7:53 مساءً / 15 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

إنهاء الانقسام ورصّ الصفوف وتوحيد الفكر: الأولوية الوطنية في اللحظة الفلسطينية الراهنة ، بقلم : منيب رشيد المصري

إنهاء الانقسام ورصّ الصفوف وتوحيد الفكر: الأولوية الوطنية في اللحظة الفلسطينية الراهنة ، بقلم : منيب رشيد المصري

تمرّ القضية الفلسطينية بواحدة من أكثر مراحلها تعقيداً وخطورة منذ عقود. فالمشروع الوطني يواجه اليوم تحديات وجودية تتجاوز حدود المواجهة السياسية التقليدية، في ظل حرب إبادة مدمرة وممنهجة على قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والضم واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية والقدس، ومحاولات متواصلة لدفع الشعب الفلسطيني نحو اليأس أو التهجير أو القبول بواقع سياسي ينتقص من حقوقه الوطنية الثابتة. وفي مواجهة هذا المشهد، لم تعد الوحدة الوطنية مطلباً أخلاقياً أو شعاراً سياسياً فحسب، بل أصبحت شرطاً من شروط البقاء والقدرة على حماية القضية الفلسطينية ومكتسباتها.

إن المشروع الصهيوني في فلسطين ليس ولد اللحظة فهو نتاج الفكر الصهيوني الذي تحول إلى برنامج ثم تحول إلى مشروع ثم إلى خطة بدأت تترجم من خلال اتفاقية سايكس بيكو 1916 ، وثم وعد بفور 1917 ، وصولا لحرب الإبادة الجماعية ومحاولات التهجير وتصفية القضية الفلسطينية التي نواجهها اليوم

لقد أثبتت التجربة الفلسطينية الطويلة أن الانقسام لا ينتج سوى مزيد من الضعف، وأن تعدد المرجعيات والبرامج المتناقضة يبدد الطاقات ويمنح الاحتلال فرصة إضافية لفرض الوقائع على الأرض. ومن هنا، فإن الأولوية الوطنية اليوم يجب أن تتمثل في إنهاء الانقسام، ورص الصفوف، وتوحيد الفكر وإعادة بناء التوافق على رؤية سياسية جامعة تعيد الاعتبار إلى وحدة الشعب والأرض والمؤسسات، وتحدد بوضوح أهداف المرحلة المقبلة وأدواتها.

وتزداد هذه المهمة إلحاحاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الفلسطينية. فالانتخابات التشريعية المقررة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني 2026، وما يتبعها من انتخابات رئاسية متوقعة خلال الربع الأول من عام 2027، يمكن أن تشكل محطة تاريخية لإعادة تجديد الشرعيات وضخ دماء جديدة في المؤسسات الوطنية، وإفساح المجال أمام جيل شاب وقيادات واعدة للمشاركة في صنع القرار. لكنها، في المقابل، قد تتحول إلى عامل إضافي من عوامل التشرذم إذا جرت في ظل الانقسام وغياب الحد الأدنى من التوافق على القواعد السياسية وبرنامجها الوطني.

المطلوب، إذاً، ألا نتعامل مع الانتخابات بوصفها منافسة على المقاعد أو اختباراً لموازين القوى الفصائلية، بل باعتبارها أداة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتعزيز وحدته. الانتخابات الناجحة ليست تلك التي تنتج فائزاً وخاسراً فقط، وإنما تلك التي تنتج مؤسسات شرعية وقادرة، وتعيد الثقة بين المواطن والنظام السياسي، وتحول التعددية من مصدر صراع إلى مصدر قوة. ولتحقيق ذلك، لا بد من التوافق مسبقاً على احترام النتائج، وصون الحريات، وضمان المشاركة الواسعة، والتأكيد على أن أي تنافس انتخابي يجب ألا يمس وحدة المؤسسات أو وحدة القرار الوطني.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى حوار وطني شامل وجاد يسبق الاستحقاق الانتخابي، تشارك فيه جميع الفصائل والقوى السياسية، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والشباب والمرأة والشخصيات الوطنية المستقلة. حوار لا يكتفي بالصور والبيانات الختامية، بل يخرج بخارطة طريق واضحة ومحددة زمنياً تتناول إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل دورها، وتحديد أسس البرنامج السياسي المشترك للمرحلة المقبلة.

إن وحدة الفكر لا تعني إلغاء الاختلاف أو فرض لون سياسي واحد، فالتعددية جزء طبيعي من أي حياة ديمقراطية سليمة. المقصود هو الاتفاق على الثوابت الكبرى: حماية الأرض والإنسان، تثبيت صمود شعبنا في وطنه، الحفاظ على القدس ومقدساتها وهويتها العربية، رفض التهجير والضم، الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، والعمل من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وفق قرارات الشرعية الدولية. وما دون ذلك من اختلافات يجب أن تبقى في إطار السياسة والديمقراطية، لا أن تتحول إلى انقسام في الجغرافيا والشرعية والمؤسسات.

وفي الوقت ذاته، علينا أن ندرك أن القضية الفلسطينية لم تعد تتحرك في فراغ إقليمي أو دولي. العالم يتجه نحو تحالفات وفضاءات سياسية واقتصادية كبرى، وموازين القوة الدولية تتغير بسرعة. وقد نجح الشعب الفلسطيني، بتضحياته وصموده، في إعادة قضيته إلى صدارة الوعي العالمي، وفي توسيع دائرة التضامن الشعبي والحقوقي معه، وفي دفع قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي إلى رفض الفكر الصهيوني وممارسات الاحتلال. وهذا التحول يمثل فرصة سياسية وأخلاقية ينبغي البناء عليها بعقلانية، وبخطاب موحد، وبأداء دبلوماسي وقانوني أكثر تنظيماً وتأثيراً.

ولا يكفي أن نخاطب العالم بلغة المظلومية وحدها، رغم حجم الظلم التاريخي والراهن الواقع على شعبنا. علينا أن نقدم للعالم أيضاً فكر فلسطيني عربي إنسانية متكامل : فكر ينحاز إلى الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وبناء بيئة سليمة في عالم خال من الأوبئة والحروب والحدود ويرفض العنصرية والاحتلال ، ويربط بين الحق الوطني الفلسطيني والقيم الإنسانية الجامعة. كما أن البعد الفلسطيني العربي والإسلامي يجب أن يشكل مصدر قوة حضارية وسياسية، لا خطاباً انعزالياً، وأن يُترجم إلى شراكات وتحالفات ومواقف عملية تعزز صمود شعبنا وتحمي حقوقه.

إن المرحلة المقبلة تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار بقدر ما تتطلب حكمة في إدارة الاختلاف. وأولى علامات هذه الشجاعة أن نعترف بأن استمرار الانقسام لم يعد مقبولاً ولا قابلاً للتبرير، وأن أي حسابات فصائلية أو شخصية يجب أن تتراجع أمام المصلحة الوطنية العليا. كما أن تجديد المؤسسات وإشراك الشباب والكفاءات ليس ترفاً، بل ضرورة لضمان استمرارية المشروع الوطني وقدرته على مخاطبة الأجيال الجديدة والعالم.

إن الانتخابات المقبلة يمكن أن تكون بداية جديدة، لكنها لن تكون كذلك تلقائياً. نجاحها مرهون بما يسبقها من مصالحة وتوافق، وبما يليها من احترام للنتائج ووحدة في المؤسسات والقرار. ولهذا فإن الدعوة اليوم يجب أن تكون واضحة: إلى الأخ الرئيس محمود عباس، وإلى قيادة منظمة التحرير، وإلى جميع الفصائل والقوى والفعاليات الوطنية، للبدء فوراً بحوار وطني شامل ينتج برنامجاً سياسياً مشتركاً وخارطة طريق قابلة للتنفيذ، تضع إنهاء الانقسام في مقدمة الأولويات تأسيا لفكر واحد جامع.

فلسطين أكبر من فصيل، وأبقى من خلاف، وأقدس من أن تُستنزف في صراعات داخلية. وما يحتاجه شعبنا في هذه اللحظة ليس مزيداً من الاصطفافات، بل قيادة موحدة، ومؤسسات شرعية، ورؤية وفكر وطني واحد قادر على تحويل التضحيات الهائلة إلى إنجاز سياسي يحفظ الحقوق ويفتح الطريق نحو الحرية والاستقلال. تلك هي مسؤوليتنا جميعاً، وتلك هي الأولوية التي لا يجوز أن تتقدم عليها أية أولوية أخرى.

شاهد أيضاً

الخارجية الصينية: الصين تحث الولايات المتحدة على وقف توسيع الحشد العسكري في الفضاء الخارجي

شفا – قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جيا كون، اليوم الثلاثاء، إن الصين …