11:24 مساءً / 29 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

المغير: حين يصبح البقاء موقفاً وطنياً ، بقلم : هارون بشاره

المغير: حين يصبح البقاء موقفاً وطنياً ،

المغير: حين يصبح البقاء موقفاً وطنياً ، بقلم : هارون بشاره


ليست المغير قريةً اكتشفت هويتها الوطنية حين اشتدت الاعتداءات عليها، ولا مكاناً بدأ تاريخه مع أخبار اقتحام المنازل وإحراق الممتلكات والاعتداء على المزارعين. لقريتنا حكاية أقدم من ذلك كله؛ حكاية أرض وأهل وعلاقة متجذرة بالمكان، وحكاية مجتمع اختار أن يدافع عن حقه في الحياة والبقاء، وأن يجعل من وجوده اليومي امتداداً لمعنى أعمق من مجرد النجاة.

حين اختارت مؤسسة ياسر عرفات قرية المغير نموذجاً للمقاومة الشعبية الفلسطينية ومنحتها جائزة ياسر عرفات للإنجاز لعام 2026، لم يكن التكريم موجهاً إلى قرية واجهت الاعتداءات فحسب، بل إلى تجربة تستحق أن تُقرأ في سياقها الوطني، بما تحمله من ذاكرة نضالية، وما تكشفه عن العلاقة بين الإنسان وأرضه، وبين البقاء في المكان والتمسك بالحق فيه.

في المغير، لا تنفصل الأرض عن الحياة. فهي ليست مساحة جغرافية تُقاس بالدونمات، بل الحقل الذي ورثته عائلاتنا، والبيت الذي تتشكل فيه ذاكرة أجيالنا، والمستقبل الذي نريد أن نصنعه في قريتنا، لا بعيداً عنها. ولهذا، فإن تهديد الأرض لا يستهدف المكان وحده، بل يطال حقنا في الاستمرار والتخطيط للغد.

لم تكن علاقتنا بالمقاومة وليدة السنوات الأخيرة. فمنذ السنوات الأولى للاحتلال، احتضنت قريتنا الفدائيين الذين عبروا نهر الأردن، مستفيدة من موقعها الجغرافي وانتماء أهلها للقضية الوطنية. فوقعت العملية الاولى عام 1968م وفي الانتفاضة الأولى، قدمنا شهيدين، وواجه إخواننا الاعتقال والملاحقة. ثم جاءت انتفاضة الأقصى، فواصلنا دفع ثمن المواجهة من دماء وحرية شبابنا، بين شهداء وجرحى وأسرى. اختلفت أشكال النضال من مرحلة إلى أخرى، لكن صلتنا بالأرض والقضية بقيت حاضرة.

وفي العقد الثاني من الافية الثالثه، أخذت المقاومة الشعبية المنظمة مكانها في حياتنا، من خلال الاحتجاجات والمسيرات الرافضة لإقامة البؤر الاستيطانية على أراضينا، في جبعيت ورأس التين والقبون والسهل الشرقي. واجهنا محاولات تثبيت تلك البؤر، وواصلنا الدفاع عن أرضنا رغم الإصابات والاعتقالات والشهداء. واستمر هذا الحراك خلال جائحة كورونا وما بعدها، ليؤكد أن المقاومة الشعبية في المغير ليست حدثاً عابراً، بل امتداد لتاريخ طويل من التمسك بالأرض.

لكن ما بعد السابع من أكتوبر 2023 حمل تحولاً قاسياً في حجم الاستهداف وطبيعته. فبموجب قرارات عسكرية فرضت على الأرض، حُرمنا من الوصول إلى نحو 98% من أراضينا، وانحصر وجودنا عملياً في النطاق السكني الذي لا تتجاوز مساحته كيلومتراً مربعاً واحداً. ولم يقتصر الأمر على تقييد الحركة؛ فقد مُنع أصحاب الأراضي من الوصول إليها، فيما أُتيحت للمستوطنين للرعي وإقامة البؤر الرعوية. وهكذا، أصبحنا مهددين ليس بفقدان الأرض فحسب، بل بحرماننا من استخدامها والعيش من خيراتها.

وتكشف أبرز الاعتداءات خلال السنوات الثلاث للحرب عن اتساع الاستهداف، من منازلنا إلى أرضنا، وصولاً إلى المدرسة وأطفالنا. ففي 12 نيسان/أبريل 2024، تعرضت قريتنا لهجوم واسع من المستوطنين، أسفر عن استشهاد شاب وإصابة عشرات المواطنين، وإحراق منازل ومركبات وممتلكات. لم يكن الهجوم اعتداءً على الممتلكات وحدها، بل مسّ بالأمان داخل بيوتنا، وحوّل حياتنا اليومية إلى مواجهة مستمره.

وفي آب/أغسطس 2025، امتد الاستهداف إلى أرضنا، مع اقتلاع آلاف أشجار الزيتون وتجريف مساحات واسعة. لم تكن الأشجار مجرد محصول زراعي؛ فقد ارتبطت بأرزاق عائلاتنا وذاكرتها، وبأرض زرعتها أجيال وتوارثت العناية بها. ومع اقتلاعها، لم نخسر مصدر رزق فحسب، بل تعرضت بيئتنا الزراعية وطريقة حياتنا لخطر أكبر.

أما في نيسان/أبريل 2026، فقد وصل الاعتداء إلى مدرسة ذكور المغير، حيث استُشهد طالب وشاب وأصيب آخرون بالرصاص. كان الاعتداء مسّاً بأمان أطفالنا وحقهم في التعليم، ووضع مستقبل جيل كامل تحت التهديد. فالمدرسة، مثل الأرض والبيت، جزء من قدرتنا على الاستمرار؛ وحين يصبح الأطفال مهددين في مكان يفترض أن يكون آمناً، يتجاوز الاستهداف الحاضر ليطال المستقبل الذي نريد بناءه لأبنائنا. وهذه المحطات الثلاث نماذج بارزة من اعتداءات متواصلة تطال قريتنا يومياً.

لقد عشنا على زراعة الحبوب والزيتون واللوزيات، وعلى تربية المواشي التي ارتبطت بمراعينا الواسعة. وحين يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه، وتُقتلع أشجاره، وتضيق المراعي أمام مواشيه، تصبح الخسارة تهديداً لقدرة العائلات على الاستمرار، ولإمكانية أن يجد أبناؤنا مستقبلاً لهم في المكان الذي ينتمون إليه.

ولا يقف الضغط عند الأرض ومصادر الرزق، بل يمتد إلى الخدمات الأساسية. فقد كشفت أزمة مكب البراشية، الذي يخدم المغير وأبو فلاح وترمسعيا، كيف يمكن أن تتحول خدمة بيئية وصحية ضرورية إلى عبء إضافي على السكان والهيئات المحلية. ومع إغلاق المكب وطرح نقل النفايات إلى موقع بعيد، تراكمت الأعباء والمخاطر الصحية والبيئية. وهكذا تتداخل الضغوط على حياتنا، من حرماننا من أرضنا إلى تعقيد الخدمات التي يحتاج إليها بقاؤنا اليومي. وفي ظل هذه الظروف، يواصل المجلس القروي متابعة شؤون القرية واحتياجات أهلها، والعمل على حفظ المجتمع وتقديم ما أمكن من خدمات، رغم محدودية الإمكانات والموارد.

ومع ذلك، لا تختصر حكايتنا في ما فقدناه أو ما تعرضنا له من اعتداءات. نحن أناس نريد أن نزرع أرضنا، ونربي مواشينا، ويتعلم أطفالنا بأمان، وأن نعيش بكرامة ويكون لأبنائنا مستقبل في قريتنا. صمودنا ليس انفصالاً عن الحياة، بل تمسك بإمكان استمرارها، بكل ما تحمله من عمل وتعليم وذاكرة وأحلام.

إن تكريم المغير لا يكرّم ماضينا النضالي فحسب، بل يلفت النظر إلى معنى وجودنا اليوم. فبقاؤنا هنا ليس مجرد استمرار للحياة تحت الضغط؛ إنه تعبير عن هوية وطنية متجذرة في الأرض والتاريخ. ومن تجربتنا، نريد أن تكون المغير نموذجاً للصمود في قرى التماس الفلسطينية، وللمجتمعات التي تواجه خطر الاقتلاع من دون أن تتخلى عن حقها في الأرض والحياة.

نحن لا نبقى في المغير لأننا عاجزون عن الرحيل، بل لأن لنا فيها أرضاً وتاريخاً وذاكرة ومستقبلاً نريد أن نصنعه بأيدينا. فحين يصبح البقاء تحدياً يومياً، لا يعود مجرد استمرار للحياة؛ يصبح موقفاً وطنياً.

شاهد أيضاً

رياض منصور يجتمع مع وزير خارجية اليونان في مجلس الأمن

رياض منصور يجتمع مع وزير خارجية اليونان في مجلس الأمن

شفا – عقد المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة رياض منصور، اجتماعا مع وزير …