4:57 صباحًا / 6 يوليو، 2020
آخر الاخبار

الدولة العثمانية والانتحار بخنجر العنصرية، بقلم : وليد فكري

الدولة العثمانية والانتحار بخنجر العنصرية، بقلم : وليد فكري

يقول الشاعر الداغستاني رسول حمزتوف، في كتابه “بلدي” على لسان إحدى الشخصيات:”من أطلق نيران مسدسه على الماضي، أطلق عليه المستقبل نيران مدافعه”..

أي أن من يتجاهل التاريخ ودروسه، يتلقى من المستقبل ضربة قاضية، وهو ما كان من العثمانيين الذين تجاهلوا وتعاموا عن دروس تاريخية عن “كيف يهدم التعصب الدول”.

الدرس الأموي

في كتب التاريخ درس شديد القسوة عن الدولة الأموية في المشرق، حيث تميّز الأمويون بالتعصب الشديد للعرق العربي على الأعراق الأخرى، رغم أن الموروث الديني الإسلامي، يؤكد قاعدة أن “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى” وأن من القواعد الأساسية للإسلام، أنه لا يفرق بين عرق وآخر.

هذا التعصب العرقي كان معول هدم زلزل جدران البنيان الأموي، فعندما اندلعت الحركة العباسية وراحت جيوش العباسيين تتقدم لتبتلع معاقل الأمويين لتنهي دولتهم بعد 90 عامًا من قيامها، كان أبرز المنضوين تحت الرايات العباسية السوداء هم “العجم”-خاصة الفُرس- ممن ساءهم التعالي الأموي معهم والسياسة الأموية التي اعتبرتهم مجرد مصدر للأموال والثروات، وهمشتهم في الحياة السياسية، وجذبتهم الوعود العباسية بتغيير هذا الوضع ومساواة العرب وغيرهم.. وهو ما كان بالفعل.

هذا فضلًا عن أن بين العرب أنفسهم كان هناك تعصب بين القيسية (وهم المتحدرون من أصول حجازية عدنانية) واليمنية (وهم ذوو الأصول اليمنية)، فكان التطاحن بين الفئتين عاملًا لإضعاف الدولة في مواجهة الضربات العباسية.

الأمويون تعلموا هذا الدرس في تجربتهم التالية في الغرب -الأندلس- عندما أقام عبدالرحمن الداخل المعروف بـ”صقر قريش” الإمارة الأموية (التي تحولت في عهد حفيده عبدالرحمن الناصر إلى خلافة)، فحرص الأمويون على دمج المتنوعين من عرب وأمازيغ (المعروفون تاريخيًا بالبربر) ومولدون (ذوو الأصول الإسبانية) وغيرهم، وضم البلاط الأموي المسلم والمسيحي واليهودي وأبناء القبائل والأعراق المختلفة في خدمة الدولة.

جدير بالذِكر أنه قبل عبور “صقر قريش” البحر من المغرب إلى الأندلس، كان الأندلس يعاني اقتتالًا داخليًا سببه العنصرية المتبادلة بين العرب والبربر، بل وبين العرب القيسية وأولئك اليمنية.. فأسهم ذلك في اكتساح عبد الرحمن الداخل لهؤلاء المتعصبين وإقامته دولته.

الدرس العباسي

بعد وفاة الخليفة العباسي هارون الرشيد، اندلعت الحرب بين ولديه الأمين والمأمون.

وبينما كانت أم الأمين عربية، فانحاز له قطاع كبير من العنصر العربي، كانت أم المأمون فارسية، الأمر الذي دفع فُرس الدولة الإسلامية إلى مناصرته حتى انتصاره وتوليه الخلافة.

بعد وفاة المأمون تربع على العرش أخوه المعتصم، وكانت أمه تركية، فكان ميله إلى العنصر التركي، وكان قد استوحش من العنصر العربي لميل العرب -آنذاك- لتقديم الولاء للقبيلة على الولاء للخليفة، ولسرعة تقلب انحيازاتهم السياسية، فمال لجنس التُرك، لكنه عوضًا عن أن يكتفي بتحقيق التوازن العسكري بين العرب والترك في القوة المسلحة للدولة، قام بتهميش العرب وقطع رواتبهم العسكرية، واعتمد كليةً على التُرك واستكثر من شراء المماليك منهم وتجنيدهم في جيشه.

وعندما ضاق أهل بغداد بالجند الأتراك قام المعتصم بتأسيس عاصمة جديدة هي “سُر من رأى” وانتقل إليها بجنده الذين ترقى منهم قادة وصاروا أخصّاء الخليفة.

وخلال عهد المعتصم، تسبب انحيازه للتُرك في تكوّن مراكز قوى منهم تعاظم خطرها في عهده، ثم في عهد خلفه الواثق ثم المتوكل، إلى حد ضلوع بعض هؤلاء في اغتيال المتوكل، ثم اغتيال خلفه المنتصر.

ومنذ ذلك العهد تسلط القادة التُرك على مقاليد الدولة العباسية، وصار الخليفة العباسي حبيس قصره محجورًا عليه “حسبه أن يقال له أمير المؤمنين”، وراح هؤلاء القادة يتلقبون بألقاب ملكية مثل “أمير الأمراء”، ويتحكمون في الدولة ويتقاتلون في ما بينهم، بل وربما خلعوا الخليفة أو قتلوه لو بدرت منه بادرة سعي لاسترداد منصبه.

من هنا بدأت الدولة العباسية الانحدار، وراح كل قائد مغامر يقتطع جزءًا منها ويقيم فيه دولة له ولنسله، لا يربطها بالخليفة العباسي سوى الدعاء له على المنابر وضرب اسمه على العملة.. وحذا بعض العرب حذو الترك في لعبة الاقتطاع وإقامة الدول.. وصار المشرق العربي الإسلامي ساحة قتال وتضارب بين دويلات تركية وعربية، وزاد الطين بلة صراع مواز بين السُنة والشيعة.

ومع الوقت اضمحلت “سُر من رأى” وصار اسمها بين الناس “ساء من رأى” (الذي تم تحريفه إلى سامراء) وضعف المركز السياسي لبغداد مقابل دويلات هنا وهناك.

فكان من الطبيعي حين يطرق الغزاة الفرنجة (الحملات الصليبية) والمغول أبواب المشرق الإسلامي، ألا يجدوا قوة موحدة تتصدى لهم.. غير أن الدرس العباسي القاسي، وعاه السلاجقة والزنكيون والأيوبيون والمماليك، فقاموا على التوالي بصهر الأجناس المتنوعة في دولهم، ولهذا كان لهم فضل التصدي للغزاة وإحياء الحضارة الإسلامية، التي تعد من أبرز خصائصها وأوجه ثرائها الحضاري، كونها حضارة مستوعبة للعديد من الأعراق والثقافات والإثنيات.

العنصرية العثمانية

في مقدمة كتابه “العِبَر وديوان المبتدأ والخبر”، أوضح المؤرخ عبدالرحمن بن خلدون، أن التاريخ هدفه هو أن نتعلم من تجارب الأمم السابقة، فنستوعب عوامل قيام وازدهار واضمحلال وسقوط الدول، لنتعامل بها في الحاضر ونقرأ بها المستقبل.

على هذا الأساس كان حريًا بالعثمانيين أن يبحثوا عن العوامل الرئيسية والمساعدة في قيام وعلو الدول السابقة ليأخذوا بها، وعن أسباب سقوطها وتفككها ليتجنبوها.

لكن ما جرى كان عكس ذلك، فعامل مهم مثل “مراعاة التنوع العرقي والقبلي والإثني” ودور ذلك في تماسك الدولة سياسيًا وثرائها حضاريًا وارتباط أقاليمها بالسلطة المركزية، أهمله العثمانيون بتعصبهم الواضح للعرق التركي.

فالقارئ لتاريخ الحكم العثماني للأقاليم الواقعة تحت سيطرته، يدرك بسهولة أن هناك تهميشا متعمدا وممنهجا وصارما جرى لغير الأتراك في الدولة، فلو اتخذنا مصر مثالًا نجد أن المصريين الذين كان منهم مشاركون في مناصب سيادية بالجهاز الإداري للدولة المملوكية السابقة كالقضاء والوزارة والحِسبة ونظر الجيش، تم استبعادهم تمامًا مقابل إما أتراك أو “متتركة”، بل إلى حد أن العثمانيين فرضوا مذهبهم الحنفي على القضاء بعد أن كان بمصر قضاة من كل مذهب من مذاهب السُنّة الأربعة.

وفي المناطق التي كان يغلب عليها الطابع العشائري أو الأسري كالشام عربيًا أو البلقان وأوروبا الشرقية (ولايات الرومللي) بحيث يصعب استبعاد غير التركي تمامًا، كان العثمانيون يطبقون مبدأ “فرق تسد” ويتعمدون ضرب تلك العشائر والأسر ببعضها ليضمنوا عدم قيام سلطة وطنية تتحدى الطغيان العثماني (وهو ما جرى بالفعل بعد ذلك).

وبينما كان الجهاز الإداري لأكبر الدول الإسلامية السابقة للعثمانيين -كالخلافة الراشدة والدول الأندلسية والفاطمية والعباسية والسلجوقية والزنكية والأيوبية والمملوكية- يضم تنوعًا من المكونين للنسيج البشري بالدولة، تعصب العثمانيون لعثمانيتهم، فارتكبوا جريمتين في حق تلك الشعوب وفي حق أنفسهم، فمن ناحية تلك الشعوب المحكومة تسببوا في ضمور مواهب الحكم والإدارة عند أبنائها، ومن ناحية العثمانيين أنفسهم فقدوا كفاءات ومهارات ومحتوى حضاريا قويا كان يمكن أن يغير الحالة الحضارية للدولة العثمانية للأفضل.

الضغط يولد الانفجار

كان من الطبيعي إذن، أن تتمخض تلك العنصرية العثمانية عن نداءات ودعاوى “قومية” و”وطنية” في الأقاليم المحكومة عثمانيًا، وأن تعلو أصوات تنادي بالاستقلال عن الحكم العثماني، لتبدأ إمبراطورية العثمانيين في رحلة التفكك والانهيار.

وليد فكري – كاتب وباحث في مجال التاريخ

شاهد أيضاً

مصلح : تيار الإصلاح بارك كل الخطوات الداعية لإنهاء الانقسام على أساس أن مشروعنا الوطني

شفا – أكد محمود مصلح القيادي في تيار الإصلاح الديمقراطي بحركة فتح، أن تيار الإصلاح …