
القدس الطفلة : صرخة البراءة التي تحرس الزمن ، بقلم : ثروت زيد الكيلاني
على تلةٍ يوشحها التين والزيتون، تتفتح طفلةٌ كزهر برّيّ يصرّ أن يعيش بين الشقوق. تحمل لعبتها كأنها تحرس بيتاً مهدّماً، كأنها تخبئ تحت قماشةٍ بالية، ذاكرة قريةٍ كاملة لم تعد على الخريطة. شعرها المنساب على كتفيها ليس زينة. إنه نهرٌ قديم، ينحدر من سفوح الجليل، يمرّ بالخليل، ويعبر الأزقة الضيقة في نابلس، ليصبّ أخيراً في عيون القدس، حيث الحجارة تحفظ الحكاية، وحيث الأزقة لا تزال تردّد أسماء الغائبين.
عيناها ليستا عيني طفلة. إنهما نافذتان على ذاكرةٍ أكبر منها. في بريقهما تتلألأ المآذن كدموع على جبين السماء، وفي عمقهما ترنّ أجراس الكنائس كأنها قلوب تصلّي. عيناها تصرخان بصمت: “هذا وجعي… هذا وجع مدينة بأكملها.”
وراء الأسوار، القبة الذهبية تضيء كقلبٍ يصرّ على الحياة. تُرسل خيوطاً من نور، تلامس وجهها الصغير، وتهمس لها: “لا تخافي… أنا هنا.” فتشد الطفلة لعبتها إلى صدرها، كأنها تشدّ مدينة كاملة إلى قلبها،
وتقول: “لن أترككِ، حتى وإن ثقلت يداي، فأنتِ وطني الصغير.”
الأشجار من حولها حكاياتٌ لا تموت. التين يبوح بسرّ الولادة، والزيتون يعلن صموده منذ أول حجرٍ وُضع في الأرض. حتى الريح، حين تعبر تغدو يداً خفية تمشط شعرها، وتقول لها: “أنتِ الوصية الأخيرة،
أنتِ العهد الذي لا ينكسر.”
في تلك اللحظة تتسع الطفلة حتى تصير مدينة، وتنكمش المدينة حتى تصير طفلة. تتبادل البراءة والصمود،
ويصبح العناق بينهما وعداً أبدياً: أن لا موت لوطن، ما دامت عيون الطفولة تحرسه. ثم يتفجّر الصمت صرخةً، صرخةً أوسع من التلة وأقوى من الأسوار:
“أنا البداية… وأنا البقاء. أنا القدس… طفلة لا تكبر، وطن لا يموت، مهما طال الغياب.”
وكأنها تخاطب الغد كلّه، ترفع لعبتها كرايةٍ صغيرة، وتترك في الريح وصيتها الأخيرة: “احملوا عني هذا الحلم، لا تتركوني وحيدة على التلة. أنا لست طفلة فحسب، أنا مرآة وجوهكم، أنا بيتكم الأول، أنا آخر ما تبقى لكم من البداية. فلا تخونوا عينيّ، ولا تفرّطوا بدميةٍ تصير وطناً.
كأن الطفلة لم تعد طفلة، بل أيقونةٌ خرجت من نور المدينة، وجهها مشبع بقداسة الأزمنة، وعيناها تشعان كقنديلين في ليلٍ طويل. كلما مرّت الأجيال، ظلّت واقفة على التلة ذاتها، لا تكبر، لا تهرم، تمنح من يقترب منها يقينا، وتسكب في قلبه نبوءة: القدس لا يحرسها السيف ولا الحديد، ولا صرامة الحواجز أو جبروت الزمن، بل تحرسها براءةٌ أزلية، وصوت طفلةٍ لا يتوقف عن النداء.
هي ليست جسداً في المكان، إنها صورة الروح حين تتجسد، قديسةٌ صغيرة تحرس الأزقة بأهدابها، وتفتح للغريب أبواب العودة بدمعتها. فكلما نظر إليها العابرون، رأوا في ملامحها وجه الوطن، وسمعوا في صمتها صرخةً تزلزل التاريخ:
“أنا الحارسة… أنا الطفلة… أنا القدس التي لا تغيب“