لا بعاطفة السوق؛ جسور كثيرة، متتابعة، متشابكة، تعطيك انطباعاً بأن الصين تفكر لأجيال وليس لسنوات.


وشبكات الكاميرات الهائلة التي تغطي كل زاوية ليست مجرد أدوات أمنية، بل جزء من فلسفة “الأمن الصامت” الذي يُدار عبر التكنولوجيا لا عبر الدوريات والعسكر. ولهذا، لم نرَ شرطياً واحداً تقريباً في الشوارع، ومع ذلك شعرنا بأعلى درجات الأمن والانضباط.


كما امتزجت هذه المظاهر بمعانٍ إنسانية واضحة: تواضع الشعب، احترامهم للضيف، قلة الكلام، وغياب التسول تماماً، وهي تفاصيل تبدو صغيرة لكنها في الحقيقة مفاتيح كبيرة لفهم شخصية المجتمع الصيني.

المعرفة من القاعة إلى الميدان: قراءة في المحاضرات والزيارات الأكاديمية


قدّمت المحاضرات التي تلقيناها صورة معمقة عن تاريخ الصين السياسي والثقافي، وعن رحلة انتقالها من مستعمَرة فقيرة إلى قوة عظمى. كما ناقشت محاضرات أخرى النظام التعليمي الصيني الذي يقوم على تقديس العلم، واعتبار الباحثين والعلماء ركيزة أساسية في مشروع النهضة. إضافة إلى ذلك، عُرضت أمامنا خبرات ضخمة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ما جعلنا ندرك حجم الفجوة بين ما نعرفه في فلسطين وبين ما وصلت إليه الصين من قدرة إنتاجية ونظام بحثي وصناعي.


أما الزيارات الميدانية، من الجامعات والمكتبات ودور النشر والمختبرات، فقد كانت بمثابة شواهد حية على هذه المحاضرات. غير أن زيارة “سور الصين العظيم” كانت التجربة الأكثر تأثيراً، إذ رأينا أمامنا رمزاً للصمود وللقدرة على تحويل الطبيعة نفسها إلى جزء من القوة الحضارية للدولة.

التحديات التي واجهت الزيارة


رغم عمق التجربة وغناها، واجهتنا بعض التحديات الطبيعية التي ترافق أي زيارة لبلد يختلف عنا ثقافياً ولغوياً. فقد شكّل حاجز اللغة أحد أبرز الصعوبات، إذ إن نسبة المتحدثين بالإنجليزية محدودة، مما جعل التواصل اليومي أكثر تعقيداً. كما أن ضغط البرنامج وتنقّلنا الدائم بين المحاضرات والزيارات الميدانية فرض علينا نمطاً صينياً في العمل يقوم على الجدية وتقليل فترات الراحة. أما الطعام الصيني، فكان مختلفاً تماماً عن المطبخ العربي من حيث المكوّنات والأساليب، إلا أن الجهات المستضيفة حرصت على توفير خيارات مناسبة تراعي ثقافتنا وخصوصيتنا الغذائية. وبشكل عام، بقيت هذه التحديات ضمن الحدود الطبيعية التي تعكس اختلاف البيئات، ولم تؤثر على القيمة المعرفية والإنسانية للزيارة.

الصين وفلسطين: فرصة تاريخية لشراكة استراتيجية


تمثل الصين اليوم أحد أهم الحلفاء السياسيين لفلسطين على المستوى الدولي، ليس فقط بسبب مواقفها المعلنة والمؤيدة للحقوق الفلسطينية، بل لأنها ترى في القضية الفلسطينية جزءاً من اختبار العدالة الدولية ورفض الهيمنة الأحادية. ويظهر هذا الموقف في الخطاب الدبلوماسي الصيني الذي يربط بين حرية الشعوب وحقها في التنمية وبين مقاومة الاستعمار، وهو ما يجعل فلسطين حاضرة في الوعي السياسي الصيني بشكل مميّز.


لقد لمس الوفد الفلسطيني خلال الزيارة حجم الاحترام الذي تحمله المؤسسات الصينية لفلسطين، سواء من خلال اللقاءات الرسمية أو من خلال الخطاب العام. كان واضحاً أن الصين تنظر إلى الشعب الفلسطيني كشريك طبيعي في بناء نظام عالمي أكثر توازناً، وكطرف يمتلك نضالاً وتاريخاً ينسجم مع قيم الصين في التحرر والعمل والانضباط.


إن هذه الزيارة فتحت الباب أمام إدراك واسع لإمكانية بناء شراكة استراتيجية حقيقية بين فلسطين والصين، تتجاوز الدعم السياسي لتصل إلى مستويات التعاون الأكاديمي، التكنولوجي، والتنفيذي. ويمكن لفلسطين الاستفادة بشكل مباشر من التجربة الصينية في مجالات الحوكمة، الحكومة الرقمية، إدارة المدن، التعليم، البحث العلمي، وتطوير البنى التحتية، ناهيك عن تطوير علاقات اقتصادية واستثمارات مشتركة في قطاعات الطاقة، الصناعة، والابتكار.


ولأن الصين تتقدّم بسرعة نحو موقع القيادة العالمية، فإن بناء علاقة مؤسسية منتظمة معها يُعد خياراً استراتيجياً لفلسطين، خاصة في ظل التحولات الدولية المتسارعة وتراجع فعالية المؤسسات الغربية التقليدية. ما رأيناه في الصين لم يكن مجرد حضارة عملاقة، بل مشروعاً عالمياً جديداً، ومن الضروري أن يكون لفلسطين موقع واضح داخل هذا المشروع، باستثمار الاحترام الصيني العميق للقضية الفلسطينية وتحويله إلى شراكات عملية ملموسة.


وبالنظر إلى ما لمسناه خلال الزيارة، فإن التجربة الصينية تؤكد أن النهضة لا تبدأ من السياسة، بل من القيم: الانضباط، احترام الوقت، تقديس التعليم، الاعتماد على الكفاءة، وعدم ترك المساحات للواسطة، والتفكير بعيد المدى. ولعل أهم ما يجب على فلسطين تعلمه من الصين هو أن بناء الإنسان أهم من بناء البنية التحتية؛ وأن النهضة ليست مشاريع معزولة، بل فلسفة كاملة في الإدارة والحوكمة.

خاتمة


لم تكن هذه الزيارة مجرد برنامج تدريبي، بل كانت رحلة فكرية عميقة أعادت لي شخصياً فهم معنى الدولة الحديثة، وكيف تصنع الأمم نهضتها من الداخل. فقد رأيت في الصين أن البناء الحقيقي يبدأ من الإنسان والمنظومة والقيم، قبل أن يبدأ من الحجارة والطرق والمشاريع. والصين تبني مستقبلها بهدوء، دون ضجيج سياسي أو دعايات، لكنها تؤثر في كل من يراها. وفي هذا ربما يكمن سر صعودها: عمل صامت، ورؤية طويلة المدى، وثقة أمّة تعرف أين تقف وإلى أين تتجه. ويبقى التحدي أمامنا في فلسطين أن نحوّل هذه الدروس إلى سياسات عملية، وأن نستفيد من هذه التجربة في بناء نموذجنا الوطني القادر على الصمود والنهضة.

  • – د. فؤاد ربايعة – باحث وأكاديمي – فلسطين

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم السبت 29 نوفمبر كالتالي :عيار 22 88.200 دينارعيار 21 …