8:27 مساءً / 24 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

نقطة انطلاق جديدة في مسيرة التعاون الصيني المصري الممتدة على مدى 70 عاماً ، بقلم : تشانغ شين

نقطة انطلاق جديدة في مسيرة التعاون الصيني المصري الممتدة على مدى 70 عاماً ، بقلم : تشانغ شين

تأتي الزيارة التي يقوم بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، للمرة الأولى منذ عشر سنوات، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وعند استعراض مسيرة التعاون الصيني المصري، تتبادر إلى الأذهان مشروعات بارزة مثل منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي الخفيف بمدينة العاشر من رمضان، والمنطقة الاقتصادية والتجارية الصينية المصرية «تيدا» في منطقة قناة السويس. وقد أثبتت هذه المشروعات أن التعاون بين البلدين قادر على الانتقال من الاتفاقات إلى التنفيذ، وتحقيق نتائج ملموسة.

لكن مع التطلع إلى العقد المقبل، ينبغي ألا يقتصر تقييم جودة التعاون على حجم المشروعات المنجزة، بل أن يمتد إلى معيار أكثر ارتباطاً بأولويات التنمية في مصر: إلى أي مدى تتحول المعدات المستوردة إلى قدرات إنتاجية محلية؟ وكم من المنتجات المصرية باتت قادرة، بفضل هذا التعاون، على الوصول إلى السوق الصينية والأسواق الدولية الأوسع؟

فإذا كانت العلاقات الصينية المصرية، منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية، قد اتسمت بالسعي إلى نيل الاستقلال الوطني وصون السيادة، وإذا كان التعاون خلال العقد الماضي ركّز بدرجة كبيرة على البنية التحتية والمشروعات الكبرى، فإن التحدي الجديد، مع حلول الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية، يتمثل في تحويل رصيد الثقة السياسية المتبادلة الذي تراكم على مدى عقود إلى قدرات صناعية، وتقدم تكنولوجي، ومنافع تنموية تمس حياة المواطنين.

تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر إلى أن الصادرات المصرية إلى الصين بلغت 840.8 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مسجلة ارتفاعاً سنوياً بنسبة 199.8%. وفي الفترة نفسها، ارتفعت الواردات المصرية من الصين بنسبة 14.3% لتصل إلى 10.4 مليارات دولار، منها 4.1 مليارات دولار من المعدات الكهربائية والميكانيكية.

ولا شك أن نمو الصادرات بنحو 200% تطور يدعو إلى التفاؤل، كما أن استمرار العجز التجاري مسألة لا ينبغي تجاهلها. غير أن الاقتصار على النظر إلى الفارق بين الصادرات والواردات قد يحجب دلالة مهمة تكشف عنها بنية التجارة بين البلدين: فجزء معتبر من الواردات لا يتمثل في سلع استهلاكية نهائية، بل في معدات ومدخلات إنتاج تحتاج إليها مصر لدفع مسيرة التصنيع.

ومن ثم، لا تكمن الأولوية في المرحلة المقبلة في تقليص الواردات بصورة آلية، بل في رفع «معدل تحويل» المعدات المستوردة إلى قدرات إنتاجية محلية. فإذا أسهمت المعدات الصينية في توطين صناعات السيارات الكهربائية، وتخزين الطاقة، والطاقة المتجددة، والإلكترونيات، والمنسوجات في مصر، وفي تنمية الصناعات المغذية المحلية، وتأهيل المهندسين والعمال المهرة، وخلق قدرات تصديرية جديدة، فلن تعود الآلات المستوردة مجرد سلع تجارية، بل ستصبح بذوراً للتصنيع والتنمية الصناعية.

وبناءً على ذلك، ينبغي ألا يقتصر تقييم أي مشروع تعاوني على قيمة العقود المبرمة، بل أن يشمل أيضاً نسبة المكون المحلي والمشتريات من الموردين المحليين، وعدد المستفيدين من برامج التدريب التقني، وجودة فرص العمل التي يوفرها، وحجم الصادرات التي يولدها.

وتقدم صادرات البرتقال المصري إلى الصين مثالاً آخر على الإمكانات التي يفتحها التعاون بين البلدين. فبعد تطبيق الصين سياسة الإعفاء من الرسوم الجمركية على الواردات من الدول الأفريقية التي ترتبط معها بعلاقات دبلوماسية، وصلت في مايو من العام الجاري إلى ميناء شنغهاي أول شحنة من البرتقال المصري، بوزن 516 طناً، استفادت من السياسة الجديدة.

وخلف كل برتقالة سلسلة متكاملة من الأنشطة الاقتصادية، تبدأ بالمزارعين، مروراً بالفرز والتعبئة والتبريد والنقل البحري، وصولاً إلى البيع بالتجزئة. صحيح أن الإعفاء الجمركي يخفض عتبة دخول السوق، لكن تحويل طلبية أولى إلى حصة سوقية مستقرة يتطلب الالتزام المستمر بمعايير الفحص والحجر الصحي، وضمان انتظام الإمدادات وجودة المنتجات، فضلاً عن بناء علامات تجارية قادرة على الوصول إلى المستهلك الصيني، وتطوير شبكات تسويق وتوزيع مستدامة.

ومن هنا، يمكن للصين ومصر العمل على إنشاء منظومة متكاملة لدعم الصادرات المصرية إلى السوق الصينية. ويشمل ذلك توفير المعلومات المتعلقة بمعايير السوق الصينية واتجاهات الاستهلاك باللغة العربية، وتطوير مرافق الفحص والاعتماد وشبكات سلسلة التبريد في مصر، وتعزيز الربط المباشر بين الشركات الصينية العاملة في التجارة الإلكترونية والاستيراد والتجزئة، وبين الشركات المصرية الصغيرة والمتوسطة.

كما ينبغي أن تتوسع الصادرات المصرية إلى الصين تدريجياً من المنتجات الأولية إلى السلع الأعلى قيمة مضافة؛ فمن تصدير البرتقال الطازج إلى إنتاج العصائر والمركزات والزيوت العطرية، ومن تصدير القطن الخام إلى الغزول والأقمشة والملابس الجاهزة، ومن الفوسفات الخام إلى الأسمدة والمنتجات الكيميائية. وبهذه الطريقة، يمكن أن تتحول فرص النفاذ إلى السوق الصينية، التي تتيحها سياسات الانفتاح التجاري، إلى مكاسب أكثر استدامة لمصر، تتمثل في خلق فرص العمل، وزيادة حصيلة النقد الأجنبي، والارتقاء بمستوى الصناعة المحلية.

وينبغي أن تؤدي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس دور المحور الرئيسي في بناء هذه الدورة الاقتصادية المتكاملة والمتبادلة الاتجاه. فمن خلال الجمع بين التمويل والتكنولوجيا والمعدات الصينية، والموقع الجغرافي الاستراتيجي لمصر، وقوتها العاملة، وشبكة اتفاقياتها التجارية، يمكن تعزيز قدرة المنتجات المصنعة في مصر على الوصول إلى أسواق الدول العربية وأفريقيا وأوروبا. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يسهم هذا التعاون في فتح الطريق أمام مزيد من المنتجات والعلامات التجارية المصرية للوصول إلى المستهلك الصيني.

ويكمن العامل الحاسم هنا في ضمان مشاركة الشركات المصرية والموردين المحليين والجامعات ومؤسسات البحث والتطوير مشاركة فعلية في سلاسل الإنتاج والقيمة. فالهدف ليس أن تظل المنطقة الاقتصادية مجرد تجمع للمشروعات والشركات، بل أن تتطور إلى منصة مشتركة للإنتاج والابتكار واستكشاف أسواق الدول الثالثة.

وفي مقال وقّعه الرئيس شي جين بينغ ونشرته وسائل إعلام مصرية، دعا إلى تعميق المواءمة بين استراتيجيات التنمية في البلدين، والمضي قدماً في البناء المشترك عالي الجودة لمبادرة «الحزام والطريق»، والاستفادة بصورة أوسع من إمكانات التعاون العملي. ومن جانبه، وضع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا ضمن أولويات المرحلة المقبلة من التعاون الصيني المصري، داعياً إلى توسيع التعاون في مجالات السيارات الكهربائية، وبطاريات تخزين الطاقة، والطاقة المتجددة، والمعدات الإلكترونية، وتحلية مياه البحر، وبناء السفن.

ويؤكد التقارب الكبير بين أولويات التنمية لدى البلدين أن التعاون الصيني المصري يشهد تحولاً نوعياً؛ إذ ينتقل من مرحلة «إنشاء المشروعات» إلى مرحلة «بناء القدرات»، ومن مجرد تبادل السلع إلى التنسيق والتكامل عبر سلاسل الصناعة والقيمة.

إن التوازن التجاري الحقيقي لا يتحقق بمجرد خفض الواردات، بل بتعزيز قدرة مصر الذاتية على الإنتاج والتصدير. ومع التطلع إلى السبعين عاماً المقبلة، فإن تحويل المعدات المستوردة إلى خطوط إنتاج داخل مصر، وتحويل فرص النفاذ إلى الأسواق إلى حصص سوقية مستدامة للعلامات التجارية المصرية، وجعل منطقة قناة السويس بوابة مفتوحة في الاتجاهين، كلها خطوات كفيلة بتحويل الثقة السياسية المتبادلة، التي راكمها البلدان على مدى عقود، إلى قدرات صناعية وفرص عمل للشباب وزخم جديد للتوسع المشترك في الأسواق الدولية.

وعندئذ، سيغدو التعاون الصيني المصري أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحديات، وستصبح ثماره التنموية أكثر وضوحاً وملموسية في حياة الشعبين.

  • تشانغ شين – باحثة في مركز الدراسات الشرق الأوسطية، جامعة صن يات-سين .

شاهد أيضاً

محافظ الخليل يترأس اجتماعاً طارئاً لتشكيل خلية أزمة لمواجهة تداعيات عدوان الاحتلال واحتواء آثار التهجير القسري في دير بحة والجلدة

محافظ الخليل يترأس اجتماعاً طارئاً لتشكيل خلية أزمة لمواجهة تداعيات عدوان الاحتلال واحتواء آثار التهجير القسري في دير بحة والجلدة

شفا – ترأس محافظ الخليل السيد خالد دودين ظهر اليوم السبت اجتماعاً طارئاً ضم ممثلي …