1:55 صباحًا / 21 سبتمبر، 2019
آخر الاخبار

خبز العسكر بقلم : ميسون أسدي

أمضى راجي في المسبح ساعة من الزمن وبعدها دخل إلى غرفة التمارين الرياضية وبدأ السير على جهاز المشي السريع لنصف ساعة أخرى، وفي طريقه إلى الكافيتيريا التقى بصديقته الطبيبة زينات برفقة زوجها. قبّلها مشتاقا وبعزيمة صادقة دعاهما إلى الكافيتيريا لتناول البوظة. طلبت زينات وزوجها القهوة، وتناول راجي البوظة “آيس كريم” بطعم الليمون، وأخذ يلحسها وهو مستمتع مبتسم متمتم خفية، لحس البوظة ورأسه يتدلى تحتها بطريقة أثارت ضحك الطبيبة فسألته :ما الأسهل أن تميل البوظة بحسب رأسك أم تُميلَ رأسك بحسبها؟!

سكت راجي ونظر إليها وقال بعد برهة: لو قلت لك لماذا أملت رأسي تحت البوظة، لن تفهمي شيئا، فأنت ولدت ومِلعقة ذهب في فمك..

ابتسمت زينات بسخرية وقالت: تكلم.. كلنا آذان صاغية..

•- عندما كنت في المدرسة الابتدائية وقد نهش الفقر بنا نهشا، اشترى أحد زملائي حبة “آيس كريم” بطعم الليمون. رجوته أن يدعني ألحس منها مرة واحدة لا غير، فرفض. نظرت إليه بعينين جائعتين حاقدتين، فيما تساقطت قطرات من البوظة أرضا، لأنها ذابت وهو “يتلظم” مستمتعا بلحسها. أملت رأسي تحت قطرة البوظة ذات اليمين وذات اليسار، علني أحظى بالتقاط القطرة قبل أن تسقط على الأرض. وأخذت أتمايل يسارا ويمينا حتى أنهى اللئيم التهام بوظته، وأنا أتحسر متلظيا.

•- أنا أتفهم شعورك جيدا..

•- يصعب على طبيبة مثلك تمتلك العقارات، وعلى زوجك صاحب شبكات الصيدليات، أن يفهما ما مررت به في طفولتي؟

أمسكت زينات بيد راجي بنظرات ملؤها الحب والثقة وأجابته: انظر إلى جبيني الذي لوحته الشمس، أترى تينك الندبتين، أنهما وصمة… بلعت ريقها ونظرت إلى عيني زوجها مباشرة وفي عينيها تساؤل: هل تفضي له.. فأشار لها ان تتابع الحديث: اسمع يا راجي، أنا لم أعرف الذهب ولا حتى الملعقة..

تنحنحت وهزت رأسها: كانوا مجموعة من الفقراء المتكتلين، ككتلة من الصبا المنقضة على الحياة، وجوه تأنس إليها، تشردت في دنيا لها أول وليس لها آخر. مجموعة فتحت الصدور لفرح الصباح، ونادت بأعلى صوتها، بحناجر قوية، من البيوت المتباعدة..

•- لوين رايحة زنّوب؟

•- إلى المزبلة.

•- وأنت ليلى؟

•- كمان إلى المزبلة.

•- سيجيء معنا علي ونادية؟

•- وكمان آمال ووصال ومريم وسعيدة!

•- الملتقى قرب عين الماء وبعدها “طيارة” إلى المزبلة!

نظرت زينات إلى راجي متأملة وقالت: هل أبحرت مرّة في المزبلة؟!

أجاب راجي باستغراب: لا…!

•- أيقظت المزبلة بهم رغبات لا نهاية لها.. فهي تحتوي العجائب والغرائب. لطالما شدت انتباه المجموعة تماما كما تفعل وتؤثر أفلام “والت ديزني” بأطفال العالم، فتجمع الاطفال حولها حفاة، تسترهم بعض الأسمال البالية. صبيان وبنات بعيونهم الواسعة ونظراتهم الحادة.

تناولت زينات رشفة من قهوتها وتابعت حديثها: كان هؤلاء يزورون المزبلة دون إذن أو علم من ذويهم. المزبلة موقع سري. مريم الدرويش وبهجات قادتا المسيرة نحو المزبلة، إنهما الأكبر سنا والأقوى جسدا، تقرران من يذهب ومن لا. من يقدم لهما رشوة – شطيرة خبز، حبة قطين، كوز رمان أو ما شابه- ينضم إلى المحظيين المتبركين بخيرات المزبلة.

ضحكت زينات وهي تنطق جملتها الأخيرة ثم استمرت بحديثها: سار الأولاد مسافة كيلومترين من بيوتهم إلى قمة الجبل، عبروا الطريق الوعرة بطلعاتها الحادة، لسعت الشمس الحارقة رؤوسهم الطرية. جفت حلوقهم عطشا.

سأل راجي بتلهف: عن أية مزبلة تتكلمين؟!

·- إنها المزبلة الواقعة على الطريق المؤدية إلى مستوطنة “تيفن”، والمطلة على القرية من قمة الجبل، حيث أقيمت على الأراضي التي سلبها اليهود من أهل قريتهم والقرى المجاورة..

اختلس الأطفال النظر إلى غرفة الطعام في المستوطنة، خوفا من أن يطل أحد العاملين بسحنته النحسة ويطردهم من المزبلة كما تُطرد قطط الشوارع. كان منظرهم وهم ينكشون المزبلة يثير حفيظة السكان اليهود، فتفوح من الأطفال المسكنة ويعشش فيهم الذل.
صمتت زينات قليلا ونظرت إلى زوجها، فأومأ برأسه أن “استمري”، تنهدت زينات ثانية وقالت: تشرف المزبلة اليهودية على غرفة الطعام العامة الكبيرة والتي يتناول فيها المستوطنون طعامهم المشترك يوميا، وما يتبقى وراءهم من بقايا طعام يُلقى في تلك المزبلة، فيتسابق الأطفال، من بنات وبنين، كطيور السنونو المهزولة الداكنة التي تبحث عن الطعام ولا تكاد تجد شيئا يسد رمقها. يلملمون أكياس الخبز الإفرنجي، المسمى “بخبز العسكر”، والمقطع إلى قطع متساوية، هشة سهلة المضغ، تكاد تذوب في الفم لطيب مذاقها. إنه حلو ومالح في آن واحد. يتبارزون بجمع أكياس الخبز الجديدة التي انتهت فترة صلاحيتها ولم تفتح بعد. ثم يجمعون كل ما تبقى من فتات.
أما سعيد الحظ فهو الذي يجد علب الزبدة المغلفة بالورق البلاستيكي الأصفر والأبيض. علب الزبدة الصغيرة الرقيقة والشهية، أسالت لعاب زنوب وأثارت مشاعرها. كانت زنّوب كالنسر في الانقضاض والتقاط علب الزبدة الصفراء وليس البيضاء، فالزبدة الصفراء لها حلاوة وطراوة أكثر من الزبدة البيضاء. معظم علب الزبدة مفتوحة و مستعملة. فُتحت وأُكل جزء منها والقي ما تبقى منها في الزبالة. يزيل عنها الأطفال ما علق من أوساخ، بأطراف ملابسهم ويُطوون الورق البلاستيكي حول الزبدة ويلقونه في أكياسهم الخشنة، التي حملوها في جيوب سراويلهم. والمحظوظ هو من يعثر على علبة الزبدة، وقد علق على طرفها قليل من مربَّى المشمش الأصفر أو التوت الأحمر، من سكين اليهودي الذي دهن خبزه بالزبدة والمربَّى، وتكاد دموع السعادة تنهمر من عيون هذا المحظوظ.
هل تعرف يا راجي أن حكاية المزبلة باتت على لسان حال الأطفال. يحلمون بزيارتها، خاصة الأطفال ممن لم يسمح لهم أهلهم بالذهاب إلى المزبلة البعيدة؟.. كانوا قلة نادرة الوجود. بالغ الأطفال في إشاعاتهم بوصف عظمة مزبلة اليهود، وقد قالوا في حينه إنك تستطيع أن تجد فيها دمى للأطفال وملابس جديدة، حلويات، علب شوكولاطة، دراجات هوائية وطابات، سكاكين، أقلام ودفاتر، أكياس نايلون ملونة، كحلا للعيون وأحمر الشفاه وغيرها مما يلفت انتباه الأولاد والبنات، وأمست زيارة المزبلة لهم كزيارة مدينة الملاهي.
قادت “مريم الدرويش” الأولاد إلى المزبلة، وهي معروفة بقوتها وصلابة جسدها وتسلطها على الضعفاء. وخلال نبشها بين أغراض المزبلة، عربدت مريم وهي ترغي وتزبد، وقررت أن الطرف الشرقي من المزبلة الذي يحتوي على الخبز والزبدة تحت سيطرتها، ومن يدنو منه فهو هالك. اختطفت معظم علب الزبدة وخبز العسكر من أيدي الأولاد الذين ارتاعوا من عربدتها. حرصت زنّوب على ألا تسمح لمريم باختطاف كيسها، فهو كل ما تملك لهذا اليوم فقامت مريم بغرز أظافرها القوية والقاسية في جبين زنوب فساح دمها وترك وراءه اخدودين عميقين، وأخذ الحزن يعصر قلبها، لكنها لم تمكن مريم من اختطاف خبزها. ولم تسمح لها بامتلاك المزبلة. وأعلنت بأعلى صوتها: المزبلة لنا جميعا.
عندما تغيب الشمس وراء الروابي. تحمل زنوب كيس خيش كبير جمعت فيه ما تيسر لها من بقايا طعام المزبلة، بالإضافة إلى ما وجدته، ملعقة، شوكة، سكينا، كأسا مشروما، وما شابه.. وتعود بها إلى أمها غانمة مرتين أو ثلاثا في الأسبوع.. فتقول أمها بشفتيها المرتعشتين وكلامها الممطوط وبفأفأة: “هذه هي البنات المليحة، بدلا من أن تلهو مع أترابها في أمور صبيانية، تجمع الزاد لأهلها”… كان الليل قد أمسى قريبا، في ذلك اليوم الذي تشاجرت فيه زنوب مع مريم الدرويش، حضرت أم زنّوب “القَطْرَ”، وهو الماء المغلي مع السكر وقطرات من الليمون، وتركته جانبا حتى يبرد، أخذت بعض علب زبدة زنوب، وأذابتها في المِقلاة، وحمصت خبز العسكر، ثم غطسته وأغرقته في “القطر” البارد، وقدمته كحلوى مزينة بسعادة. قطعتان من خبز العسكر المحمص الذي يسيل “القطر” من جوانبه لكل ولد من أولادها الملتفين حولها، صامتين هائمين كالقطط الصغيرة، يلتهمون خبز العسكر المقرمش بأسنانهم البيضاء كأسنان الجراء، ويمسكونه بأصابعهم التي تكسوها الأوساخ.. ما أن قضمت زنوب قطعتها الأولى، ومضغتها حتى تفتحت الندبتان اللتان خلّفتهما مريم الدرويش، فسالت قطرات دمائها من على جبينها، واستقرت على خبز العسكر تزينه وكأنها مربى التوت، فمسحت دمها بكمها الأيمن، واغرورقت عيناها بالدموع فمسحتهما بكمها الأيسر. اجتهدت زنّوب في لجم أفكارها بسبب طبيعتها الحساسة. وانفرجت شفتاها عن ابتسامة، فلاحت أسنانها البيضاء منضدة على محيا عاطر مليح.

نظر راجي إلى الزوجين مستغربا، ثم قال: هل زنوب هي …؟!

لم تجب زينات على سؤال راجي.. بل وضعت أناملها فوق الندبتين في جبينها. تحسستهما بلطف ثم أمعنت تتأمل أصابعها.

ميسون أسدي

شاهد أيضاً

ضم الضفة الغربية والإستراتيجية الفلسطينية بقلم : د. ناجي شراب

ضم الضفة الغربية والإستراتيجية الفلسطينية بقلم : د. ناجي شراب تصريحات نتانياهو وليست الوحيده التي …