3:50 مساءً / 24 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

أطياف القوافي وظلال الطباشير: رحلة في الأقاصي الإبداعية للشاعرة روضة بوسليمي

أطياف القوافي وظلال الطباشير: رحلة في الأقاصي الإبداعية للشاعرة روضة بوسليمي

شفا – أطياف القوافي وظلال الطباشير: رحلة في الأقاصي الإبداعية للشاعرة روضة بوسليمي

حوار:عطا درغام

تلوح التجربة الشعرية للأديبة التونسية روضة بوسليمي كعلامة فارقة في المشهد الثقافي العربي المعاصر، حيث يعاد تشكيل الحبر ليصبح جسراً يربط بين العطاء التربوي والتوهج الأدبي. إنها تجربة لا تقف عند حدود صياغة الكلمات، بل تتجاوزها لتصبح طقساً يومياً يمزج بين وعي المربي وحرية الطائر في فضاء القصيدة. في نصوصها، ينصهر الذاتي بالموضوعي، وتتحول التفاصيل العادية إلى كائنات شعرية نابضة بالرؤى الإنسانية والوجدانية العميقة.
وفي هذا الأفق، نفتح بوابات الحوار لنسير في دروب مغامرتها الإبداعية، متتبعين خيوط الضوء التي تشبك عالمها الخاص بآمال وتطلعات محيطها الإنساني. إننا هنا لا نطرح أسئلة عابرة، بل نضيء مساحات مغمورة، ونبحث عن جوهر القصيدة في تجلياتها الجمالية والفكرية المتعددة.
المحور الأول: المسيرة المهنية (التعليم والكتابة)
1- إلي أي مدى تساهم اللغة الفصحى المستخدمة في التدريس اليومي في إثراء قاموسك الشعري وتجديد مفرداته؟

  • لا شكّ أنّ ممارسة مهنة التدريس والاستعمال اليومي للغة العربية بكل رقيها وعمقها وبلاغتها وجمالياتها لا يزيد تجربتي الشعرية إلا ثراء وقدرة على التوغل في عوالم الجمال الإنساني وطرق أبواب الأسئلة المناسبة وخلق صور لم يأتها غير قلمي من قبل ما استطعت إلى ذلك سبيلا . لذلك أعترف أنّ هذه المساهمة لها الأثر البالغ في تطوير هذه التجربة التي لا أحسبني أبخل لحظة في مواصلة مشوار أجده رئة ثالثة أتنفس من خلالها بطريقة أخرى
    المحور الثاني: الخصائص الفنية والجمالية للشعر
    2- -تتميز قصائدك برقة الإحساس؛ كيف تصيغين معجمك اللفظي ليوازن بين عاطفة النص وقوة المفردة الوجدانية؟
    أؤمن أن المفردة تكتسب قوتها من صدقها ومن موضعها في النبض الشعري. حين أكتب، أُنصت إلى الإحساس أولاً، ثم أبحث عن الكلمة التي تشبهه من دون أن تجرحه أو تُفرط في تفسيره. العاطفة تحتاج لغة شفيفة، وفي الوقت نفسه تحتاج مفردة قادرة على حمل ثقلها لذلك أميل إلى الكلمات المألوفة، وأمنحها سياقاً يجعلها تقول ما يتجاوز معناها المباشر.
    3- تحضر الرموز الدلالية والأنثوية مثل «عشتار» في نصوصك؛ ما الأبعاد الفنية التي يضيفها استدعاء الأسطورة إلى قصيدتك؟
    الأسطورة بالنسبة إليّ باب واسع للدخول إلى طبقات أعمق من التجربة. حين تحضر عشتار مثلاً، تأتي رمزاً للأنوثة الخلّاقة، وللحب والحرب والخصب والقدرة على النهوض بعد الانكسار. تمنحني الأسطورة لغة موازية للواقع، وتساعد القصيدة على تجاوز حدود التجربة الفردية، لتلامس ذاكرة إنسانية أقدم وأرحب.
    4- كيف توظفين الأبعاد الروحية والفلسفية في شعرك ليتحول الحنين الشخصي إلى تجربة إنسانية يتقاسمها القارئ؟
    أرى أن الحنين يصبح شعراً حين يخرج من حدود الذات. قد تبدأ القصيدة من فقد شخص أو مكان أو زمن عابر، وأحاول أن أترك فيها نافذة يدخل منها القارئ إلى ذاكرته هو. الأبعاد الروحية والفلسفية تمنح الحنين معنى أوسع؛ فهو سؤال عن الزمن، وما نفقده ونحن نمضي، وقدرة الروح على الاحتفاظ بما تحب. عندها يصبح النص مساحة مشتركة، يجد فيها كل قارئ شيئاً من غيابه الخاص.
    5- يرى بعض النقاد أن الحزن في نصوصك يحمل مسحة جمالية؛ كيف تعيدين صياغة الألم ليصبح نصاً شعرياً مؤثراً؟
    أتعامل مع الألم بوصفه تجربة تحتاج إلى الإصغاء والتأمل. الكتابة تمنحني فرصة لأن أرى الحزن من مسافة تسمح بتحويله إلى صورة وإيقاع وسؤال. لا أكتب الوجع كما حدث تماماً، إنما أبحث عن أثره في الروح، وعن اللغة التي تجعله قابلاً للمشاركة. وحين يجد الألم شكله الفني، يتحول إلى مساحة ضوء، وربما إلى عزاء صغير للقارئ وللكاتبة معاً.
  1. كيف توازنين في هندسة القصيدة بين الحفاظ على الإيقاع الموسيقي وحرية الدفق الشعوري؟
    أترك الشعور يقود البدايات، ثم أعود إلى النص بعين أكثر هدوءاً لأصغي إلى موسيقاه الداخلية. الإيقاع عندي يتشكل من تنفّس الجملة، ومن تكرار الكلمات والصور، ومن الصمت الذي يفصل بين المعاني. أحرص على أن يبقى النص حراً في حركته، وأن يحمل في الوقت ذاته نغمة خفية تجمع أجزائه وتمنحه توازنه.

المحور الثالث: عوالم ديوان “لا حياء في خيال”
7- . يحمل ديوانك الصادر عن جامعة المبدعين المغاربة عنوان «لا حياء في خيال»؛ ما المساحات الفكرية التي أردتِ استكشافها بهذا الاسم؟
يحمل العنوان رغبة في منح الخيال حقه الكامل في الكشف والعبور. أردت أن أقترب من المناطق التي نتردد في إعلانها: الرغبات، والهشاشة، والذاكرة، والأسئلة المؤجلة في داخل الإنسان. فالخيال مساحة للحرية، ومن خلاله تستطيع القصيدة أن تقول ما قد تعجز اللغة اليومية عن قوله، وأن تضيء ما نخفيه خلف أقنعتنا الهادئة.
8. ما هي الثيمات والموضوعات الكبرى التي تشكل الرابط الأساسي بين نصوص هذا الديوان؟
يجمع نصوص الديوان خيط داخلي يمتد بين الذات والعالم، وبين ما نعيشه وما نتخيله كي نحتمل العيش. تحضر فيه ثيمات الحب والغياب والذاكرة والأنوثة والبحث عن الحرية، إلى جانب أسئلة الزمن والتحول والهوية. وقد حاولت أن تتجاور هذه الموضوعات في نسيج واحد، بحيث تبدو القصائد كأنها محطات متعددة لرحلة شعورية وفكرية واحدة.
9- كيف ساهم نشر هذا العمل عبر منصة مغاربية في اتساع دائرة تلقي قصائدك خارج الحدود التونسية؟
منحني النشر عبر منصة مغاربية فرصة جميلة للتواصل مع قراء وكتّاب من فضاءات ثقافية قريبة ومتنوعة في آن واحد. شعرت أن القصيدة حين تسافر تجد قراءً يضيئون فيها معاني جديدة، لأن التجارب الإنسانية تتشابه رغم اختلاف الأمكنة واللهجات والذاكرة المحلية. كما أن هذا الامتداد المغاربي عزز لديّ الإحساس بأن الكتابة مساحة لقاء، وأن النص قادر على بناء جسور حقيقية بين الأصوات والتجارب.
10. في هذا الديوان تحديداً، كيف يوظف النص الواقع الملموس لإنتاج صورة شعرية مغرقة في الخيال؟
تبدأ الصورة غالباً من تفصيل واقعي صغير: نافذة، طريق، يد، رائحة، أو لحظة صمت عابرة. ثم يمنحها الخيال أفقاً آخر، فتتحول من شيء مألوف إلى علامة تحمل أكثر من معنى. يهمني أن يظل الواقع حاضراً في القصيدة كي تبقى قريبة من الحياة، وأن يفتح الخيال أبواباً جديدة لرؤية هذا الواقع بطريقة أكثر دهشة وعمقاً.
11. إذا أردنا اختيار نص واحد من الديوان يختزل تجربتك الفنية الحالية، ما هو هذا النص وما السبب؟
أختار نص «لا حياء في خيال»، لأنه يحمل روح الديوان وفكرته الأساسية: منح الذات حقها في الإفصاح، ومنح الخيال حريته في تجاوز الحدود الجاهزة. أشعر أنه يلتقي فيه البوح بالتأمل، وتلتقي التجربة الشخصية بأسئلتها الإنسانية الأوسع. كما أنه يعبر عن المرحلة التي أعيشها شعرياً، حيث أبحث عن لغة أكثر تحرراً وصدقاً، قادرة على الاقتراب من الداخل من دون خوف.

المحور الرابع: فعل الإبداع ومفهوم الكتابة
12- كيف تولد الفكرة الشعرية لديك؛ هل تأتي نتيجة تأمل فكري طويل أم استجابة لموقف إنساني عابر؟
تولد القصيدة عندي من لحظة انتباه؛ قد تكون موقفاً عابراً، أو صورة تلتقطها العين، أو جملة تستقر في القلب. ثم تبدأ هذه الشرارة في التمدد داخلي، وتفتح باباً للتأمل والأسئلة. لذلك أرى أن الموقف الإنساني يمنح القصيدة بدايتها، بينما يمنحها التأمل عمقها وقدرتها على الاستمرار في الذاكرة.
13. القصيدة تمزج بين الخاص والعام؛ كيف تحولين الملاحظات الإنسانية اليومية في مجتمعك إلى نصوص ذات صبغة كونية؟
أبدأ من التفاصيل التي أعيشها وأراها حولي: وجه امرأة، انتظار أم، تعب عامل، أو صمت يمرّ بين شخصين. أحاول أن ألتقط ما يختبئ خلف هذه اللحظات من مشاعر مشتركة، كالخوف والحب والانتظار والرغبة في الكرامة. حين تصدق التجربة في خصوصيتها، تستطيع أن تصل إلى القارئ أينما كان، لأن الإنسان يلتقي مع الآخر في جوهر مشاعره وأسئلته.
14. ما هي العلاقة بين الذاكرة والنسيان أثناء صياغتك للصورة الشعرية والتركيب اللغوي؟
الذاكرة تمنحني المادة الأولى للقصيدة، بما تحمله من وجوه وأماكن وروائح وتفاصيل بعيدة. أما النسيان فيترك فراغات ضرورية كي يتدخل الخيال ويعيد تشكيل المشهد. أكتب أحياناً مما أتذكره، وأكتب أحياناً مما أفلت مني؛ ففي المسافة بينهما تولد صورة أكثر حرية، قادرة على أن تتجاوز الحكاية الشخصية نحو معنى أرحب.
15. كيف تنظرين إلى دور المتلقي؛ هل تكتبين لتوضيح فكرة غامضة لنفسك أم لإشراك القارئ في التفكير فيها؟
أكتب كي أقترب من أسئلتي أولاً، فالقصيدة تساعدني على رؤية ما يتشكل في داخلي بلغة أكثر وضوحاً وعمقاً. لكن النص يكتمل حين يغادر صاحبته ويصل إلى قارئ يمنحه تأويله وتجربته الخاصة. لذلك أحب أن تظل القصيدة مفتوحة، لا تقدم أجوبة جاهزة، وإنما تدعو القارئ إلى أن يضع ذاكرته وأسئلته داخلها، فيصبح شريكاً حقيقياً في المعنى

المحور الخامس: الأبعاد الثقافية والمشهد الأدبي
17-. بصفتك شاعرة تونسية، كيف تقيمين واقع الحراك الشعري النسوي في منطقة المغرب العربي حالياً؟
أرى أن الحراك الشعري النسوي في المغرب العربي يعيش مرحلة غنية بالحضور والتنوع. هناك أصوات نسائية تكتب بوعي جمالي ومعرفي واضح، وتقترب من قضايا الذات والجسد والذاكرة والمكان والحرية بلغات وتجارب مختلفة. ما يلفتني هو أن الشاعرات اليوم يكتبن من موقع أكثر ثقة وقدرة على اقتراح رؤى خاصة، بعيداً عن الصور الجاهزة. وهذا المشهد يحتاج إلى مزيد من الاهتمام النقدي والنشر والتعريف المتبادل بين بلدان المنطقة، كي يصل إلى قارئ عربي أوسع.
18. ما هي المعوقات الحقيقية التي تواجه الكاتب التونسي المعاصر في الوصول بنصوصه إلى دور النشر الكبرى؟
يواجه الكاتب التونسي تحديات تتصل بتفاوت فرص النشر والتوزيع، وبمحدودية حضور الكتاب التونسي في بعض الأسواق العربية. كما أن الوصول إلى دور النشر الكبرى يحتاج إلى شبكة تواصل ثقافية وإعلامية فاعلة، وإلى فرص مستمرة للعرض والترجمة والمشاركة في المعارض والملتقيات. ومع ذلك، أرى أن التجربة التونسية تمتلك أصواتاً جديرة بالوصول، وكل ما تحتاجه هو جسور أكثر اتساعاً بين الكاتب والناشر والقارئ.
19. كيف ترين دور النقد الأدبي المعاصر؛ هل يواكب النصوص الحية أم أنه يدور في فلك نظري معزول؟
النقد الأدبي يستطيع أن يكون شريكاً حقيقياً للنص حين يقترب منه بحس قراءة حي، ويكشف طبقاته الجمالية والفكرية من دون أن يفرض عليه قوالب جاهزة. توجد قراءات نقدية جادة تواكب التجارب الجديدة وتمنحها سياقاً أوسع، وفي المقابل نجد أحياناً لغة نظرية ثقيلة تبتعد عن روح العمل الأدبي وعن القارئ. أطمح إلى نقد يوازن بين المعرفة والمنحى الجمالي، وينصت إلى خصوصية كل نص قبل إصدار أحكامه.
20. إلى أي مدى ساهمت الصالونات الأدبية والملتقيات الثقافية المشتركة في صقل الخبرات وتبادل الأفكار بين المبدعين؟
أسهمت الصالونات الأدبية والملتقيات الثقافية في خلق مساحات حيّة للقاء والحوار بين المبدعين، وأتاحت لكل كاتب أن يرى تجربته من زوايا مختلفة من خلال النقاش والاستماع إلى تجارب الآخرين. كما ساعدت هذه اللقاءات على اكتساب الخبرة، وتطوير أدوات الكتابة، واكتشاف أصوات جديدة، وبناء علاقات إنسانية وثقافية تتجاوز حدود المكان.
أرى أن قيمتها الحقيقية تظهر حين تتحول من مناسبات عابرة إلى فضاءات مستمرة للحوار والقراءة والنقد. فالمبدع يحتاج إلى جمهور يصغي إليه، وإلى أصدقاء يشاركونه الأسئلة، وإلى نقاش صادق يدفعه إلى مراجعة نصه وتوسيع رؤيته. لذلك تظل هذه الصالونات والملتقيات جسوراً مهمة بين المبدعين، وبين الأدب وواقعه الثقافي والاجتماعي.
21. كيف يمكن للمؤسسات المعنية إحياء شغف الشعر الفصيح لدى جيل الشباب والأجيال الناشئة؟
يبدأ الأمر بتقديم الشعر بوصفه لغة حيّة وقريبة من الحياة، لا مادة بعيدة تُدرَّس من خلال الحفظ وحده. تستطيع المؤسسات الثقافية والمدارس والجامعات أن تفتح مساحات للقراءة والإلقاء والكتابة، وأن تستضيف الشعراء في لقاءات حوارية تجعل التجربة الشعرية أكثر قرباً من الشباب. كما أن توظيف المنصات الرقمية بأساليب مبتكرة، وإنتاج محتوى صوتي وبصري جيد، يمكن أن يعرّف الأجيال الجديدة بجماليات القصيدة الفصيحة من دون أن يفقدها عمقها. الأهم أن يشعر الشاب بأن القصيدة تعبّر عن أسئلته ومشاعره ولغته الداخلية، وأنها قادرة على ملامسة واقعه.

شاهد أيضاً

الحكومة تولي اهتمامًا خاصًا بالمرأة الفلسطينية في مختلف المجالات

رئيس الوزراء يوعز بتسخير الإمكانيات المتاحة لتلبية الاحتياجات الطارئة للمواطنين وتعزيز صمودهم في محافظة الخليل

شفا – هاتف رئيس الوزراء محمد مصطفى، اليوم السبت، محافظ الخليل خالد دودين، ورئيس بلدية …