
انتخابات على مقاس الفصائل… أم شعب على مقاس الانتظار؟ بقلم: المهندس غسان جابر
في فلسطين، يبدو أن موعد الانتخابات يمكن أن يتقدم أو يتراجع، لكن مقاعد بعض القيادات لا تتحرك من أماكنها! المواطن ينتظر منذ سنوات مجلساً تشريعياً منتخباً، فيما تبدو حياته السياسية وكأنها غرفة انتظار مفتوحة، لا أحد يعرف متى تنتهي، ولا من يملك حق تمديدها.
كان المرسوم الرئاسي قد حدد 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً للانتخابات التشريعية. لكن رسالة نقلها نائب الرئيس حسين الشيخ إلى فرنسا، وكشفتها رويترز في 9 تشرين الأول/أكتوبر، أشارت إلى اتجاه لتأجيلها عدة أشهر، وربما حتى أيلول/سبتمبر 2027، بسبب تدهور الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية. وهذا تطور خطير يستدعي سؤالاً يتجاوز موعد الاقتراع: هل نحن أمام ضرورة وطنية حقيقية، أم أمام فرصة جديدة لتأجيل استحقاق سياسي طال انتظاره؟
لا أحد يطالب بإجراء انتخابات مستحيلة، ولا يجوز تجاهل الاحتلال وما يفرضه من قيود على غزة والضفة والقدس. فالانتخابات التي لا تضمن حرية المشاركة وشموليتها ونزاهتها تفقد جزءاً جوهرياً من معناها. لكن الاعتراف بالعقبات لا يمنح أحداً تفويضاً مفتوحاً لتعليق الديمقراطية، ولا يحوّل التأجيل إلى قرار معفى من المساءلة.
السؤال ليس فقط: لماذا نؤجل الانتخابات؟ بل أيضاً: من يقرر التأجيل، ومن يراقبه، ومن يضمن ألا يتحول إلى تمديد جديد للأزمة؟
عندما يصبح الخصم هو الحكم
قانونياً، لا يكفي أن يصدر التأجيل بقرار رئاسي حتى يُحسم الجدل حول مشروعيته. يجب أن يستند إلى أساس قانوني واضح، وأن تُعلن أسبابه، وأن تُحترم الاختصاصات والإجراءات ذات الصلة. فقرار الدعوة إلى الانتخابات لا يعني بالضرورة امتلاك سلطة غير محدودة لإلغاء موعدها أو تغييره، كما أن سابقة تأجيل انتخابات 2021 لا تجعل كل تأجيل لاحق مشروعاً تلقائياً.
هذه ليست مرافعة ضد شخص أو فصيل، بل مطالبة بقاعدة ديمقراطية بسيطة: القرار الذي يمس حق الناس في اختيار ممثليهم يجب أن يكون معللاً وقابلاً للمساءلة، لا مجرد إعلان سياسي يُطلب من الجميع التسليم به.
وهنا تظهر المشكلة الأكثر حساسية: عندما تكون القوى التي تدير النظام السياسي هي نفسها القوى التي ستخضع لاختبار الناخبين، يصبح تضارب المصالح احتمالاً يستوجب رقابة أشد وشفافية أكبر. فالتأجيل قد يمنح بعض الأطراف وقتاً إضافياً لترميم تحالفاتها، وتسوية خلافاتها، وإعادة ترتيب قوائمها ومواقعها. لكنه لا يثبت وحده أن هذه هي دوافع القرار؛ إثبات ذلك يحتاج إلى أدلة.
ومع ذلك، من حق المواطن أن يسأل: هل جرى استنفاد البدائل الممكنة لإجراء الانتخابات؟ هل حُددت العقبات التي تحول دونها بدقة؟ وهل توجد خطة ملزمة لمعالجتها، أم أننا سنكتفي بموعد جديد قد يصبح بدوره قابلاً للتأجيل؟
حين تكون القيادات طرفاً في المعادلة، لا يجوز أن تكون هي وحدها صاحبة القرار والحكم والضمانة.
هل هرمت الفصائل سياسياً؟
الهرم السياسي لا يُقاس بعدد السنوات، بل بقدرة القيادة على تجديد مشروعها، وتجديد شرعيتها، ومواجهة المجتمع بإجابات جديدة عن أسئلته القديمة.
ولا يجوز وضع جميع الفصائل في سلة واحدة؛ فلكل منها تجربتها ومواقفها ومسؤولياتها. لكن من حق الفلسطيني أن يسألها جميعاً: ماذا تغيّر في حياتنا؟ ماذا فعلتم لإنهاء الانقسام؟ وأين هي المؤسسات المنتخبة التي تراقب السلطة وتحاسبها؟
لقد اعتادت الساحة السياسية أن تبدأ بالحوار، ثم تشكيل اللجان، ثم إصدار البيانات، ثم العودة إلى الحوار. وفي كل مرة يُقال إن المرحلة استثنائية، وإن الأولوية لترتيب البيت الداخلي، وإن الظروف لم تنضج بعد.
لكن متى ينضج هذا البيت؟ ومن يحدد موعد نضوجه؟ وهل سيظل المواطن يدفع ثمن خلافات لم يصنعها، فيما تبقى الانتخابات مؤجلة حتى تتفق القوى على صيغة ترضي الجميع؟
المشكلة ليست في الحوار الوطني؛ الحوار ضرورة. المشكلة أن يتحول إلى بديل دائم عن الاحتكام إلى الناس، وأن تصبح المصالحة شرطاً لا ينتهي، وتصبح الانتخابات ضحية لكل خلاف جديد.
التاريخ النضالي يمنح أصحابه مكانة، لكنه لا يمنحهم ملكية أبدية لقرار الشعب.
ترتيب البيت أم ترتيب المقاعد؟
فلنسمِّ الأشياء بأسمائها. قد يمنح التأجيل القوى السياسية فرصة لمراجعة برامجها، وتسوية خلافاتها، وتشكيل تحالفات أكثر تماسكاً. وقد تكون هناك أسباب أمنية ولوجستية حقيقية لا يمكن تجاوزها. لكن هناك فرقاً بين ترتيب البيت الوطني وترتيب المقاعد داخل البيت السياسي.
ترتيب البيت الوطني يعني إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وضمان الحقوق، وإعادة بناء الثقة، ووضع برنامج وطني قابل للمحاسبة. أما ترتيب المقاعد فيعني أن ينشغل السياسيون بمن يتقدم القائمة، ومن يتراجع، ومن يحصل على حصة أكبر، ومن يضمن بقاءه في موقعه.
فإذا كان التأجيل ضرورياً، فليكن مشروطاً بجدول زمني واضح، وخطة معلنة لمعالجة العقبات، ورقابة مستقلة، وضمانات تمنع التمديد المتكرر بلا مبررات جديدة. وإذا كانت المشكلة في مشاركة القدس أو ظروف غزة أو حرية الترشح والاقتراع، فلتُطرح هذه الملفات أمام الشعب بوضوح، وليُعلن ما يمكن فعله وما يتعذر فعله، ومن يتحمل مسؤولية كل عقبة.
أما أن نؤجل اليوم، ثم نبحث غداً عن مبرر لتأجيل آخر، فذلك لا يعالج الأزمة؛ بل يمنحها عمراً إضافياً.
الشعب ليس وديعة في خزائن الفصائل
المجلس التشريعي ليس جائزة تتنافس عليها القوائم، ولا مؤسسة يمكن الاستغناء عنها كلما تعقدت الحسابات السياسية. إنه حق للمواطن في التمثيل والتشريع والرقابة والمساءلة، وغيابه يترك فجوة خطيرة في النظام السياسي الفلسطيني.
ولا يكفي أن نطالب الناس بالصبر بينما تتراجع قدرتهم على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم. فالشرعية لا تُستمد من التاريخ وحده، ولا من البيانات، ولا من التوافقات المغلقة؛ إنها تحتاج إلى تجديد حقيقي عبر مؤسسات تمثل الناس وتحاسب المسؤولين أمامهم.
المطلوب ليس انتخابات بأي ثمن، بل انتخابات حرة وشاملة ونزيهة، ضمن شروط واقعية وضمانات واضحة. والمطلوب أيضاً ألا يتحول تعذر إجرائها في موعدها إلى تفويض مفتوح لتأجيلها، وألا تصبح الضرورة الوطنية ستاراً يحجب تضارب المصالح المحتمل.
في النهاية، على القوى السياسية أن تجيب بوضوح: هل التأجيل خطوة محددة لإنقاذ انتخابات حقيقية، أم بداية انتظار جديد لا يملك المواطن نهايته؟
فالمشكلة ليست في تأجيل الانتخابات بضعة أشهر إذا فرضت الضرورة ذلك؛ المشكلة أن يصبح التأجيل مخرجاً دائماً كلما اقتربت ساعة الحساب. الشعب الفلسطيني ليس ملكية خاصة للفصائل، وصوته ليس وديعة في خزائن القيادات، وشرعية الحكم ليست إرثاً ينتقل من مؤتمر إلى مؤتمر.
إذا كانت الفصائل تخشى صندوق الاقتراع أكثر مما تخشى استمرار الانقسام، فالمشكلة ليست في موعد الانتخابات؛ المشكلة في سياسة تخشى لحظة يختار فيها الشعب.
م. غسان جابر – الخليل
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.