12:24 صباحًا / 30 أغسطس، 2025
آخر الاخبار

الدكتور الفاضل عبد الكريم أيوب… ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

الدكتور الفاضل عبد الكريم أيوب… ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

بعض الأشخاص يمرّون في حياتنا مرور النسيم، يتركون في القلب لمسة رقيقة ثم يغيبون، وبعضهم يرسّخون وجودهم كما يرسّخ الجبل قدميه في الأرض، لا تهزّه ريح ولا تبهت صورته مع الزمن. ومن هؤلاء الذين نقشوا أثرهم في أعماقي نقشاً خالداً، كان الدكتور عبد الكريم أيوب، أستاذي ومعلمي في مرحلة الماجستير بجامعة النجاح الوطنية، الرجل الذي جمع بين المهابة والرحمة، وبين الحزم الذي يعلّم الجد، واللين الذي يبعث الطمأنينة.

منذ اللحظة الأولى لجلوسي في قاعته، كان حضوره طاغياً، وهيبته تفرض نفسها على كل من حوله، كأنه شجرة باسقة تظلّل المكان بوقارها. للوهلة الأولى، تراه صارماً، جاداً، شديد الطباع في مادته، لكن سرعان ما تدرك أن تحت هذا المظهر قلباً يفيض بالطيبة، وروحاً تشتعل بالحرص على طلابه، وعيناً تسهر لتطمئن أن كل طالب قد فهم ووعى وأتقن.

على يديه واجهتُ مادة التحليل الإحصائي، تلك التي كنا نهابها كما يُهاب البحر عند هياجه، نراها غامضة، معقدة، عصيّة على الفهم. لكنه، بذكائه الفذ وأساليبه المتنوعة، حوّل البحر إلى نهرٍ رقراق يسهل العبور فيه، وحوّل المعادلات الجافة إلى جُمل سلسة، نرتشفها كما يُرتشف الماء البارد في قيظ العطش. علّمنا الصبر والمثابرة، وفتح أمامنا أبواباً من الفهم لم نكن ندركها، حتى غدت الصعوبة لذة، والمشقة متعة، والخوف طمأنينة.

لقد كان بحق معلماً يعرف كيف يطوّع أدواته، ينتقل من طريقة إلى أخرى كعازفٍ بارعٍ يعرف كيف يمسك بكل أوتار آلته ليخرج أعذب الألحان. والأجمل من ذلك، أنه كان يرى الطالب المجتهد بعين التقدير، فيغدق عليه دعمه وتشجيعه، كأنما يقول له: “واصل السير، فخطاك مرصودة، وجهدك لن يضيع.” ولأن لكل إنسان من اسمه نصيب، فقد كان كريماً في علمه، كريماً في أخلاقه، كريماً في وقته وصبره.

ومضت الأيام، وانتقلتُ من مقعد الطالبة إلى مقعد الباحثة، ومن ثم إلى رحاب الدكتوراه. لكن أجمل ما خطّته الأقدار لي، أن أشارك في بحث علمي إلى جانب أستاذي الذي طالما جلست أمامه أنهل من علمه، الدكتور عبد الكريم أيوب، ومعه الدكتور زهير خليف ونخبة من الباحثين. وما أبهى أن يتحول المعلم الذي رفعك يوماً إلى مراتب الفهم، إلى شريك يرفعك اليوم إلى ميادين البحث! تلك نعمة لا تُقاس، وشرف لا يُنسى.

والأجمل من هذا كله، أن الأقدار رتّبت لي موقفاً من أروع محطات العمر: حين عدت إلى جامعتي الأم لأُدرّس مادة فيها، وإذا بي ألتقي أستاذي الدكتور عبد الكريم أيوب في قاعة امتحان، لا كطالبة هذه المرة، بل كمراقبة وزميلة. لحظة من الفخر لا يشبهها شعور؛ رحّبت به كما يرحب الابنة بأبيها، فبادلني الترحيب بتواضع جمّ، فشعرت أن العلم لا يرفع صاحبه بعلمه فقط، بل برقيّه وتواضعه وإنسانيته.

ثم جاء الموقف الذي اختصر شخصيته في أبهى صورة؛ حين وقفت إحدى طالباته تسأله عن مشروع التخرج والتحليل الإحصائي، فقال لها بثقة الأب الحاني: “كما وعدتكم، سأقوم بالتحليل بنفسي، وسأساعدكم جميعاً.” سألته بدهشة عن السبب، فأجابني بابتسامة مطمئنة: “أريد أن أساعدهم لوجه الله، حتى لا يضطروا إلى دفع المال لمختصين ومكتبات.”

أيّ نقاء أعظم من هذا؟ وأيّ أثر أصفى من أن يهدي العالم علمه وجهده ابتغاء مرضاة الله، ورغبةً في نصرة الطالب وتسهيل دربه؟ لقد تجلّت أمامي يومها صورة الأستاذ الحق: ذاك الذي يرى في العلم رسالة، وفي العطاء عبادة، وفي مساعدة الطالب أمانة.

نعم، إنما الإنسان أثر… وأنت، يا دكتور عبد الكريم، تركتَ فينا أثراً خالداً، لا تحدّه قاعات ولا يختزنه كتاب. أثرك هو الصبر الذي علّمتنا إياه، والطمأنينة التي زرعتها في نفوسنا، واليقين بأن الأستاذ الحقيقي لا يصنع الخوف، بل يصنع الأمل.

بارك الله في علمك، وفي خلقك، وفي هذا الأثر النبيل الذي سيظل حيّاً في قلوب طلابك، جيلاً بعد جيل.

شاهد أيضاً

نائب الرئيس حسين الشيخ يطالب الولايات المتحدة التراجع عن منع الوفد الفلسطيني حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة

شفا – طالب نائب رئيس دولة فلسطين السيد حسين الشيخ، الولايات المتحدة الأمريكية، إعادة النظر …