11:16 صباحًا / 16 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

أبو مازن في القاهرة.. لماذا الآن؟ بقلم : د. عبد الرحيم جاموس

أبو مازن في القاهرة.. لماذا الآن؟ بقلم : د. عبد الرحيم جاموس

ليس توقيت زيارة الرئيس محمود عباس إلى القاهرة، ولقائه المرتقب غداً بالرئيس عبد الفتاح السيسي، تفصيلاً عابراً في ازدحام الأحداث الإقليمية. فالرئيس الفلسطيني وصل اليوم إلى مصر في زيارة تستمر يومين، في وقت تشهد فيه القضية الفلسطينية مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حرب غزة مع ترتيبات الإعمار، ومستقبل القطاع، وتصاعد الاعتداءات والاستيطان في الضفة الغربية، والاستحقاقات الفلسطينية الداخلية.

لكن ما يعطي الزيارة دلالة إضافية أن القاهرة استقبلت في اليوم نفسه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي أجرى محادثات مع الرئيس السيسي تناولت أمن المنطقة وتطوراتها، وتضمنت تأكيداً على تطابق الموقفين المصري والسعودي تجاه القضية الفلسطينية، وعلى حل الدولتين وضرورة تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة غزة وقرار مجلس الأمن 2803، إلى جانب وقف الانتهاكات وإدخال المساعدات إلى القطاع.

لا يعني ذلك بالضرورة وجود «ترتيب ثلاثي» جرى الاتفاق عليه سلفاً، ولا يجوز القفز إلى استنتاجات لا تؤكدها البيانات الرسمية. لكن تزامن الحراك السعودي–المصري مع وصول الرئيس الفلسطيني إلى القاهرة يستحق التوقف عنده، لأنه يحدث في لحظة تحتاج فيها القضية الفلسطينية إلى موقف عربي أكثر تنسيقاً، وإلى منع تفكك ملفاتها إلى مسارات منفصلة.

فالسؤال الذي يبدو مطروحاً على طاولة القاهرة لم يعد فقط: كيف تتوقف الحرب؟ أو كيف يعاد إعمار غزة؟

السؤال الأعمق هو: ماذا بعد غزة؟

وهنا تبرز أهمية لقاء عباس والسيسي.

غزة ليست ملفاً منفصلاً عن فلسطين، وإعادة إعمارها ليست مشروعاً عمرانياً محضاً، كما أن ترتيبات إدارتها لا يمكن فصلها عن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني. فكل ترتيب يُبنى لغزة بمعزل عن الضفة الغربية، أو خارج إطار المرجعية الوطنية الفلسطينية، يحمل في داخله خطر تكريس الانقسام بدلاً من إنهائه.

ومن ثم، فإن أحد أهم ما يمكن أن تبحثه القاهرة ورام الله هو كيفية ضمان أن تكون غزة جزءاً من المسار الوطني الفلسطيني، لا ساحة لإعادة إنتاج صيغة جديدة من الفصل السياسي والجغرافي.

فالمطلوب ليس فقط إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما إعادة بناء الإطار السياسي الذي يحمي وحدة الأرض والقضية والقرار الفلسطيني.

وهذه المسألة تصبح أكثر إلحاحاً مع اقتراب الاستحقاقات الفلسطينية الداخلية. فالانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد عملية إجرائية لاختبار موازين القوى، وإنما إلى فرصة لإعادة بناء الشرعية وتجديد المؤسسات الوطنية وإنهاء الانقسام، على قاعدة أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الإطار الوطني الجامع والمرجعية السياسية للشعب الفلسطيني.

ومن هنا يمكن فهم أهمية تركيبة الوفد المرافق للرئيس عباس، الذي يضم حسين الشيخ وروحي فتوح وماجد فرج ومجدي الخالدي، بما يجمع بين أبعاد منظمة التحرير والمجلس الوطني وحركة «فتح» والأمن والدبلوماسية.

لكن القاهرة ليست معنية بالبعد الفلسطيني وحده.

فمصر تقف في قلب معادلة غزة بحكم الجغرافيا والأمن والحدود والدور التاريخي في الملف الفلسطيني. وهي معنية، قبل غيرها، بألا تتحول غزة إلى منطقة فراغ أو فوضى أو كيان منفصل، وألا يصبح مستقبل القطاع رهينة لترتيبات خارج الإطار الفلسطيني والعربي.

وفي المقابل، تحتاج القيادة الفلسطينية إلى مصر ليس فقط بوصفها دولة جوار ووسيطاً تاريخياً، وإنما باعتبارها أحد الأطراف العربية القادرة على التأثير في صياغة المرحلة المقبلة.

ومن هنا تكتسب العلاقة المصرية–السعودية أهمية إضافية.

فلقاء السيسي ومحمد بن سلمان اليوم لم يقتصر على العلاقات الثنائية؛ فقد تناول أمن المنطقة والممرات البحرية والأزمة اليمنية، كما أكد الجانبان تطابق موقفيهما تجاه القضية الفلسطينية.

وهذا يعني أن القاهرة والرياض تتحركان في بيئة إقليمية واحدة، تتداخل فيها أمن المنطقة مع القضية الفلسطينية، وتتطلب قدراً أكبر من التنسيق العربي. ومن الطبيعي أن يكون مستقبل فلسطين وغزة جزءاً أساسياً من هذا التنسيق، خصوصاً في مرحلة يجري فيها الانتقال من إدارة الحرب إلى البحث في ترتيبات ما بعدها.

وهنا تكمن أهمية زيارة أبو مازن.

فالقيادة الفلسطينية مطالبة بأن تكون حاضرة في صياغة هذه المرحلة، لا أن تنتظر ما ينتج عنها. ومصر والسعودية والدول العربية المعنية مطالبة بدعم حضور القرار الفلسطيني الشرعي، لا السماح بتجاوزه تحت عنوان الإعمار أو الأمن أو الترتيبات الانتقالية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يجري التعامل مع غزة باعتبارها مشكلة إنسانية وأمنية منفصلة عن أصل المشكلة الفلسطينية: الاحتلال وغياب الدولة الفلسطينية المستقلة واستمرار الانقسام الفلسطيني.

فالإعمار ضرورة، والحماية والإغاثة ضرورة، ووقف الحرب ضرورة، لكن كل ذلك ينبغي أن يصب في مسار سياسي واضح ينتهي إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ولهذا، فإن القيمة الحقيقية للقاء عباس والسيسي لن تظهر في عبارات البيان الختامي وحدها، وإنما في ما إذا كان قادراً على إنتاج تفاهم سياسي عربي–فلسطيني حول المرحلة المقبلة.

هل تكون غزة مدخلاً إلى استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، أم مدخلاً إلى ترتيب جديد يكرس فصلها؟

هل يكون الإعمار جزءاً من الطريق إلى الدولة، أم بديلاً مؤقتاً عن المسار السياسي؟

هل تكون الانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية وتوحيد المؤسسات، أم مجرد إعادة توزيع لموازين القوى داخل الانقسام؟

هذه هي الأسئلة التي تجعل زيارة الرئيس محمود عباس إلى القاهرة مهمة في هذا التوقيت.

وأعتقد أن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تتبلور من القاهرة هي أن غزة ليست قضية منفصلة عن فلسطين، وأن إعادة إعمارها لا يمكن أن تكون بديلاً عن إنهاء الاحتلال، وأن وحدة النظام السياسي الفلسطيني ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً لحماية القضية الفلسطينية في المرحلة المقبلة.

وإذا كان ثمة تقاطع مصري–سعودي–فلسطيني يمكن البناء عليه، فإن أفضل ما يمكن أن ينتج عنه هو حماية القرار الوطني الفلسطيني، ومنع تفكيك القضية إلى ملفات متفرقة، وربط الإغاثة والإعمار بالحل السياسي، وربط الانتخابات بإعادة بناء المؤسسات الوطنية، وربط غزة والضفة في إطار جغرافي وسياسي واحد.

فالمعركة المقبلة ليست فقط على من يعيد بناء غزة، وإنما على من يعيد بناء الإطار السياسي الفلسطيني بعد غزة، وبأي مرجعية، ولأي هدف.

وهنا تحديداً تكمن دلالة لقاء أبو مازن بالسيسي في هذا التوقيت.

  • د. عبد الرحيم جاموس – رئيس المجلس الإداري للاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين

شاهد أيضاً

شؤون المرأة: تزايد أعداد الأسر التي ترأسها النساء في غزة يتطلب استجابة متكاملة تراعي أدوارهن واحتياجاتهن

شؤون المرأة: تزايد أعداد الأسر التي ترأسها النساء في غزة يتطلب استجابة متكاملة تراعي أدوارهن واحتياجاتهن

شفا – أكدت وزارة شؤون المرأة أهمية ما خلص إليه التقرير الصادر عن هيئة الأمم …