
لماذا تواصل الشركات الصينية تعميق حضورها في السوق المصرية؟ بقلم : سونغ آن تشي
على بُعد نحو ١٢٠ كيلومتراً شرقي القاهرة، وعلى شاطئ البحر الأحمر، تنتصب في قلب الصحراء مدينة صناعية حديثة كُتب لها أن تخرج من رمال الصحراء إلى فضاء الإنتاج والابتكار. إنها منطقة التعاون الصينية-المصرية “تيدا – السويس” الاقتصادية والتجارية. وحتى نهاية عام ٢٠٢٥، استقطبت المنطقة نحو ٢٠٠ شركة، وأتاحت بشكل مباشر قرابة ١٠ آلاف فرصة عمل، لتصبح الصحراء القاحلة واحةً تتركز فيها الصناعات والاستثمارات.
وهذه ليست سوى حلقة واحدة من مسلسل التعاون المصري-الصيني. ففي العاصمة الإدارية الجديدة، يعيد برج الأيقونة الذي يبلغ ارتفاعه ٣٨٥.٨ متراً تشكيل أفق القاهرة الشرقية؛ ومن وسائل النقل بالسكك الحديدية والجسور، إلى قطاعات الطاقة الجديدة، وتصنيع المعدات، والزراعة الحديثة، تغطي الشركات الصينية مختلف ربوع مصر. وصولاً إلى مايو ٢٠٢٦، تجاوز عدد الشركات الصينية العاملة في مصر بأنواعها المختلفة ٣ آلاف شركة، بإجمالي استثمارات تزيد على ٩ مليارات دولار أمريكي.
يُصادف هذا العام الذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وعند هذه المحطة التاريخية، يطرح سؤال يستحق التمعن: في مواجهة تقلبات أسعار الصرف، وصعوبات التسويات بالعملات الأجنبية، والمتغيرات الإقليمية، واضطرابات سلاسل التوريد، لماذا لا تزال الشركات الصينية تختار التعمق في السوق المصرية؟
لا يكمن الجواب في الموقع الجغرافي المصري وحجم السوق فحسب، بل في التحول البنيوي الذي تشهده العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين: من تنفيذ مشاريع منفردة وتصدير المعدات والمنتجات، إلى بناء قدرات إنتاجية محلية، وتنظيم سلاسل التوريد، وتأهيل الكوادر، والمشاركة في التطوير الصناعي الطويل الأجل.
الموقع والسوق … لماذا تأتي الشركات؟
تقع مصر عند ملتقى القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتمتلك قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط. وبفضل علاقاتها التجارية الإقليمية الواسعة، تمتلك مصر سوقاً محلية يتجاوز عدد سكانها المئة مليون نسمة، كما تشكل بوابةً حيوية للشركات الراغبة في دخول أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
بالنسبة للشركات الصينية، فإن إنشاء مصانع في مصر لا يعني فقط نقل خطوط الإنتاج إلى الخارج. فالقرب من السوق المحلية والأسواق المجاورة يختصر فترات التسليم، ويخفض جزءاً من تكاليف الشحن والرسوم الجمركية، ويساعد الشركات على تكييف منتجاتها وخدماتها وفقاً لمتطلبات السوق الإقليمية. وهكذا، لم تعد مصر مجرد وجهة لبيع المنتجات، بل أصبحت قاعدة إنتاج وتصدير للأسواق المحيطة.
في الوقت نفسه، تمضي مصر قدماً في مشروعات البنية التحتية والتصنيع والتحول الأخضر، حيث تتكامل خبرات الشركات الصينية في مجالات الإنشاءات وتصنيع المعدات وتنظيم الإنتاج والتطبيقات التكنولوجية مع احتياجات التنمية المصرية. وتلتقي “رؤية مصر ٢٠٣٠” مع مبادرة “الحزام والطريق” في أهدافها التنموية، كما توفر مبادرة التنمية العالمية إطاراً جديداً لتعزيز التعاون الإنمائي بين البلدين.
يُفسّر الموقع الجغرافي المتميز لمصر وحجم سوقها المحلية الضخم سبب إقبال الشركات على دخول هذه السوق، لكنّ القدرة على البقاء والاستمرار فيه تظلّ مرهونة بمدى نجاح هذه الشركات في الاندماج الفعلي في النسيج الاقتصادي المحلي.
التشغيل المحلي … هل تبقى الشركات؟
في الماضي، كانت بعض الشركات الصينية تدخل السوق المصرية عبر المقاولات الهندسية، وتصدير المعدات، وتنفيذ المشاريع. وبعد الانتهاء من المشروع، كانت العلاقة التعاقدية تنتهي مع انتهاء العقد. أما اليوم، فإن المزيد من الشركات بدأت في إنشاء قواعد إنتاجية، وتوظيف وتدريب العمالة المحلية، وشراء المواد الخام من السوق المحلية، مما ينعش الصناعات المساعدة مثل النقل والتغليف والصيانة.
والعلاقة بين الشركات والسوق المصرية لم تعد مجرد عقد، بل أصبحت سلسلة إنتاجية متكاملة.
تُعد شركة “جوشي مصر” لألياف الزجاج نموذجاً بارزاً. فعند دخولها السوق المصرية، أسست تدريجياً صناعة محلية لألياف الزجاج، ووفرت نحو ٢٠٠٠ فرصة عمل مباشرة، بنسبة عمالة محلية تبلغ ٩٨٪، وباعتماد محلي يصل إلى حوالي ٩٥٪ من المواد الخام. كما أسهم المشروع في تنمية الصناعات المرتبطة كالتعدين المحلي، وصناعة التغليف، والنقل اللوجستي.
وهذا التوطين لا يوفّر فرص العمل فحسب، بل يشكّل وسيلة مهمة لمواجهة المخاطر التشغيلية. فعندما تُستورد المواد الخام محلياً، ويتشكل فريق إداري وعمالي من أبناء البلد، وتُصدر المنتجات إلى أوروبا والأميركيتين والأسواق المجاورة، يتراجع الاعتماد على الاستيراد والسوق الواحدة. وفي مواجهة تقلبات أسعار الصرف، أو صعوبات التحويل، أو تغيرات الشحن الدولي، تستطيع الشركات توزيع المخاطر بتوسيع المشتريات المحلية، وزيادة عائدات التصدير، وتحسين طرق التسوية، وإعادة توزيع الأسواق.
بمعنى آخر، كلما زادت حالة عدم اليقين في المحيط الخارجي، ازدادت حاجة الشركات الناضجة إلى ترسيخ جذور إنتاجها ومشترياتها وكوادرها وشبكات مبيعاتها في السوق المحلية. وما يُبقي الشركات ليس الحوافز فقط، بل القدرات الإنتاجية والمصالح المشتركة التي تكونت بالفعل.
اندماج سلاسل التوريد … لماذا تستمر الشركات في الاستثمار؟
حالما تُنشئ الشركة مصنعاً، وتُدرّب العمالة، وتُشكّل شبكة من الموردين والعملاء، يصبح التوسع في الاستثمار أكثر جدوى اقتصادياً من الانسحاب وإعادة التأسيس من الصفر.
فالمصنع لم يعد مشروعاً منعزلاً، بل أصبح جزءاً من منظومة متصلة بالعمالة المحلية، والموردين، والعملاء، وشركات الخدمات اللوجستية، والمرافق العامة. وكلما تعمق الاستثمار، ازدادت حيوية الصناعات المساعدة، وتحسنت كفاءة التشغيل والقدرة على اختراق الأسواق، مما يولّد دورة مستمرة من “الاستثمار–الإنتاج–التكامل–إعادة الاستثمار”.
وهذا هو جوهر تحول دور الشركات الصينية في مصر: من منفّذة للمشاريع ومورّدة للمنتجات، إلى شريك طويل الأجل في التنمية الصناعية المحلية. وما تقدمه الشركات لم يعد يقتصر على المعدات والقدرات الهندسية، بل يشمل معايير الإنتاج، والخبرات التقنية، وأنظمة الإدارة، وآليات تأهيل الكوادر.
بطبيعة الحال، التعمق في السوق لا يعني تجاهل المخاطر. فأسعار الصرف، والتمويل، والأمن الإقليمي، وتغيرات سلاسل التوريد العالمية، ما زالت تؤثر على أعمال الشركات. وقرار الاستمرار في الاستثمار يبقى رهناً بالعوائد المتوقعة، وقدرة إدارة المخاطر، وآفاق السوق. ولكن بالنظر إلى تزايد عدد الشركات التي تختار إنشاء المصانع، والشراء المحلي، وتدريب الكوادر، والتوسع في التصدير، فإن حكمها على مصر لم يعد مرتبطاً بعائد مشروع واحد، بل بالقيمة الطويلة الأجل للتموقع الصناعي الإقليمي.
لذا، فإن قياس نجاح المرحلة المقبلة من التعاون المصري-الصيني لا ينبغي أن يقتصر على عدد المشاريع الجديدة أو المعالم التي تم تدشينها، بل يجب أن يرصد مدى ترسخ التكنولوجيا والكفاءات وسلاسل التوريد في السوق المصرية، ومدى قدرة مصر على أن تتحول حقاً إلى قاعدة إنتاجية إقليمية تستهدف أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
إن تعميق الشركات الصينية حضورها في مصر ليس تجاهلاً للمخاطر الآنية، بل خيارٌ استراتيجي للقيمة الصناعية الطويلة الأجل. وعندما تمتد آفاق التعاون من مشاريع فردية إلى سلاسل إنتاج متشابكة، فإن دور الشركات الصينية في مصر يتجاوز مقاولات المشاريع ليصبح شريكاً دائماً في مسيرة التصنيع والتحول الاقتصادي المصري. وحين تمضي هاتان الحضارتان العريقتان جنباً إلى جنب، فإن المحطة القادمة من التعاون المصري-الصيني تستحق منا كل الترقب والانتظار.
- سونغ آن تشي – إعلامية صينية – الصين .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.