5:43 مساءً / 8 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

ثلاثية الوجع في غزة ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي

ثلاثية الوجع في غزة ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي


ها هو الشتاء الرابع يأتي غزة محملاً بما يفوق طاقة الفصول على الاحتمال، كأنما يحمل في غيمه الرابض في سماءها بقية المأساة التي لم تنته عند مواسم القصف والنزوح المدوَّر. شتاء قارس يصبّ على رؤوس المنكوبين فصولاً جديدة من العذاب ليطرق أبواب خيامهم وبيوتهم المؤقتة التي أقامتها الحاجة فوق أنقاض ما كانت عليه يوماً من الأيام، فيما تتدلى أقمشتها الممزقة كأكفّ استغاثة مُعلقة في وجه السماء، تارة تتقاذفها الرياح، وتارة أخرى تمسكهنَّ الأيادي الباحثات عن هدنة من مطر. أربعة أشتية، وأهل غزة – أجساداً أضناها القصف وأرواحاً أرهقها النزوح وذاكرة مثقلة بموت يتجدد كل صباح – يفترشون الطين ويلتحفون خياماً تشبه أجنحة الطيور المبتلة. أربعة أشتية، والأمهات يحوّلن صدورهن إلى مواقد صغيرة لأطفال يرتجفون، والآباء يحدقون في جُدرٍ واهنة تفصلهم عن موت يتربص بهم من كل الجهات. لقد اجتمع على غزة من أقدار الوجع ما تتفرق به الأمم: حرب أكلت أبناءها، وسيول ابتلعت ملاجئها، وخذلان تركها عارية أمام قسوة عالم لا يسمن ولا يغني من جوع. ثلاثية موتٍ تتناوب على شعبٍ كُتب عليه أن ينجو من الجحيم ثم يواجه الجحيم في صورة أخرى.

كانت الحرب أولى الخناجر التي غُرست في خاصرة القطاع؛ جاءت محمولة على أجنحة القاذفات، فاقتَلعت البيوت من جذورها وسوّت الأحياء على ترابها، ونثرت على أرصفة المدينة أشلاء الحكايات والأحلام. هناك، تحت طبقات الركام، توارت عائلات بأكملها واحتضنت الأمهات أطفالهن للمرة الأخيرة وتحولت الديار التي شهدت ضحكات العمر إلى شواهد صامتة على فداحة الفقد والغياب. إنها الحرب الظالمة التي انتزعت من غزة أبناءها وذاكرتها وأعادت تشكيل ملامحها على هيئة مقبرة شاسعة، ثم دفعت بمن تبقى من أهلها إلى دروب النزوح، فساروا حفاةً في جغرافيا الفجيعة، يحملون مفاتيح أبواب ابتلعتها الأنقاض وصوراً لأحبة خبأهم الغياب خلف أستار الأبد، وأسماء مدن صغيرة انمحت خرائطها. وبين هدنة وأخرى، وجد الناجون أنفسهم أمام حياة لا تشبه سوى غزة الحاصلة أمام أعين العالمين: أجساد منهكة وأرواح مشطورة وأطفال كبروا دفعة واحدة على إيقاع الفواجع. لقد أبادت الحرب في غزة أجيالاً من الطمأنينة وأحرقت المعنى البسيط للحياة حتى غدا البقاء ذاته معركة يومية وصار الوصول إلى المساء انتصاراً صغيراً على موت يترصد التفاصيل.

ووقتما ظن المستضعفون أن الخيام ستمنحهم قِسطاً من السكينة، تسربل الشتاء بثوبه الفضفاض ليكشف هشاشة الملاذ الأخير، إذ انهمرت الأمطار وهبت الرياح عاتية، فاقتلعت الأوتاد من أساسها وشقت الأقمشة المترهلة واقتحمت المياه المضاجع وغمرت الفرش والأغطية وبعثرت ما أقامه المنكوبون من فتات المأوى، كما لو أن هذا الطقس حل بثقله ليستكمل صفحات الحكاية، مُبدداً ما جمعه النازحون من أسباب النجاة. يا لقساوة المشهد! أمهات يرفعن أطفالهن فوق أذرعهن خشية الماء، وآباء يشقون بأظافرهم المسارب لصرف السيول عن مضاجع الصغار، وشيوخ يرتجفون تحت أغطية ابتلت كثيراً حتى فقدت قدرتها على الدفء، وعائلات بأكملها تقضي الليالي في سباق يائس مع المطر؛ تنقل ما استطاعت إنقاذه من مكان غارق إلى آخرٍ أشد غرقاً. هناك في تلك البقعة المنكوبة من الأرض حيث لا جدران من أسمنت أو حجارة تقي النوازل، تحولت الرياح من أنفاس عابرة للطبيعة إلى مخالب تمزق آخر ما يستر الإنسان، وتحول الغيث إلى سيول تغمر كل مأوى من قماش متهالك وكل ما تبقى في قلوب أهلها من أمان، حتى غدت الخيمة التي أقيمت لتكون ملاذاً من الموت مسرحاً جديداً لموت آخر. وهكذا صار الأدمي في غزة محاصراً بين سماء تمطر وأرض تغرق وخيمة ترتجف وجسد استنفد آخر ما يملك من قدرة على الاحتمال.

ويبقى الخذلان لهذه المدينة أوجع الفصول جميعاً؛ ذلك القاتل الذي لا يرمي القنابل ولا يحتاج إلى طقس بارد وماطر، وإنما يترك الضحية في مواجهة مصيرها المحتوم ويطيل وقوف العالم على ضفاف المشاهد متفرجاً دون وازع إنساني. إنه المسافة الفاصلة بين صرخات الغارقين وصمت العالمين، وبين احتياجات المنكوبين وما يصل إليهم من أسباب الحياة. فما أقسى أن يبلغ الإنسان قاع المأساة ولا يجد يداً تمتد إليه حتى ولو هي أقل من حاجته! ألم يرَ العالم – بعد كل هذا – مصير شعب بأكمله ينتظر أن يستعيد حقه الأول في الحياة، فيما تتراكم فوق انتظاره طبقات من الصمت والعجز والتأجيل؟! ياللخطيئة الكبرى حين يصبح اعتياد المأساة بديلاً عن مواجهتها، وحين تتحول صور الأطفال الغارقين والنساء المرتجفات والخيام المقتلعة إلى مشاهد مألوفة تمر أمام أعيننا دون أن توقظ فينا رجفة الضمير! فمن خذلناه لم يجد سوى خيمة ترتجف وطفل يرتعش وأم تحاول أن تخفي دموعها كي لا ينهار آخر حصون الطمأنينة في قلب صغيرها. وخذلاننا في هذا المقام جرح أخلاقي غائر في جسد الإنسانية ووصمة ستظل معلقة في ذاكرة التاريخ، كلما ذُكرت غزة، وكلما استعاد العالم حكاية شعب استغاث طويلاً فوجد الصدى أوسع من النجدة والوعود أطول من لياليه الباردة.

هكذا تستقبل غزة شتاءها الرابع. مدينة تقف على ركامها وشعب يواجه فصوله العارية بجسد أنهكته القاذفات وأرض تنازعتها السيول وسماء صبت على رؤوس المشردين ماءها. أمة أبادتها الحرب وجرفتها السيول وقتلها الخذلان؛ ثلاثية تختصر حكاية الوجع الفلسطيني في أقسى تجلياتها. ومع ذلك، ثمة أمهات ما زلن يخبئن لأطفالهن شيئاً من الدفء في أكفّهن وآباء يرممون الخيام بأيد مرتجفة وأطفال يفتشون في عيون أمهاتهم عن وعد بصباح أقل قسوة. هؤلاء الذين سرقت الحرب بيوتهم وانتزعت السيول مأواهم وأطال الخذلان ليلهم ما زالوا يتمسكون بحقهم في الحياة، كأنما يعلنون للعالم أن الإنسان قد يُحاصر في جسده ويُشرّد من أرضه وتُثقل روحه بالفواجع، لكنه يظل جديراً بالحياة والكرامة والنجاة.

شاهد أيضاً

معرض الصين الدولي للاستيراد.. الأصدقاء العرب القدامى: منتجات صحراوية تُجدد أواصر التعاون الاقتصادي مع الصين

معرض الصين الدولي للاستيراد.. الأصدقاء العرب القدامى: منتجات صحراوية تُجدد أواصر التعاون الاقتصادي مع الصين

شفا – مجموعة من “الأصدقاء القدامى” من الدول العربية وصلوا كما هو مقرر مع إقامة …