
هل يمكن للعمارة أن تصنع الجريمة؟ بقلم: د. عمر السلخي
حين يتحول البناء من أداة للحياة إلى وسيلة للسيطرة
ليست العمارة مجرد حجارة وإسمنت، ولا مجرد تصميم يحقق الجمال والوظيفة؛ إنها انعكاس لعلاقة الإنسان بالمكان، وللقوة التي تحدد من يملك الأرض، ومن يحق له السكن، ومن يُدفع إلى الهامش. فالمباني والطرق والمخططات قد تتحول، حين تُوظَّف لخدمة السيطرة والإقصاء، من أدوات للحياة إلى وسائل لإعادة تشكيل الواقع وفرضه.
حين يصبح المكان أداة للسيطرة
في فلسطين، تتجاوز عمارة المستوطنات الإسرائيلية حدود البناء التقليدي، لتصبح جزءًا من منظومة تستهدف الأرض والجغرافيا والوجود الفلسطيني. فالتوسع الاستيطاني، وشق الطرق الالتفافية، وإقامة الحواجز، وعزل التجمعات السكانية، كلها ممارسات تعيد تشكيل المجال المكاني بما يخدم السيطرة ويقيد حركة الفلسطينيين وفرص تطورهم العمراني والاقتصادي.
هنا لا يعود السؤال متعلقًا بشكل المبنى أو جماله، بل بالهدف الذي يخدمه، وبالحقوق التي ينتقص منها، وبالواقع الذي يفرضه على الأرض.
هل تصنع العمارة الجريمة؟
لا ترتكب العمارة الجريمة بذاتها، لكن التخطيط والتصميم قد يتحولان إلى أدوات تخدم ممارسات غير قانونية أو تكرّس التمييز والإقصاء ، وعندما يُستخدم البناء لتثبيت واقع استيطاني على أرض محتلة، فإن القضية تتجاوز الجانب الهندسي إلى الأبعاد القانونية والأخلاقية والإنسانية.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024، عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يرتبط به من سياسات وممارسات، بما يعزز ضرورة النظر إلى العمران الاستيطاني ضمن سياقه القانوني والسياسي، لا بوصفه نشاطًا إنشائيًا منفصلًا.
مسؤولية المعماري والمخطط الحضري
تقع على عاتق المعماريين والمخططين مسؤولية تتجاوز جودة التصميم وكفاءة التنفيذ؛ فهم شركاء في تشكيل المكان، ومن واجبهم إدراك الأثر الإنساني والاجتماعي والسياسي لأعمالهم.
فالعمارة العادلة هي التي تحمي حق الإنسان في السكن والتنقل والوصول إلى الموارد، وتدعم تنمية المجتمعات، بدلًا من أن تتحول إلى وسيلة لتقييدها أو تفكيكها.
معركة على المكان والمستقبل
إن الصراع على الأرض الفلسطينية ليس صراعًا على المساحة وحدها، بل على شكل المكان ومستقبله، وعلى حق الفلسطيني في البقاء والتطور فوق أرضه. لذلك، فإن مواجهة الاستيطان لا تقتصر على المواقف السياسية والقانونية، بل تشمل أيضًا التخطيط الواعي، وحماية الأراضي، وتعزيز صمود التجمعات الفلسطينية، وتطوير عمارة تحترم الإنسان وحقوقه.
فالعمارة ليست محايدة دائمًا؛ قد تبني حياة، وقد تسهم في فرض واقع من السيطرة والإقصاء. وفي فلسطين، لا تُقاس قيمة العمارة بارتفاع المباني، بل بما تحفظه الأرض من حق الإنسان في البقاء عليها، والعيش فيها، وبناء مستقبله فوق ترابها.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.