3:10 مساءً / 24 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

الإرهاب لا يفرّق بين مسجد وكنيسة ، استهداف دور العبادة اعتداء على الوطن ووحدته الوطنية ، بقلم : عمران الخطيب

الإرهاب لا يفرّق بين مسجد وكنيسة ، استهداف دور العبادة اعتداء على الوطن ووحدته الوطنية ، بقلم : عمران الخطيب

إن الإرهاب، بكل أشكاله وصوره، لا يفرّق بين مسجد وكنيسة، ولا يحترم حرمة الأديان أو قدسية دور العبادة، بل يستهدف الإنسان وأمن المجتمعات واستقرار الأوطان. ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداء المسلح الذي استهدف المشاركين في مراسم تشييع داخل كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية الحمود بمحافظة الكرك، وما أسفر عنه من سقوط ضحايا وإصابة آخرين، يشكّل جريمة مدانة بكل المعايير الإنسانية والأخلاقية، واعتداءً على جميع الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، وعلى النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية.

إن استهداف المشيعين داخل دار للعبادة، وهم يودّعون فقيدتهم في لحظات الحزن والفقد، يكشف عن خطورة الفكر المتطرف الذي يتجرّد من القيم الإنسانية، ولا يقيم وزنًا لحرمة الموت أو لمشاعر ذوي الضحايا. فأي فكر هذا الذي يحوّل دور العبادة، التي يفترض أن تكون ملاذًا للطمأنينة والسلام، إلى أماكن للخوف وسفك الدماء؟ وأي مبرر يمكن أن يشرعن الاعتداء على أناس اجتمعوا لتشييع فقيدة ومواساة أهلها؟

إن هذه الجريمة لا يمكن النظر إليها باعتبارها اعتداءً على كنيسة أو على أبناء طائفة دينية بعينها فحسب، بل هي اعتداء على الأردن بأسره، ومحاولة للمساس بأمنه واستقراره وضرب حالة التآخي والتلاحم بين أبنائه. فالإرهاب يسعى إلى بث الفرقة وإثارة النعرات الطائفية وزرع الكراهية والشك بين أبناء الوطن الواحد، غير أن وعي الأردنيين وتمسّكهم بوحدتهم الوطنية يشكّلان حصنًا منيعًا في مواجهة محاولات الفتنة والانقسام.

وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد أن حرمة دور العبادة والمقدسات مبدأ إنساني وأخلاقي لا يتجزأ، وأن الاعتداء على أي منها يمثل انتهاكًا لقيم التسامح والتعايش وحرية العبادة. ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداءات التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون بحق المسجد الأقصى المبارك وباحاته، وما تنطوي عليه من انتهاكات لحرمة المقدسات وحقوق الشعب الفلسطيني، تستوجب الإدانة والرفض. فحرمة المسجد من حرمة الكنيسة، وكرامة الإنسان واحدة لا تتجزأ، ودماء الأبرياء ليست مجالًا للمساومة أو التبرير، بصرف النظر عن الدين أو المعتقد أو الهوية.

إن الإرهاب الذي يستهدف كنيسة اليوم قد يستهدف مسجدًا غدًا، لأن جوهر التطرف يقوم على التعصب والكراهية ورفض الآخر، ولا يعترف بحق الإنسان في الحياة والأمن والكرامة. ولذلك، فإن مواجهة هذه الآفة لا تكون بالشعارات وحدها، بل تتطلب ترسيخ سيادة القانون، وملاحقة المسؤولين عن هذه الجريمة ومحاسبتهم وفقًا للقانون، إلى جانب تعزيز ثقافة التسامح والاعتدال، ومواجهة خطاب التحريض والكراهية الذي يسعى إلى تحويل الاختلاف الديني إلى صراع بين أبناء المجتمع الواحد.

لقد كان الأردن، وسيبقى، نموذجًا في التآخي الإسلامي المسيحي، إذ يجمع أبناءه تاريخ مشترك ومصير واحد، وتربطهم أواصر الانتماء والولاء للوطن. فالمسلمون والمسيحيون ليسوا جماعتين منفصلتين، بل شركاء في بناء الدولة وصون أمنها والدفاع عن كرامة أبنائها. وأي اعتداء على أحد مكونات المجتمع هو اعتداء على الأردن كله، وأي محاولة لزرع الفتنة بين أبنائه تستهدف وحدته الوطنية وتماسكه الاجتماعي.

إن دماء الضحايا وآلام ذويهم يجب أن تزيد الأردنيين تمسكًا بوحدتهم وتضامنهم، وأن تعزز إيمانهم بأن الرد الحقيقي على الإرهاب يكون بالوقوف صفًا واحدًا في مواجهة التطرف، ورفض الكراهية، والتمسك بالقيم الدينية والإنسانية التي تدعو إلى الرحمة وصون النفس البشرية واحترام كرامة الإنسان.

إن قوة الأردن لا تكمن في قدرته على مواجهة التحديات الأمنية فحسب، بل تستند أيضًا إلى تماسك شعبه، ووعي أبنائه، وإيمانهم الراسخ بأن الوطن يتسع للجميع، وأن المسجد والكنيسة جزء من نسيج وطني واحد، وأن ما يجمع الأردنيين أكبر بكثير من كل محاولات الفرقة والتحريض. وسيبقى التآخي الإسلامي المسيحي ركيزة أساسية من ركائز الوحدة الوطنية، مهما حاولت قوى التطرف العبث بأمن الوطن واستقراره.

الرحمة للضحايا، والشفاء العاجل للمصابين، والصبر والسلوان لذويهم. وحمى الله الأردن وأهله من كل سوء، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأبقى أبناءه، مسلمين ومسيحيين، إخوةً متحابين يجمعهم وطن واحد ومصير مشترك، عصيًّا على الإرهاب والفتنة والانقسام.

عمران الخطيب

شاهد أيضاً

الإيرادات المالية في الصين تشهد نموا مطردا خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر الماضيين

الإيرادات المالية في الصين تشهد نموا مطردا خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر الماضيين

شفا – شهدت الإيرادات المالية في الصين نموا مطردا خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام …