10:27 صباحًا / 15 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

ملاحظات حول نتائج اختبار بيزا (PISA) /التعليم في فلسطين ، بقلم : د. فواز عقل

ملاحظات حول نتائج اختبار بيزا (PISA) /التعليم في فلسطين ، بقلم : د. فواز عقل

في إحدى الدول العربية حضر مسؤول احتفال لطلبة الثانوية وكان مقررا أن يلقي كلمة وكان معه ورقة امتحان لطالب ناجح في الثانوية العامة ورفع الورقة أمام الحضور وقال: بدنا نعرف كيف وصل هذا الطالب إلى هنا

مشهد آخر: معلم أمريكي ينهار باكيا من مستوى طلابه في المرحلة الثانوية وقال: أن يصل طالب إلى المرحلة الثانوية وهو لا يتقن القراءة والكتابة ثم نعتبره ناجحا و ننقله من صف إلى آخر فهذه ليست مشكلة طالب بل جريمة تربوية بحق الأجيال.

ويقول الشهادة التي لا يصاحبها علم و النجاح الذي لا يصاحبه إتقان مجرد أرقام تخفي واقعا مؤلما.

إن نتائج اختبار بيزا (PISA) تقرع جدران العقل و تكشف المستور في كثير من الدول المشاركة و اختبار بيزا (PISA) هو اختبار دولي تنظمه منظمة التعاون الاقتصادي للتنمية (OECD) كل ثلاثة سنوات لقياس مهارات طلبة المدارس في سن 15 في القراءة و الرياضيات و العلوم و مقارنة مستويات التعليم مع طلبة مشاركين من أنظمة تعليمية مختلفة و هذه النتائج يجب أن تستخدمها الدول المشاركة لتصحيح البوصلة التعليمية و تحسين أداء الطالب و هو يعطي إشارات عن مستوى مخرجات الطلاب في الدول المشاركة، نتائج فلسطين في هذه الاختبار تشير إلى مستويات متدنية جدا و إلى تدني التحصيل و التعلم عند الطالب ، و أسأل :

1-إذا كان الطالب لا يقرأ ولا يفهم ما يقرأ ، فكيف سيفهم العلوم والرياضيات؟ وأنا لا يقلقني ضعف الطالب في الرياضيات او العلوم لأنه قد يكون مبدعاً في العلوم الاخرى ، ما يقلقني هو ضعف مهارة القراءة والفهم عند الطالب

2-كيف يمكن تفسير العلامات المدرسية المرتفعة والنجاح في امتحان التوجيهي ؟

3-هل حدث هذا بين عشية وضحاها أم تراكمات متتالية؟

4-إذا كان الطالب لا يقرأ ولا يفهم ما يقرأ في سن 15 سنة، فهل سيتسمر بالتوجه إلى مصادر التعليم المفتوح من الصف الأول حتى الرابع أم يجب إعادة النظر؟

هذه المقالة ليس الهدف منها إلقاء اللوم على جهة معينة بل هي دعوة لتحمل الجميع المسؤولية و إعادة توجيه البوصلة لأنها قضية تخص مستقبل الأجيال

المعروف أن الطالب لا يقرأ إلا المطلوب بالامتحان، مع العلم أن القراءة هي مهارة لغوية ليست فك الحرف بل فهم المقروء، و أقول : الطالب لم يتعلم كيف يقرأ و لم يتعلم كيف يتعلم و كيف يتعامل مع المقروء ،فالقراءة أنواع كثيرة منها : قراءة تشخيصية، قراءة تحليلية، قراءة تقييمية ، قراءة نقدية ،قراءة تنبؤية ، قراءة الإجابة على أسئلة ، هذا كله نتيجة لنظام تعليم يعاني من ثلاثة معلم يلقن، طالب يحفظ، امتحان يقيس.

و أقول : ارجعوا إلى الكتاب الذي سيبقى خير جليس في الزمان ، ارجعوا إلى نسخ الدرس مرة أو مرتين ، ارجعوا إلى القراءة لأن الأمة التي لا تقرأ هي أمة متهالكة .

و أقول: اقرأ أكثر ترى أبعد / اقرأ فإنك لا تدري أي كتاب سينبت لك عقلا جديدا

و رحم الشاعر الذي قال :

اقرأ كتابك إن أدرت ثقافة فالمجد يحمي الرأس للقراء

التعليم هو طوق النجاة الوحيد و هو الذي يفتح نوافذ أمام عقل المتعلم

سقى الله أيام المترك ،كان هنالك شوق كبير و جوع حقيقي للتعلم ، كان يمشون تحت الشمس الحارقة و تحت المطر ،يمشون للحصول على المعرفة، أما اليوم المعرفة دخلت بيوتنا و أقول : التعلم لا يحقن في العقل.

أيام زمان كنا نفتخر بنتائج التعليم المدرسي، أيام المترك ، و حملة شهادات المترك جابوا البلاد العربية كلها في منتصف القرن العشرين، و أقاموا طفرة تعليمية في دول الخليج.

كان الطلاب أيام زمان يحفظون المعلقات/ينسخون الدرس أربع مرات / يحفظون مقامات بديع الزمان الهمذاني/يشاركون في المسابقات الشعرية/ يشاركون في جريدة المدرسة/ يحفظون جزء عم و كثير من الأحاديث

و قبل أن يقال :لماذا لم تقرعوا جدران العقل /و قبل أن يصبح كما يقلب كفيه على ما فاته / و قبل أن تضيق علينا الأرض بما رحبت ، أقول بعد هذه النتائج، إن اللجوء إلى مصادر التعليم المفتوح سيزيد الطين بلة.

الغريب أن سنغافورة أصغر مساحة دولة في العلم و أقل عدد سكان في العالم و عمرها 60 سنة ،بلا نفط ، بلا غاز، بلا ماء، بلا ذهب ، لا فضة ، و اسمعوا ما قاله لي كيوان عندما سئل أنتم دولة صغيرة كيف صنعتم المعجزة؟

قال: أنا لم أصنع المعجزة في سنغافورة ، أنا فقط قمت بواجبي نحو وطني ، فخصصت موارد الدولة للتعليم و غيرت مكانة المعلمين من طبقة بائسة إلى أرقى طبقة في سنغافورة، فالمعلم هو من صنع المعجزة و هو ما أنتج جيلا متواضعا يحب التعلم و الأخلاق.

و أخيرا ، هذه مشكلة بحاجة عاجلة إلى دراسة و حلول و مشاركة الجميع في مواجهتها و أنا أدعو هنا إلى إعادة توجيه البوصلة التعليمية و إعادة تعريف كل مكونات العملية التعليمية ، دور المعلم ،دور الطالب ،المنهاج المواكب ، التقويم، النجاح ، استراتيجيات التعلم ، البيئة الصفية، النشاطات، لأن هدف التعليم هو خلق مواطن جيد و قادر على القيام بأشياء جديدة و ليس تكرار ما فعلته الأجيال السابقة، ببساطة، خلق مواطن مبدع مبتكر مكتشف متسائل .
وأخيرا أقول، نحن التربويين المحاورون الذين فهمنا كل شيء نحتاج إلى كرة أرضية ثانية لنزرع فيها روح الأخلاق والتعليم والتربية والتواضع، نحن أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.

  • د. فواز عقل – باحث في شؤون التعليم والتعلم .

شاهد أيضاً

تقلص وتيرة تراجع أسعار المنازل بالمدن الصينية الرئيسية خلال شهر أغسطس

تقلص وتيرة تراجع أسعار المنازل بالمدن الصينية الرئيسية خلال شهر أغسطس

شفا – أظهرت بيانات رسمية اليوم الثلاثاء أن أسعار المنازل بشكل عام في المدن الصينية …