
هل نعالج الفاقد التعليمي أم نُنتج فاقداً جديداً؟ ، بقلم : د. عماد سالم
التعليم المساند في فلسطين: بين ضرورة إنقاذ التعلم ومخاطر الحلول غير المدروسة
لم يعد واقع التعليم في فلسطين يحتمل مزيداً من المعالجات التقليدية أو الحلول الإجرائية التي تتعامل مع مظاهر الأزمة دون النفاذ إلى جذورها. فنحن أمام أزمة تعليمية تتجاوز حدود المدرسة والغرفة الصفية، وترتبط ارتباطاً مباشراً بالواقع الاقتصادي والمالي والسياسي الذي يعيشه المجتمع الفلسطيني، وما يترتب عليه من انعكاسات على المعلم والمتعلم والمؤسسة التعليمية بأكملها.
إن استمرار أزمة الرواتب، واحتجاز جزء كبير منها، وما نتج عنه من تراجع القدرة المعيشية للمعلمين والعاملين في القطاع العام، انعكس بصورة مباشرة على انتظام العملية التعليمية، واضطرت المدارس إلى تقليص أيام الدوام من خمسة أيام أسبوعياً إلى ثلاثة أيام في ظل هذه الظروف.
وهذا الواقع لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خلل في جدول الدوام المدرسي، بل هو تهديد حقيقي لاستمرارية التعلم، وتراكم الفاقد التعليمي، واتساع الفجوات المعرفية والمهارية بين الطلبة، خصوصاً في المراحل الأساسية الأولى.
وفي محاولة لمعالجة هذه التداعيات، اتجهت وزارة التربية والتعليم إلى تبني برنامج التعليم المساند، من خلال تعيين معلمين على عقود لتغطية يومين إضافيين، مستهدفاً في مرحلته الأولى الصفوف الأربعة الأساسية الأولى، مع إمكانية التوسع لاحقاً.
ومن حيث المبدأ، فإن الاستعانة بمعلمين مساندين ليست فكرة خاطئة، بل قد تشكل أحد المداخل التربوية المهمة لمعالجة الفاقد التعليمي، إذا استندت إلى تخطيط علمي واحتياجات فعلية للمدارس والطلبة. لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل صُمم هذا البرنامج ليعالج الفاقد التعليمي فعلياً، أم ليعيد الدوام المدرسي إلى خمسة أيام بأي طريقة ممكنة؟
إن الفرق بين الهدفين كبير، والنتائج المترتبة على كل منهما قد تكون مختلفة تماماً.
أولاً: أزمة التعليم ليست أزمة أيام دوام فقط
من المهم أن نكون واقعيين في قراءة المشهد التعليمي الفلسطيني. فالمعلم اليوم يواجه ظروفاً معيشية ومهنية صعبة، في ظل عدم انتظام الرواتب واقتطاع جزء كبير منها، وارتفاع تكاليف الحياة، وتزايد الالتزامات الأسرية، إلى جانب الضغوط النفسية والمهنية التي ترافق العمل في ظل الأزمات المتراكمة.
وفي المقابل، يذهب الطالب إلى المدرسة في بيئة تعليمية تتأثر بعدم الاستقرار، وتقليص أيام التعلم، وتراجع فرص التفاعل المباشر مع المعلمين، فضلاً عن الفجوات التي تتراكم في التحصيل الدراسي، وما يصاحبها من تفاوت في مستويات التعلم بين الطلبة.
ولا يمكن أن نغفل أن المعلم ليس مجرد موظف يؤدي ساعات عمل محددة، بل هو العنصر الأساسي في العملية التعليمية، واستقراره المعيشي والنفسي والمهني شرط مهم لقدرته على أداء رسالته التربوية.
كما أن الطالب ليس مجرد رقم في إحصائيات الحضور والغياب، بل هو صاحب حق في تعلم نوعي ومتواصل، وفي بيئة تعليمية توفر له فرص الفهم والمشاركة والتفاعل والمتابعة.
ومن هنا، فإن أي معالجة للأزمة التعليمية لا تضع المعلم والمتعلم في مركز اهتمامها ستظل معالجة جزئية، مهما بدت إجراءاتها إيجابية على المستوى الإداري.
ثانياً: التعليم المساند فكرة تربوية سليمة، ولكن بشروط
من الناحية التربوية، يمثل التعليم المساند أو العلاجي أحد التدخلات المعروفة دولياً لمعالجة الفاقد التعليمي، ولا سيما عندما يستهدف الطلبة الذين لم يتمكنوا من اكتساب المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب.
لكن نجاح هذا المدخل يتطلب توافر مجموعة من الشروط، أهمها:
- إجراء اختبارات تشخيصية لتحديد الفجوات التعليمية الفعلية لدى الطلبة.
- تصميم برامج علاجية تتناسب مع مستوياتهم واحتياجاتهم الفردية.
- توفير معلمين مؤهلين ومدربين على أساليب التعليم العلاجي.
- العمل ضمن مجموعات تعليمية مناسبة تتيح التفاعل والمتابعة.
- وجود تنسيق وتكامل بين المعلم الأساسي والمعلم المساند.
- قياس أثر البرنامج بصورة دورية، من خلال تحسن المهارات والتحصيل لدى الطلبة.
فالتعليم المساند ليس مجرد إضافة معلم إلى المدرسة، ولا مجرد زيادة عدد أيام الحضور، بل هو تدخل تربوي منظم له أهداف ومؤشرات أداء ونتائج ينبغي قياسها.
وهنا يجب التأكيد على أن انتظام الدوام خمسة أيام أسبوعياً هدف تربوي مهم، لكنه ليس دليلاً كافياً على جودة التعليم. فقد يعود الطالب إلى المدرسة خمسة أيام، دون أن يحصل بالضرورة على فرص تعلم حقيقية، إذا كانت البيئة الصفية مكتظة أو لم تتوافر المتطلبات اللازمة للتدريس الفعال.
ثالثاً: المشكلة في تصميم البرنامج وآليات تنفيذه
تظهر الإشكالية الحقيقية عندما ننتقل من الفكرة النظرية إلى التطبيق الميداني.
فإذا كانت المدرسة تضم عشر شعب صفية أو أكثر، ويُخصص لها معلمان أو ثلاثة معلمين مساندين فقط، فكيف يمكن تغطية الاحتياجات التعليمية لجميع هذه الشعب؟ وما النموذج الذي سيضمن عدم حدوث إرباك في الجداول المدرسية وتوزيع الحصص والمسؤوليات؟
والأكثر إثارة للقلق أن تؤدي محدودية أعداد المعلمين المساندين إلى دمج شعبتين أو ثلاث شعب في غرفة صفية واحدة، بحيث يتجاوز عدد الطلبة في بعض الحالات المائة طالب.
وهنا نكون أمام سؤال تربوي لا يحتمل المجاملة: كيف يمكن لمعلم أن يدير عملية تعلم فعالة لمائة طالب أو أكثر في غرفة واحدة؟ وكيف يمكنه متابعة الفروق الفردية، وتصحيح الأخطاء، وتقديم التغذية الراجعة، والتأكد من أن كل طالب قد اكتسب المهارات المستهدفة؟
إن الغرفة الصفية ليست مجرد مساحة لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلبة، بل هي بيئة تعليمية تقوم على التفاعل والمشاركة والانضباط والمتابعة والتقويم.
والاكتظاظ الشديد لا يؤثر فقط على الطالب، بل يضاعف العبء على المعلم، ويضعف قدرته على إدارة الموقف التعليمي، ويؤثر على جودة أدائه المهني والنفسي.
وبالتالي، فإن معالجة نقص المعلمين المساندين من خلال دمج أعداد كبيرة من الطلبة قد تنقل المشكلة من تقليص أيام الدوام إلى إضعاف جودة التعلم داخل الصفوف.
رابعاً: لماذا يجب أن نكون أكثر حذراً في الصفوف الأربعة الأولى؟
إن استهداف الصفوف الأربعة الأساسية الأولى يستدعي اهتماماً استثنائياً، لأنها المرحلة التي تتشكل فيها القاعدة المعرفية والمهارية للطفل.
ففي هذه المرحلة يكتسب الطالب مهارات القراءة والكتابة والفهم والحساب، وتتكون لديه اتجاهات التعلم والثقة بالنفس والقدرة على التواصل والتفاعل.
والفاقد التعليمي في هذه المرحلة لا يبقى محصوراً في صف دراسي بعينه، بل قد يمتد أثره إلى المراحل اللاحقة، ويصبح الطالب الذي لم يتقن القراءة والفهم مثلاً أكثر عرضة للتعثر في العلوم والرياضيات والمواد الأخرى.
لذلك، فإن معالجة الفاقد التعليمي تتطلب تدخلاً متخصصاً ومبكراً، يعتمد على مجموعات صغيرة، وتقييم مستمر، ومتابعة فردية أو جماعية بحسب طبيعة الفجوات.
ولا يجوز أن نختزل هذا التدخل في مجرد توفير معلمين إضافيين أو إعادة توزيع الطلبة بين الشعب.
خامساً: المعلمون بين ضغوط الواقع ومتطلبات الإصلاح
ثمة قضية أخرى ينبغي ألا تغيب عن النقاش، وهي وضع المعلمين أنفسهم.
فلا يمكن أن نطالب المعلم بأداء تربوي متميز، ونحمّله مسؤولية معالجة الفاقد التعليمي، بينما يعيش ظروفاً اقتصادية صعبة، ويتعرض دخله للتآكل، ويواجه حالة من عدم اليقين الوظيفي والمعيشي.
كما أن تعيين معلمين مساندين على عقود مؤقتة يطرح تساؤلات تتعلق بطبيعة هذه العقود، وشروط العمل، والأجور، والاستقرار الوظيفي، والتأهيل المهني، وآليات الإشراف والتقييم.
ومن الضروري أن تكون العلاقة بين المعلم الأساسي والمساند علاقة تكامل مهني، لا علاقة تنافس أو ازدواجية في المسؤوليات.
فالمعلم الأساسي هو الأعرف بطلبته ومستوياتهم واحتياجاتهم، والمعلم المساند ينبغي أن يشكل إضافة نوعية تساعده على معالجة الفجوات التعليمية، لا أن يكون مجرد وسيلة لتغطية حصص إضافية.
إن إصلاح التعليم يبدأ أيضاً من إنصاف المعلم، وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الذي يمكنه من أداء رسالته، والاعتراف بأن تحسين جودة التعليم لا ينفصل عن تحسين ظروف العاملين فيه.
سادساً: هل الهدف تعليمي أم تشغيلي؟
من المهم التمييز بين توفير فرص عمل من خلال العقود المؤقتة، وبين معالجة الفاقد التعليمي وفق احتياجات الطلبة.
كلا الهدفين قد يكون مهماً ومشروعاً، لكن لا يجوز الخلط بينهما أو اعتبار أحدهما بديلاً عن الآخر.
إذا كان الهدف تعليمياً، فيجب أن يكون عدد المعلمين المساندين وتوزيعهم وتخصصاتهم مرتبطاً بحجم الفاقد التعليمي، وعدد الشعب والطلبة المستهدفين، والمواد التي تحتاج إلى تدخل علاجي.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن يكون عدد المعلمين المساندين مساوياً دائماً لعدد الشعب، وإنما أن يستند التوزيع إلى معادلة واضحة للاحتياج الفعلي، تراعي عدد الطلبة، وساعات التدخل، والمواد الدراسية، والقدرة الاستيعابية للمدرسة.
أما إذا كان الهدف توفير فرص تشغيلية، فينبغي أن يُصمم له مسار مناسب، دون أن تتحمل العملية التعليمية والطلبة تبعات أي خلل في التخطيط.
فالسياسة العامة الناجحة هي التي تستطيع تحقيق أهدافها الاجتماعية والتشغيلية والتربوية معاً، دون التضحية بالهدف الأساسي: تعلم الطالب.
سابعاً: ما الذي ينبغي فعله؟ من الحلول الإجرائية إلى سياسة وطنية للتعافي التعليمي
إن المطلوب ليس رفض برنامج التعليم المساند، وإنما إعادة النظر في تصميمه وآليات تنفيذه، ووضعه ضمن خطة وطنية متكاملة للتعافي التعليمي، تقوم على مجموعة من الأولويات:
- تقييم ميداني عاجل: مراجعة تطبيق البرنامج في المدارس، والاستماع إلى المديرين والمعلمين والمشرفين التربويين، وتحديد المشكلات التي ظهرت فعلياً.
- توزيع المعلمين وفق الاحتياج: ربط أعداد المعلمين المساندين بعدد الشعب والطلبة والمواد المستهدفة، وعدم فرض نموذج موحد على مدارس تختلف في ظروفها وإمكاناتها.
- حماية البيئة الصفية: منع دمج الشعب بأعداد تفوق الطاقة الاستيعابية للغرف الصفية، وضمان ألا يكون استعادة أيام الدوام على حساب التفاعل وجودة التدريس.
- التعليم العلاجي الموجه: اعتماد اختبارات تشخيصية وخطط علاجية تستهدف المهارات الأساسية، مع تنظيم مجموعات تعليمية صغيرة وفق مستويات الطلبة.
- تمكين المعلمين: توفير التدريب والتأهيل للمعلمين المساندين، وتعزيز التعاون بينهم وبين المعلمين الأساسيين، وتحسين الظروف المهنية والمعيشية للعاملين في التعليم.
- التدرج والتقييم: تنفيذ البرنامج بصورة مرحلية، وقياس أثره على تعلم الطلبة، قبل التوسع إلى صفوف أخرى، وعدم الاكتفاء بمؤشرات الحضور والانتظام.
- معالجة جذور الأزمة: العمل على استقرار صرف رواتب المعلمين، وتوفير التمويل اللازم لاستمرارية العملية التعليمية، لأن العقود المؤقتة والتدخلات الجزئية لا يمكن أن تكون بديلاً عن نظام تعليمي مستقر وممول بصورة كافية.
ثامناً: مسؤولية وطنية تتجاوز حدود وزارة التربية والتعليم
إن أزمة التعليم في فلسطين ليست مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها، وإن كانت الوزارة تتحمل مسؤولية إدارة العملية التعليمية وحماية جودتها.
فالحكومة بمؤسساتها المختلفة مطالبة بالتعامل مع التعليم باعتباره أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل، والعمل على إيجاد حلول مالية مستدامة تضمن انتظام الرواتب والدوام المدرسي، وتحمي حق الطلبة في التعليم.
كما أن المجتمع المحلي والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات والمؤسسات التربوية يمكن أن تسهم في دعم برامج التعافي التعليمي، شريطة أن تكون هذه المساهمات ضمن إطار وطني منظم، وتحت إشراف تربوي متخصص، وبما يحافظ على مسؤولية الدولة عن التعليم.
فالتعليم ليس خدمة يمكن تأجيلها حتى تتحسن الظروف الاقتصادية، ولا قطاعاً يمكن الاكتفاء بإدارة أزماته من خلال إجراءات مؤقتة. إنه استثمار في رأس المال البشري، وفي قدرة المجتمع على الصمود وإعادة البناء.
أخيراً: لا نريد خمسة أيام من الدوام على حساب خمسة أيام من التعلم الحقيقي!
إننا ندرك صعوبة الظروف التي تعمل في ظلها وزارة التربية والتعليم، وندرك حجم التحديات المالية التي تواجه الحكومة، كما ندرك أن البحث عن حلول لاستعادة انتظام الدوام المدرسي أصبح ضرورة ملحة.
لكن تقديرنا لهذه الظروف لا يمنعنا من طرح الأسئلة المهنية، ولا يعفينا من التحذير من أي إجراءات قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
فالتعليم المساند يمكن أن يكون فرصة حقيقية للتعافي التعليمي، لكنه قد يتحول إلى عبء إضافي إذا لم يُبنَ على احتياجات المدارس والطلبة، وإذا أصبحت زيادة أيام الدوام هي المعيار الوحيد للحكم على نجاحه.
إننا لا نعارض التعليم المساند، بل نطالب بتعليم مساند حقيقي؛ ولا نعارض العودة إلى خمسة أيام دوام، بل نرفض أن تكون هذه العودة على حساب جودة التعليم وكرامة المعلم وحق الطالب في التعلم.
فليس كل ما يعيد الطالب إلى مقعد الدراسة يعيده بالضرورة إلى مسار التعلم، وليس كل ما يزيد أيام الدوام يزيد جودة التعليم.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله في هذه المرحلة هو أن نعالج آثار الأزمة بقرارات غير مدروسة، فنضيف إلى الفاقد التعليمي فاقداً جديداً، ونحمّل الأجيال القادمة ثمن اختلالات لم تكن مسؤولة عنها.
الأولوية ليست لعدد أيام الدوام، وإنما لما يتعلمه الطالب في هذه الأيام. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة تعليمية ليس أن نقول إننا أعدنا الطلبة إلى المدارس خمسة أيام، بل أن نستطيع أن نثبت أنهم تعلموا بصورة أفضل، وأن معلميهم تمكنوا من أداء رسالتهم في بيئة تعليمية تحفظ كرامتهم وتوفر شروط النجاح لهم.
فمستقبل فلسطين لا يُبنى بمجرد إبقاء المدارس مفتوحة، بل ببناء عقول قادرة على التعلم والتفكير والإبداع وصناعة المستقبل.
- د. عماد سالم – خبير في التعليم والتدريب المهني والتقني وسوق العمل والتنمية والسياسات التعليمية
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.