
شفا – حوار مع الياسمين والثورة والمنافي: الأسعد بن عربية يفتح حقيبة الغربة ويسكب شجن القصيدة
حوار:عطا درغام
في زمن الأقنعة والمظاهر العابرة، يأتي شعر الأسعد بن عربية كوجه حقيقي يرفض الزيف. هو الشاعر التونسي الذي كتب للأرض حين ضاقت، وللمرأة حين ناضلت، وللمغترب الذي حمل وطنه في حقيبة سفره. تمتاز نصوصه بجرأة الفكرة وبساطة الكلمة النفيسة، ليعيد للشعر دوره الأول: لسان حال الإنسان في انكساراته وأشواقه. التقيناه في هذا الحوار للاقتراب من جمر كلماته، والبحث في عمق دواوينه وقضاياه عن سر هذا المزيج النادر.
المحور الأول: الدواوين والإنتاج الإبداعي (مخاض الحبر والورق)
•س1: في ديوانكم “لم تكن مجرد امرأة”، تضعون العشق في كفة والهوية في كفة أخرى؛ متى يصبح الحب عبئاً على القصيدة، ومتى يكون طوق نجاة لها؟
الحب عندي دائماً روح القصيدة و عمادها، و هو دائمًا طوق نجاة لها.
•س2: كتبتَ “أنا فهمتكم” و”فجر في بروكسل” كقصائد منفردة هزت المنابر قبل جمعها؛ هل تفضل أن تنضج القصيدة وحيدة في العراء وتأخذ مداها، أم أن سجن الدفتر والديوان هو أمانها؟
نعم،دائمًا أفضل أن أُعطي القصيدة الوقت اللازم ؛لتنضج و أرضي عنها قبل أن يحتضنها الديوان.
•س3: بين قصيدة كتبتَها في تونس وأخرى ولدَت في عاصمة أوروبية، كيف تختلف نبرة الحبر في ديوانك الأخير عن بداياتك الأولى؟
الحبر نفسه، لكن الأجواء مختلفة بين تونس و أوربا .
•س4: يرى البعض أن الدواوين الصادرة حديثاً تفقد بريقها سريعاً؛ ما الذي وضعته في كتابك الأخير ليفلت من مقصلة النسيان السريع؟
كلامك صحيح، لكن في ديواني لم تكن مجرد امرأة، جعلت القصائد حية، و ليست مناسبتية، و القارئ يتلذذ بقراءة القصيدة و يتمتع بها في كل وقت و كل مكان.
•س5: لو قُدّر لك أن تحذف قصيدة واحدة من تاريخك الشعري لأنها لم تعد تشبه الأسعد بن عربية اليوم، أي نص ستختار ولماذا؟
أختار قصيدة” أنا أمك يا محمد”، لأنني أتألم كل ما رجعت لها، ولأنني عايشت الحدث، و الموت و الرثاء.
المحور الثاني: القضايا الوطنية والسياسية (وجع الشارع وصوت الهامش)
•س6: استعرتَ جملة “أنا فهمتكم” الشهيرة وحولتها إلى مرثية سياسية؛ كيف يمكن للشاعر أن يسرق لغة الحاكم ليصنع منها سوطاً يجلد به زيف السلطة؟
استعرت تلك الجملة، لما تركت في أذهان التونسيين من ألم، أوجاع، لما ذكرت به التونسيين من فقدان لأشياء كثيرة، من حريات و نحوها. و تلك الجملة فيها ألم لأناس عاشوا الظلم و القهر و الحرمان، و قال لهم أنا فهمتكم حين لم يبقَ للكلمة معني و حين انتهي الحكم.
•س7: الشارع التونسي غاضب، حزين، ومليء بالخيبات. أين يجد الشاعر نفسه عندما يعجز المواطن البسيط عن شراء رغيف الخبز، هل تكفي الكلمات لمواجهة الجوع؟
الكلمات لا تكفي لمواجهة الجوع، لكن الكلمات الناطقة و المعبرة، تجعل المواطن ينتظر الفرج و يعيش علي الأمل في انتظار اللحظة الأزمة للتحرك و للمطالبة بحقوقه.
•س8: وصفتَ في نصوصك مأساة الشباب العاطل عن العمل؛ كيف تنجو قصيدتك من الوقوع في فخ الشعارات السياسية المباشرة لتظل شعراً خالصاً؟
أنا تحدثت عن الشباب العاطل عن العمل كأنموذج لكل تونسي لم يجد نفسه في ذلك الواقع المرير، هناك من حاول التأقلم مع الوضع و هناك من اختار حلولًا فيها كثيرًا من المخاطر، و اكتفيت أنا بالوصف.
•س9: هل تعتقد أن الثورة التونسية أنصفت شعراءها، أم أن السياسيين قطفوا الثمار وتركوا للشعراء الرماد وعتمة الرؤية؟
السياسيون قطفوا كل ڜئ و تركوا للشعراء الرماد، و الحلم بيوم ما قد تزهر فيه الحرية و ترجع الكرامة، لكن الشعراء ازداد حالهم تعبًا و سوء.
•س10: متى تشعر أن قصيدتك الوطنية أصبحت عاجزة، ومتى تشعر أنها أقوى من رصاصة؟
كنت دائمًا أؤمن أن قصيدتي و قصيدة أى شاعر آخر هي رصاصة، و القصيدة لا تعجز لكن يلزمها وقت لتصل إلي مبتغاها.
المحور الثالث: القضايا الوجدانية والإنسانية (شجن المنافي وزيف المظاهر)
•س11: في “فجر في بروكسل” تحدثت عن قميص يخفي دفء الوطن؛ كيف يتدبر الشاعر أمره في عواصم الصقيع عندما تهاجمه برودة العلاقات الإنسانية هناك؟
في عاوصم الصقيع يخفي و عندما تهاجمه برودة العلاقات ألإنسانيه، يتلذذ الشاعر بقول قصائد أكثر جرأة، و اكثر ثورة و اكثر حرية، لأنه ينسي المراقبة و الجلاد و يعيش في عالم اكثر خيالا و أملأ.
•س12: في قصيدة “بين الستار والمرأة”، هاجمت تحويل الستر إلى إعلان تجاري ومظاهر جوفاء؛ كيف ترى هذا التحول الإنساني الذي بات يبيع الروح والأخلاق في سوق العرض والطلب؟
أنا في هذه القصيدة اقترحت علي المرأة أن تختار بين أمرين، بين حياتها كأنثي لها شعور وغريزة و بين امرأة متدينة تخاف الله و أنا لست مجبرًا أن اختار بينهما، أنا ما لم أفهمه هو التمويه و الظهور بغير الحقيقة، و أنا قلت في أحد الأبيات: “يا سبدتي أنا لست ضد الحجاب”.
•س13: الغربة ليست مجرد مسافة تقطعها الطائرة. ما الذي ينقص الأسعد بن عربية في بلاد الاغتراب ولا يمكن لقصائد الأرض كلها أن تعوضه؟
تنقصني رائحة تونس و أجوائها، شوارع مدينتي الجميلة بكل ما فيها من خلل، و حتي من مظاهر الفوضي، لكني اعشق بحرها و شمسها و هوائها.
•س14: عندما يلتفت الشاعر إلى الوراء، هل يرى الغربة ضريبة دفعها مرغماً من أجل كرامة الكلمة، أم أنها كانت خياراً للبحث عن أفق أرحب؟
أنا لم أكن يوما مغتربًا، وأنا رغم كل الفرص التي أتيحت لي ر فضت الغربة، لأن عشقي منذ الصغر كان لتونس التي لم تبخل عليً بشىء، رغم قساوة الحياة التي عشتها في طفولتي.
•س15: كيف توازن في نصوصك بين نقدك الاجتماعي الحاد للمظاهر الدينية والاجتماعية المزيفة، وبين الحفاظ على احترامك لليقين الروحي الصادق؟
أنا أحترم كل الحريات الشخصية و الدينية و الاجتماعية، لكني ارفض الغش و إيهام الغير بأشياء تحجب الحقيقة.
المحور الرابع: الغزل وصورة المرأة (ملامح من ياسمين ونضال)
•س16: المرأة في شعرك “تونسيّة التفاصيل” ومناضلة أولاً؛ لماذا تصر على تجريد الغزل من صورتها التقليدية كجسد جميل، لتربطه مباشرة بمعركة الحياة اليومية؟
لأن المرأة التونسية تعيش يوميًا معركة و جودية في شغلها و منزلها، و في طريقها إلي العمل و المدرسة، وذلك يجعل منها مناضلة مثلها مثل الرجل، و غزلي بها يتغني بجمالها و جسدها و أيضًا بنضالها اليومي.
•س17: كتبتَ “أحبك لأنك وجه حقيقي في زمن الأقنعة”؛ هل أصبح العثور على امرأة حقيقية اليوم معجزة تستحق كתיبة ديوان كامل؟
نعم، اليوم اصبح العثور علي وجه حقيقي معجزة، لتقدم العلم و لجبلة في المرآة التي تريد دائمًا تحدي الطبيعة و تظهر في أحسن مظهر.
•س18: حين تمتزج صورة الحبيبة بصورة الأرض والبلاد في شعرك، ألا تخشى أن يتوه القارئ فلا يعرف إن كنت تتغزل بامرأة أم تبكي وطناً؟
أنا أعوِّل علي ذكاء القارىء، لأنه يفهم مثلي انه لا فرق بين الحبيبة و الأرض و البلاد، وبينهم ارتباط عضوي.
•س19: ما الذي يمكن لامرأة مناضلة وثائرة أن تغيره في قلم الأسعد بن عربية، وعجزت عن تغييره كبريات الأحداث السياسية؟
بمكن لامرأة أن توجه قلم الأسعد بن عربية للكتابة في المواضيع السياسية، و ليكن أكثر جرأة، لكن للأسف أجرأ أحيانًا و أكنب في تلك المواضيع، و بعض المواقع ترفض النشر و تعتذر.
•س20: هل خذلتك المرأة يوماً كملهمة، فبحثت عن بديل لها في تفاصيل أخرى كأرصفة الشوارع والمقاهي؟
بحثت كثيرًا في أرصفة الشوارع و المقاهي، و سأنشر قريبًا قصيدتين بعنوان: لم تكن صدفة و أخري صدفة في مقهي.
المحور الفني والجمالي (سر الكلمة ورشاقة النص)
•س21: تبتعد في نصوصك عن اللف والدوران اللغوي وتختار البساطة العميقة؛ كيف تصنع توليفة شعرية يفهمها العامل البسيط في المقهى ويتأثر بها الناقد الأكاديمي؟
أكتب بكل عفوية و أخاطب الناس بما يفهمون، و الشاعر لا يكتب قصائده للجامعيين بل للعامة، و لكل محب للشعر دون استثناء.
•س22: تكتب شعر التفعيلة والقصيدة الحديثة؛ كيف تنجح في الحفاظ على رنين الموسيقى الداخلية للنص دون أن تقيدك القوافي القديمة؟
أنا أتعب كثيرًا لأنتهي من القصيدة، لأنني أكتبها دون مراجعة، و بعد مدة أشرع في مراجعتها و محاولة إلباسها وزنًا و موسبقي شعرية، و أغير كلمات و أحذف أبياتًا حتي أشعر أن تلك القصيدة هي أنا.
•س23: الصورة البلاغية عندك رشيقة ومكثفة وليست معقدة. كيف تفلت من فخ الغموض الذي يقع فيه الكثير من شعراء جيلك اليوم؟
بكل صراحة، أكتب القصيدة و كأنني أحكي لنفسي حكاية، ثم أحاول أن أكون بسيطًا، و ألبس ثوب قارئ متوسط، يبحث عن كلمات يفهمها و موضوع يهمه.
•س24: يرى البعض أن وسائل التواصل الحديثة تبتذل الشعر وتجعله استهلاكياً؛ كيف استطاعت قصائدك أن تحافظ على وقارها وقيمتها الفنية رغم انتشارها الواسع على الإنترنت؟
حافظت علي مستوي قصائدي رغم ذلك، لأنني أنشر علي بعض المواقع المحترمة و أختار بعض المجلات العربية الجيدة،لأنشر قصائدي، و بصفة عامة لا أنشر علي الماسنجرو الواتساب.
•س25: لو طلبنا منك تعريف “الرومانسية الواقعية” التي تميز قلمك، كيف يمكن للشاعر أن يظل عاشقاً حالماً وهو غارق حتى أذنيه في مشاكل مجتمعه اليومية؟
المشاكل المجتمعية و الحياتية هي واقع الشاعر لكن الشاعر ميزته هو الحلم و الحب و الأمل و السمو، و الانطلاق نحو عالم أفضل.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.