11:01 صباحًا / 16 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

عادل لطيفي في حديث من القلب: حين يثمر العشق «بَيْدَراً».. وتتساقط الذاكرة كـ «حَبَّاتِ رُمّانِ»

عادل لطيفي في حديث من القلب: حين يثمر العشق «بَيْدَراً».. وتتساقط الذاكرة كـ «حَبَّاتِ رُمّانِ»

شفا – عادل لطيفي في حديث من القلب: حين يثمر العشق «بَيْدَراً».. وتتساقط الذاكرة كـ «حَبَّاتِ رُمّانِ»


حوار : عطا درغام


يمثل الشاعر التونسي عادل لطيفي تجربة خاصة في المشهد الشعري المعاصر؛ إذ تولد قصيدته من مزيج كثيف يجمع بين شجن الواقع، وروح الأسطورة، والنفحة الصوفية. قراءة نصوصه ليست مجرد عبور بين الأبيات، بل هي مواجهة مع لغة تعيد تشكيل تفاصيل الأشياء، لتعطي للبحر، والوحدة، والذاكرة أبعاداً مغايرة وغير مألوفة. في هذا الحوار، نلتقي بالشاعر لنبحر في عوالمه، ونتوقف عند محطات الغربة والحنين، ونقترب أكثر من فلسفة الإبداع والقصيدة في تجربته.

المحور الأول: أنسنة الطبيعة وإسقاط المشاعر

  1. «كان البحر طفلاً في خطانا»… هل العشق أقوى من الطبيعة أم أن الشاعر يعيد خلق الجغرافيا؟

إذا كنت تتوجه بسؤالك إلى عادل لطيفي الإنسان فأنا أخاف و أهاب البحر ربما أكثر من الناس العاديين وأعتقد أنه من أكثر المواضع حيث تتجلى قدرة الخالق ، ومن أكثر المواضيع التي تثير فينا الشعور ب”الجلال”. أما الشاعر فلا أظن أنه كان يحاول أن يجرد البحر من مهابته، بقدر ما كان يحاول أن يغير موقعه في الوعي. البحر في المخيال الإنساني مساحة للخوف والمجهول والتيه، لكن الحب يستطيع، للحظة، أن يعيد ترتيب الأشياء.

حين قالت “خطى العائدين” :«كان البحر طفلاً في خطانا»، لم يعد البحر جغرافيا مستقلة عن الإنسان؛ صار جزءاً من تجربته الداخلية. البطلان لم يعبرا البحر فقط، بل جعلناه يعبر معهما. وربما هنا تكمن وظيفة الشعر: أن يعيد خلق الجغرافيا ليس عبر إلغاء حقيقتها الخارجية، وإنما بتحويلها إلى حقيقة شعورية.

العشق ليس بالضرورة أقوى من الطبيعة، لكنه قادر على أن يغيّر علاقتنا بها. ففي لحظة شعرية واحدة يمكن للجبل أن يصير حبيباً، وللبحر أن يصير طفلاً، وللزمن أن يصبح كتفاً نلقي عليه معاطفنا.

  1. النخيل في «صهو الحنين»… هل هو بيئة أم شاهد على الاغتراب؟

الطبيعة في الشعر ليست ديكوراً ولا يجب أن تكون. حين يستدعى النخيل أو الماء أو الغيم أو القصب ليس هدف الشاعر ان يصف هذه الاشياء بقدر ما أن هدفه هو وصف ذاكرة المكان.

النخلة تحمل في داخلنا معنى الجذر والانتظار والارتفاع والثبات والقدرة على مقاومة الجدب والعطش في آن واحد. ولذلك يمكن أن تصبح شاهداً على اغتراب الإنسان: هي ثابتة في الأرض، بينما الإنسان هو الذي يرحل عنها وعن المكان
المكان يتحول إلى شخصية شعرية. النخيل لا يقف خلف القصيدة، بل يدخل إليها، ويحمل شيئاً من ذاكرتنا وحنيننا. ولهذا فالبيئة في الشعر ليست جغرافيا فحسب، وإنما جغرافيا الذاكرة.

  1. متى يصبح الضباب ملاذاً للشاعر بدلاً من أن يكون عائقاً للرؤية؟

حين تصبح الرؤية نفسها عبئاً.نحن نعيش أحياناً في وهم أن الوضوح فضيلة دائماً، لكن الشعر لا يولد من الأشياء الواضحة ولو كان كل شيء واضحا بالنسبة الينا لما كنا في حاجة للشعر ولما انتقال الشعر حتى. . هناك مناطق في النفس لا يمكن الوصول إليها بيسر ، والضباب هو تلك المنطقة التي تتراجع فيها حدود الأشياء لكي تظهر حقيقتها الأعمق.في الشعر نحن لا نبحث عن إجابة نهائية. وربما لهذا السبب يصبح الضباب ملاذاً: لأنه يمنحنا حق ألا نعرف تماما. الضباب ليس غيابا تاما للرؤية؛ هو دائما شكل آخر من أشكال الرؤية.

  1. «يؤمه الذباب»… لماذا إدخال المفردة الواقعية الصادمة في فضاء أسطوري رومانسي؟

ربما لأنني أولا لا أريد للأسطورة أن تتحول إلى قناع تجميلي وثانيا لأنني مؤمن بأن وظيفة الشعر ليست تصوير الأشياء الجميلة وإنما التصوير الجميل للاشياء حتى البشعة. علينا الا نبحث عن الجمال في الأشياء، وإنما في القصيد. إذا بقي الشعر أسير اللغة الجميلة وحدها، فقد يتحول الجمال نفسه إلى بهتان وكذب . لذلك نحتاج أحياناً إلى مفردة “خشنة”، “واقعية”، تجرح النسيج الرومانسي للقصيدة.

أعتقد أن «الذباب» في “رصيف الغياب” ليس مجرد حشرة؛ إنه اقتحام للواقع في فضاء كان يمكن أن يبقى أسطورياً. ربما أراد الشاعر القول إن خلف الصور الجميلة هناك دائماً شيء متعفن أو مهدد بالتعفن.التناقض مطلوب فهو من كنه الوجود : أن تضع الوردة بجوار الذباب، والأسطورة بجوار القبح، والحلم بجوار ما يفسده. الشعر لا يكتمل حين يكون جميلاً فقط، بل حين يستطيع الجمال أن يواجه قبح العالم.

  1. متى تشعر أن الطبيعة خذلتك كشاعر؟

لا أعتقد أن الطبيعة تخذل الشاعر؛ الإنسان هو الذي يعجز أحياناً عن أن يجد في الطبيعة ما يكفي من اللغة لنزيفه.حين يصبح الألم أكبر من البحر، والغياب أوسع من الصحراء، والحنين أكثر عطشاً من اليباب ، يشعر الشاعر أن الصور الطبيعية نفسها عاجزة.
لكن هذا العجز هو الذي يدفعه إلى الشعر. لذلك نحن لا نبحث عن طبيعة تستوعب نزيفينا، وإنما عن لغة تستطيع أن تخترع طبيعة جديدة لهذا النزيف.

المحور الثاني: التوظيف الأسطوري والديني

  1. لماذا عاقبت عشتار بهذه التناقضات؟

مرة أخرى تقوم اسئلتك على مسلمة ضمنية أحسب أنها خاطئة مفادها أن الكتابة الشعرية فعل واع ناتج عن تصميم حر للارادة وكأن الشعر مجرد “صناعة” تتعلم. لكنني ساجيبك كما يلي :أعتقد أن الشاعر لم يعاقب عشتار في “رصيف الغياب” أو في غيرها، وإنما حاول فقط أن ينزع عنها يقينها الأسطوري.عشتار في الأصل مرتبطة بالخصب والحياة والدورة التي تعيد الأرض إلى الربيع، لكن القصيدة استدعتها إلى عالم فقد شروط الخصب. ولذلك كان من الطبيعي أن تدخل الأسطورة وهي محمّلة بتناقضها. لسنا مطالبين بأن نستخدم الأسطورة لنكرر معناها القديم، وإنما لنختبر قدرتها على الكلام في زمن مختلف. عشتار التي تأتي ولا يأتي الربيع هي، في النهاية، صورة للإنسان الذي ينتظر الخلاص ولكنه لا يجده الا في رصيف الحلم والاشعار .وهذا ما يجعل الأسطورة حية بالنسبة إليّنا. علينا أن نسمح للاسطورة بأن تتمرد حتى على معناها الأول.

  1. ما القيامة في «قيامة الكفن»؟

أعتقد أن القيامة في القصيدة ليست قيامة دينية بالمعنى العقائدي المباشر، وليست موتاً جسدياً. إنها قيامة الذات بعد أن تصل إلى أقصى درجات انكسارها.الكفن هو نهاية مرحلة، لكنه في الوقت نفسه بداية أخرى. ولذلك جاءت «القيامة» في العنوان ملاصقة للكفن: لا بعث بلا موت رمزي.قد يموت الحب، وقد تموت صورة الإنسان عن نفسه، وقد يموت الكلام القديم الذي كان يعبّر به عن ذاته. وعندما يحدث ذلك، تبدأ إمكانية أخرى للوجود.لهذا أرى أن القصيدة نفسها هي مكان القيامة: يموت الإنسان داخلها، لكي يولد في اللغة و باللغة.

  1. «وأوحي جبريل شعراً… ثم أحياني»؛ هل القصيدة وحي وتطهير؟

لا يمكن لعاقل ان يتعامل مع «الوحي» في قصيدة”قيامة الكفن” بوصفه وحياً دينياً أو ادعاءً لمقام النبوة. إننا ازاء استعارة للحظة المكاشفة الشعرية حيث نشعر أن اللغة تأتينا من منطقة لا نسيطر عليها بالكامل.الشاعر يكتب بمعنى انه يتناول القرطاس والقلم ، لكنه لا يستطيع ابدا ان يدعي انه مبدع القصيد و ربما كان جبريل في هذه القصيدة رمزاً للانتقال: من الصمت إلى الكلام، ومن الموت إلى الحياة، ومن العجز إلى إمكانية التعبير.

أما التطهير، فهو جزء من تجربة الكتابة وإلا لم نكتب إن لم نكن لنتطهر.. لنشفى؟!! الأكيد أن القصيدة لا تمحو الجرح، لكنها تمنحه شكلاً يمكن احتماله والتعايش معه ..الشاعر لا يكتب لارضاء أحد، هو فقط يكتب ليتطهر، ليشفى ونحن لا نحب الشعر او الموسيقى أو أي فن من الفنون الا لأجل هذا الهدف.. والطربُ او الانشراح هو هذا الفعل حيث ترقص النفس فرحا وحزنا.

  1. كيف يتصالح الشاعر مع أن الحب نفسه يحوك الكفن؟

الحب ليس دائماً نقيض الموت.الحب يكشف هشاشتنا، وكلما أحببنا أكثر أصبح احتمال الفقد أكثر قسوة. ولذلك قد يكون الحب نفسه هو الذي يفتح الجرح الذي سيتسلل من خلاله الشاعر ليطل على القصيدة من بعيد او من قريب
لكن الكفن في”قيامة الكفن” ليس نهاية الحب بقدر ما هو نهاية صورة معينة عنه. ما يموت هو الوهم بأن الحب قادر على أن يحمينا من الفقد.وربما لهذا يصبح الشعر هو الخيط الأخير: حين يعجز الحب عن إنقاذنا، تحاول القصيدة أن تحفظ شيئاً منا.

  1. بين عشتار وجبريل، أين تجد مستقرّك؟

ههه وهل يحتاج الشاعر الي مستقر.. واذا حلًّ فهل سيكون ثمة حينئذ من حاجة الي الشعر؟ عشتار تمثل قوة الحياة والخصب والموت الدوري والعودة، بينما يمثل جبريل لحظة الانتقال من الصمت إلى الكلمة، من الغياب إلى المعنى.أنا ابن ذاكرة عربية تتجاور فيها الأسطورة والدين والتصوف والشعر. ولا أتعامل معها باعتبارها عقائد متنافسة داخل القصيدة، بل باعتبارها خزانات رمزية للإنسان.مستقر الشاعر هو القصيدة نفسها؛ هناك تتجاور عشتار وجبريل دون أن يلغي أحدهما الآخر.

المحور الثالث: الاغتراب والتيه والضياع

  1. كيف يعيش الإنسان على «رصيف الغياب»؟

ربما لأن الإنسان لا يعيش دائماً في المكان الذي يصل إليه الآخرون.«رصيف الغياب» ليس مكاناً جغرافياً، بل حالة وجودية. أن ترى الآخرين يمضون نحو مستقبلهم بينما تبقى أنت معلّقاً بين ما فقدته وما لم تصل إليه.لكن الغياب ليس عدماً كاملاً. الرصيف نفسه مكان انتظار. ومن ينتظر لم يفقد تماماً إمكانية الوصول.لهذا أعتقد أن القصيدة لا تنتهي عند «رصيف الغياب»، حتى حين تنتهي به. الغياب في الشعر قد يكون بداية البحث عن الحضور.

  1. هل التيه شرط للكتابة؟

كان الفيلسوف الألماني هيدغير يقول:”يجب الا نفهم كي نفهم”. وأنا اعتقد ان الشاعر يجب أن يفقد صلته المعهودة بالعالم… ان يضيع البوصلة ومعرفته السابقة بالجهات حتى يجد السبيل إلى القصيدة حيث “الحقيقة” و”الجمال”. لا أعتقد أن الشاعر يحتاج إلى أن يكون بالضرورة مكسوراً لكي يكتب. لكن الاستقرار لا يلغي الأسئلة، والعثور على الميناء لا يعني انتهاء الرحلة.إذا وجدت شطآني يوماً، فلن تتوقف القصيدة؛ ربما ستتغير فقط. بايجار القصيدة لا تحتاج دائماً إلى جرح مفتوح. أحياناً يكفيها أثر الجرح.

  1. هل الشيخ الذي كسر ربابته صورة مستقبلية للشاعر الذي يخشى عجز اللغة؟

يمكن أن يكون الأمر كذلك، لكنني لا أحب أن أغلق الشخصية الشعرية على تفسير واحد.الشيخ الذي يكسر ربابته يمكن أن يمثل اللحظة يشعر فيها الإنسان أن آلته لم تعد قادرة على حمل ما يريد قوله. والربابة هنا يمكن أن تكون الموسيقى، ويمكن أن تكون اللغة، ويمكن أن تكون الذاكرة نفسها. ويمكن أن تكون عثور الشاعر علي إيقاعه الخاص.. وهذا سؤال للأسف لا امتلك مفاتيح حله أو الإجابة عليه لكن النقاد وحدهم قادرون. قد يكون في الصورة شيء مني، نعم. فالشاعر يخشى دائماً اللحظة التي يصبح فيها صمته أبلغ من لغته.لكنني أؤمن أيضاً بأن عجز اللغة نفسه يمكن أن يتحول إلى شعر. ينمو الشعر ويزهر في إعتقادي في المنطقة حيث يتصارع ما ينقال مع مالا – ينقال

  1. هل القطار هروب أم بحث عن رصيف آخر؟

القطار ليس هروباً بالمعنى البسيط ولن يكون . هو حركة بين رصيفين، بين ماضٍ لم يعد ممكناً ومستقبل لم يتشكل بعد. ولذلك يحمل شيئاً من الهروب وشيئاً أكبر من البحث.ربما لا يبحث الشاعر عن رصيف جديد بقدر ما يبحث عن نفسه التي تركها في الرصيف القديم.ولهذا ربما تتكرر في شعري صور الرحيل والقطار والسفر والميناء: كلها أشكال مختلفة للسؤال نفسه: أين يمكن للإنسان أن يصل دون أن يفقد نفسه؟

  1. كيف تصبح الجغرافيا الواسعة زنزانة؟

كان المتنبي يقول:”إذا كانت النفوس عظاما /تعبت في مرادها الاجسام” وبكل تأكيد العالم الذي يحوي الأجسام. أنا لا أقول أن نفس عادل لطيفي عظيمة ولا تسعها الارض ولا السماء.. أنا ككل الناس أحفى وانتعل.. لكن أنا الشاعر هي بكل تأكيد كذلك، انها تقف قبالة العالم وفي مواجهته، لذلك تبدو له الدنيا” أصغر من جناح فراشة “كما كان يقول محمود درويش.

المحور الرابع: الانكسار العاطفي وتفتت الذات

  1. «مبعثراً كان قلبي كحبّات رمان»؛ كيف يتحول الانكسار إلى جمال؟

الشعر لا يجمل الألم لكي يخفيه؛ يحاول أن يمنحه شكلاً.. يحاول كما قلت آنفا ان يتطهر أو أن يشفى منه حين يكون القلب مبعثراً، لا يستطيع الشاعر أن يعيده كما كان. لكنه يستطيع أن يضع حباته المبعثرة في صورة، وإيقاع، واستعارة. ربما تبقى بعض الحبات مفقودة فعلاً. وهذا ليس نقصاً في القصيدة، بل جزء من صدقها.القصيدة العظيمة، في رأيي، ليست التي تستعيد الإنسان كاملاً، وإنما التي تجعلنا نرى بوضوح ما فقدناه منه. وربما لهذا السبب كان فريدريك شيلر يقول :” الشاعر هو الإنسان الحقيقي فيحين أن الفيلسوف مجرد كاريكاتير” وطبعا الفيلسوف هنا يعني جميع الذين ينتجون خطابات عقلانية بمن فيهم الفلاسفة أنفسهم

  1. إذا كانت الذكرى شيطان الشعر، فهل النسيان موت الشاعر؟

قد لا يكون الأمر كذلك ، لكنه بكل تأكيد سيكون موت جزء من مادته الأولى.الذكرى تؤلم لأنها لا تكتفي بأن تكون ماضياً؛ إنها تعود في الحاضر وتطالبنا بأن نعيد تفسيرها. ولذلك تصبح شيطان الشعر.لكن الشاعر لا يريد أن يبقى أسيراً للذكرى. وظيفة القصيدة ليست أن تعيدنا إلى الجرح، وإنما أن تحول الجرح إلى معرفة وجمال.قد يبرأ الإنسان من جرحه، لكن القصيدة تحتفظ بالندبة.

  1. كيف يصبح البياض سواداً؟

ههه أليس فعل الكتابة هو ذاته تسويد للبياض؟ أم ان ثمة من يكتب بالقلم السحري؟ إن البياض في “قيامة الكفن” ليس لوناً فقط؛ إنه رمز للنقاء والبراءة والوضوح. وعندما أسأل: «هو البياض؟»، فأنا لا أشك في اللون، بل في المعنى الذي أسقطناه عليه.أحياناً يكون اليقين شديد البياض إلى درجة أنه يعمينا.ولهذا أحب شخصيا المنطقة التي يتردد فيها الشعر بين النور والعتمة، بين المعرفة والشك. فالقصيدة تبدأ غالباً حين لا يعود الشاعر واثقاً من أن الأشياء هي ما تبدو عليه.

  1. كيف يتحول الكلام إلى رجم؟

الكلمات ليست بريئة أبدا. نحن نعتقد أننا نستخدم اللغة لكي نقول ما نشعر به، لكننا نكتشف أحياناً أن اللغة نفسها تعيد تشكيل ألمنا، وتضعه أمامنا أكثر وضوحاً مما نحتمل.«رجم الكلام» هو عجز اللغة عن إنقاذ صاحبها من تجربته. كل كلمة أقولها عن الحنين قد تجعل الحنين أكثر حضوراً. لذلك يصبح الكلام أحياناً شبيهاً بالحجارة: لا يحررني من الألم، بل يذكرنا به.

  1. لماذا «جرة الغياب»؟

الجرة صورة قديمة للامتلاء: ماء، حياة، ذاكرة، بيت.وحين تصبح «جرة الغياب» مكسورة، لا نفقد الوعاء وحده، بل نفقد القدرة على حفظ ما بداخله.لهذا اختارت “رصيف الغياب” الجرة لا باعتبار انكسارها نهائياً فقط، وإنما لأن فيها مفارقة: وعاء كان مهيأً لحفظ الماء، فإذا به يصبح وعاءً للغياب.وهذه إحدى طرائق الشعر أي أن يقلب وظيفة الشيء من الداخل.
المحور الخامس: التلاشي والذوبان الرومانسي

  1. ما «المعاطف الصغيرة» التي ألقيناها على كتف الزمان؟

هي أشياء كثيرة في الوقت نفسه.هي ثقل السنوات، وهي الطفولة التي كنا نحملها معنا، وهي بعض أوجاعنا القديمة، وربما بعض الصور التي لم نعد بحاجة إليها.إنها جميع هذه الأشياء وأكثر حين نلقي معاطفنا على كتف الزمان، نشعر للحظة أننا أخف. كأننا لا نعبر البحر بأجسادنا فقط، بل نخلع عنا أعماراً كاملة.

  1. «أذوب على شفتيك سكراً»؛ هل الذوبان إلغاء للفردية؟

هناك خوف في العبارة، وليس نشوة فقط.«وأخشى أنسى الطريق إليّ» هي الجملة التي تكشف الوجه الآخر للذوبان. فالحب يمكن أن يبلغ درجة يصبح فيها الآخر وطناً، لكن الخطر أن يصبح الوطن سجناً للذات.أنا لا أرى الحب الحقيقي إلغاءً للفردية، وإنما اختباراً لحدودها. كان هيغل يقول :”الحب معجزة بصبح خلالها الاثنان واحدا لكن دون الامحاء النهائي للثنائية” والذوبان في القصيدة ليس اختفاءً تاماً، بل هو رغبة في أن يتجاوز الإنسان عزلته ولو للحظة.

  1. كيف تحولت إلى «غلال» وتحولت هي إلى «بيدر»؟

لعل هذه الصورة جاءت من عالم زراعي قريب جداً من الذاكرة العربية و بكل تأكيد من تجربتي في الأرض أانا أساسا فلاح .
البيدر ليس مجرد مكان يجتمع فيه المحصول، إنه المكان الذي تبلغ فيه الثمرة اكتمالها.وحين أقول «نسيت حدودي وصرت غلالاً / وصارت ذراعاها بيدر»، فأنا أقلب علاقة الإنسان بالمكان: هي لم تعد امرأة فقط، وأنا لم أعد فرداً منفصلاً؛ أصبح جسدي وثمرتي وذاكرتي جزءاً من فضائها.ربما هذا هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه الحب في الشعر: أن يتوقف مؤقتاً عن رسم الحدود بين «أنا» و«أنت». والقصيدة تقلب العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة لتجعل المرأة صاحبة المبادرة وهي التي تقود العملية باسرها.

  1. كيف تعيش في شعرك قسوة الصحراء إلى جانب عذوبة السكر والخصب؟

لأنني ببساطة لا أراهما نقيضين.الجفاف والخصب هما قطبا التجربة الإنسانية نفسها. لا معنى للعطش من دون ماء، ولا معنى للحنين من دون غياب، ولا معنى للوصال من دون الهجر او من دون خوف الفقد.لهذا تتجاور في قصائد عادل لطيفي الصحراء والبيدر، الطين والسكر، الكفن والربيع، اليباب والماء.ونحن نكتب الإنسان في لحظة عبوره بين هذه الأضداد. وربما لهذا تبدو القصيدة أحياناً كأنها تنتقل من عالم إلى نقيضه، بينما هي في الحقيقة تتحرك داخل التجربة نفسها.

  1. أين يقف عادل لطيفي الآن: على «رصيف الغياب» أم في «بيدر الاحتواء والوصال»؟

ههه.. لا هنا ولا هناك وان شئتني صادقا : انا بين بين. ولكنني مستقر بكل تأكيد “على رصيف الحلم والاشعار”.
فقط تعقيب صغير : كان من الاجدي في اعتقادي لو توجهت بهذه الأسئلة لناقد مختص في الشعر الحديث لسببين، اولهما ان النقاد اقدر من الشعراء على بيان ما يمكن أن يعنيه هذا السطر الشعري او هذه القصيدة وثانيهما ان ما هو محمول على الشاعر هو ان يقول شعرا وليسهر الخلق جراه انسجاما أوخصاما.وعلى أي حال واضح استاذي الجليل أنني عشت محاصرا باسئلتك الدقيقة التي لا تنم فقط عن معرفة بالشعر وآليات إنتاجه وإنما عن قراءة متانية ومتعاطفة مع قصائدي. فلك ولمجلتك المرموقة مني ألف أغنية ودام تألقكم.

شاهد أيضاً

شؤون المرأة: تزايد أعداد الأسر التي ترأسها النساء في غزة يتطلب استجابة متكاملة تراعي أدوارهن واحتياجاتهن

شؤون المرأة: تزايد أعداد الأسر التي ترأسها النساء في غزة يتطلب استجابة متكاملة تراعي أدوارهن واحتياجاتهن

شفا – أكدت وزارة شؤون المرأة أهمية ما خلص إليه التقرير الصادر عن هيئة الأمم …