
غزة بين الكارثة وبرلين : قراءة في مشهد الإبادة ، بقلم : المهندس غسان جابر
استعارة من مطعم حمص
في مقابلة إذاعية حديثة، شبّه بنيامين نتنياهو احتلال غزة بسقوط برلين عام 1945. لم يأتِ هذا التشبيه من قاعة عمليات عسكرية ولا من مركز أبحاث استراتيجي، بل من مطعم صغير في القدس يحمل اسم “بين غزة وبرلين”. من هناك استعار رئيس الحكومة استعارة كبرى، ليقدّم حربه باعتبارها فصلًا من ملحمة كونية.
لكن المقارنة ليست فقط ساذجة، بل خطيرة. برلين كانت عاصمة إمبراطورية عالمية، أما غزة فهي شريط ساحلي محاصر لا تزيد مساحته عن 365 كم²، يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان، نصفهم أطفال، و70% منهم لاجئون.
الحرب كإبادة جماعية
الواقع على الأرض يكشف أن غزة ليست برلين، بل غيتو وارسو جديد.
80% من مباني القطاع دُمّرت أو لم تعد صالحة للسكن.
أكثر من 1500 من الطواقم الطبية استشهدوا منذ بداية الحرب.
أكثر من 280 صحفي و اعلامي استشهدوا.
مراكز التوزيع الإنسانية تقلصت من مئات إلى أربعة فقط.
وفي الشمال، لا يوجد أي منفذ إغاثي.
هذا ليس قتالًا عسكريًا متكافئًا، بل سياسة ممنهجة للتجويع والاقتلاع.
اعتراف من الداخل
الأهم أن هذه الحقيقة لم تعد حكرًا على الفلسطينيين أو المنظمات الدولية. في صحيفة هآرتس كتب المحامي ميخائيل سفارد:
“إسرائيل ترتكب في غزة ما ينطبق على تعريف الإبادة الجماعية… نحن عائلة جريمة، كل فرد فيها متورط، بالفعل أو بالصمت.”
هذا الاعتراف الصريح يضع المجتمع الإسرائيلي كله في دائرة المسؤولية، لا الحكومة وحدها. فالمجتمع صمت، ووسائل الإعلام شاركت، والنقابات لم ترفع صوتًا ضد قتل الأطباء وتدمير المدارس.
برلين أم تل أبيب؟
التشبيه ببرلين يكشف أزمة عميقة في الخيال السياسي الإسرائيلي. برلين 1945 كانت نهاية حرب عالمية. غزة اليوم ليست نهاية، بل مرآة لمشروع استيطاني مأزوم لا يعرف كيف يعيش إلا في الحرب.
في الحقيقة، “البرلين” الحقيقية ليست غزة، بل تل أبيب نفسها: مدينة محاطة بجدران الكراهية، تزداد عزلة دولية كل يوم، وتعيش على وهم أن الوقت يعمل لصالحها.
الزمن ضد الاحتلال
نتنياهو يردد أن “الوقت يعمل لصالح إسرائيل”. لكن الوقائع تقول العكس:
الرأي العام العالمي يتغير بسرعة.
أوروبا تعود إلى الحديث عن العقوبات.
الولايات المتحدة، رغم دعمها، باتت تدفع “ضريبة كلامية” عن المجاعة والدمار.
كل يوم يمر لا يضعف غزة، بل يزيد من عزل إسرائيل ويفضح صورتها أمام العالم.
غزة بين الكارثة والمقاومة
الكارثة في غزة واضحة: مدن سُويت بالأرض، مليون مشرّد داخليًا، ومستشفيات انهارت تحت القصف. لكن المفارقة أن هذه الكارثة نفسها صارت مصدر قوة للمقاومة.
الفلسطيني الذي فقد منزله لم يعد يملك ما يخسره.
العالم الذي يشاهد صور الأطفال الجوعى لم يعد يستطيع التذرع بالجهل.
إسرائيل أرادت أن تكسر المقاومة. لكنها بعد شهور طويلة لم تكسرها، بل زادت من شرعيتها. لم تحرر المخطوفين، بل دفعت عائلاتهم إلى الشارع. لم تحقق “النصر المطلق”، بل جرّت نفسها إلى عزلة دولية خانقة.
:حكمة التاريخ
في التاريخ لحظات تختصر مسيرة كاملة. برلين 1945 كانت إعلانًا عن نهاية مشروع عالمي. أما غزة 2025 فهي إعلان عن مأزق مشروع استيطاني فقد بوصلته.
قد ينجح نتنياهو في تدمير بيوت غزة، لكنه لن ينجح في محو حقيقتها: أنها جرح مفتوح يقاوم، ويعيد تعريف معنى الصمود في هذا القرن.
- – م. غسان جابر – مهندس و سياسي فلسطيني – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية – نائب رئيس لجنة تجار باب الزاوية و البلدة القديمة في الخليل.