12:14 مساءً / 8 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

محافظة سلفيت: جغرافيا واحدة ومجتمعات استيطانية مغلقة… كيف يُعاد تشكيل المكان وتفتيت التواصل؟ بقلم : د. عمر السلخي

محافظة سلفيت: جغرافيا واحدة ومجتمعات استيطانية مغلقة… كيف يُعاد تشكيل المكان وتفتيت التواصل؟ بقلم : د. عمر السلخي


حين تتحول المستوطنات إلى جزر مغلقة داخل الجغرافيا الفلسطينية، لا تكون المسألة مجرد توسع عمراني، بل عملية إعادة تشكيل للمكان وتفكيك للروابط الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية بين مكونات المحافظة الواحدة.

سلفيت… وحدة جغرافية تتعرض للتفتيت

لا يمكن النظر إلى محافظة سلفيت باعتبارها مجرد مجموعة من البلدات والقرى المتجاورة، بل هي وحدة جغرافية واجتماعية واقتصادية متكاملة، تشكلت عبر عقود طويلة من التواصل اليومي والعلاقات العائلية والتجارية والزراعية، والتكامل في الخدمات والمصالح المشتركة.

فالعلاقة بين الزاوية وبديا وسلفيت ودير استيا وقراوة بني حسان وكفر الديك وبقية بلدات وقرى المحافظة ليست مجرد علاقة تجاور جغرافي، بل شبكة مترابطة من المصالح والحركة والتفاعل الإنساني والاقتصادي.

غير أن التوسع الاستيطاني وما يرافقه من حواجز وطرق مقيدة وبوابات عسكرية، يعيد تشكيل هذا المجال، ويحوّل الجغرافيا المتصلة إلى مساحات متقطعة، ويضعف الروابط التي تجمع مكونات المحافظة.

المستوطنات… مجتمعات مغلقة داخل الجغرافيا الفلسطينية

لا تقتصر خطورة المستوطنات على الأراضي التي تشغلها، بل تمتد إلى طبيعة المجال المكاني الذي تنشئه حولها. فهي تتشكل كمجتمعات عمرانية مغلقة، تحيط بها منظومة من الطرق والبنية التحتية والحدود والحواجز الأمنية، بما يعزز اتصالها الداخلي، في مقابل تزايد العزلة والتجزئة في التجمعات الفلسطينية المحيطة.

وهنا تبرز المفارقة؛ فبينما تتوسع المستوطنات وتتصل فيما بينها عبر شبكات طرق وبنية تحتية تخدم امتدادها، تتراجع قدرة البلدات والقرى الفلسطينية على التواصل الطبيعي فيما بينها.

وبهذا المعنى، تتحول المستوطنات إلى جزر عمرانية مغلقة داخل النسيج الجغرافي للمحافظة، لا تفصل بين الأراضي فحسب، بل تؤثر في استمرارية الطرق، والوصول إلى الأراضي الزراعية، وحركة المواطنين والبضائع، والتفاعل اليومي بين أبناء المحافظة.

من التجاور الجغرافي إلى التفتيت الوظيفي

إن الطريق الذي يربط بلدة بأخرى ليس مجرد مسار للتنقل، بل شريان للحياة الاقتصادية والاجتماعية، ووسيلة للوصول إلى العمل والتعليم والصحة والأسواق والخدمات.

لكن مع تداخل المستوطنات والحواجز والبوابات والطرق المقيدة، قد تتحول المسافات القصيرة إلى رحلات طويلة ومعقدة، ويصبح التواصل بين بلدات المحافظة مرتبطًا بظروف الوصول والحركة.

وهكذا، تبقى البلدات والقرى متجاورة على الخريطة، لكنها تواجه تراجعًا في قدرتها على العمل والتفاعل بوصفها أجزاء من وحدة جغرافية واحدة. وهذا ما يمكن تسميته بالتفتيت الوظيفي للمحافظة؛ حيث لا يُفصل المكان ماديًا فقط، بل تتراجع أيضًا الروابط التي تمنحه وحدته الاقتصادية والاجتماعية.

تفتيت التواصل يعني تفتيت التنمية

لا تتوقف آثار التجزئة عند حدود الحركة والتنقل، بل تمتد إلى التنمية المحلية. فتراجع سهولة الوصول بين التجمعات السكانية يؤثر في الأسواق، ويرفع تكاليف النقل، ويحد من تسويق المنتجات الزراعية، ويصعّب الوصول إلى المؤسسات والخدمات والمرافق العامة.

كما يضعف قدرة الهيئات المحلية على التخطيط المشترك وتنفيذ مشاريع تنموية متكاملة تخدم أبناء المحافظة.

فالتنمية لا تقوم على وجود المؤسسات والمشاريع بصورة منفصلة، بل على تكامل الموارد وتبادل المنافع وسهولة الحركة والاتصال بين التجمعات السكانية. ومن هنا، فإن تفتيت الجغرافيا يؤدي بالضرورة إلى إضعاف فرص التنمية والتكامل الاقتصادي والاجتماعي.

الحفاظ على وحدة المكان… مسؤولية تنموية مشتركة

يقدم مفهوم إنتاج الفضاء الاجتماعي لدى المفكر الفرنسي هنري لوفيفر مدخلًا مهمًا لفهم هذه التحولات؛ فالمكان ليس مجرد أرض وحدود، بل هو نتاج للعلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحدد كيفية استخدامه والوصول إليه.

وبالنظر إلى واقع محافظة سلفيت، فإن التوسع الاستيطاني يتجاوز إنشاء تجمعات عمرانية جديدة، ليؤثر في تنظيم المجال الجغرافي والتحكم في الحركة وإعادة تشكيل العلاقات بين التجمعات الفلسطينية.

لذلك، فإن مواجهة آثار هذا التفتيت تتطلب التعامل مع المحافظة باعتبارها وحدة جغرافية وتنموية واحدة، وتعزيز التخطيط المشترك بين الهيئات المحلية، وتطوير مشاريع اقتصادية وخدماتية عابرة للحدود الإدارية، والحفاظ على الطرق والمسارات التي تربط بلداتها وقراها.

المعركة على وحدة المكان

إن ما تواجهه محافظة سلفيت ليس مجرد توسع استيطاني أو مصادرة للأراضي، بل تحول يمس بنية المكان ووحدة المجتمع، ويهدد شبكة العلاقات التي تربط بلداتها وقراها ضمن نسيج جغرافي واقتصادي واجتماعي واحد.

فمحافظة سلفيت ليست مجموعة تجمعات سكانية منفصلة، بل وحدة حياة ومصالح وعلاقات ومصير مشترك، وأي مساس بترابطها المكاني ينعكس على مجمل مكوناتها.

فالمعركة على جغرافية محافظة سلفيت ليست على الأرض وحدها، بل على وحدة المكان، وحق الإنسان في الحركة والوصول والتواصل، وعلى بقاء المحافظة فضاءً واحدًا يجمع أبناءها، لا جزرًا معزولة تفصل بينها الوقائع المفروضة على الأرض.

شاهد أيضاً

ياسر عباس يستقبل وفداً من جمعية عصر الزيتون في بلدة بديا

ياسر عباس يستقبل وفداً من جمعية عصر الزيتون في بلدة بديا

شفا – استقبل الأخ ياسر عباس، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح – مفوض العلاقات الخارجية، …