
حين يحترق الثائر ولا يرى أحد النور ، بقلم : وفاء درباس
“الثائر من أجل مجتمع جاهل كمن أشعل النار في جسده ليضيء الطريق لرجل أعمى.”
منذ أن قرأت هذه الجملة، بقيت عالقة في رأسي. ربما لأنها تشبه كثيرًا ما نعيشه. وتشبه أكثر أولئك الذين اختاروا ألا يصمتوا. أولئك الذين قرروا أن يقولوا ما لا يريد الآخرون سماعه. ثم وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن ذلك.
الثائر ليس بالضرورة شخصًا يقف في مقدمة مظاهرة. وليس بالضرورة من يرفع صوته أو يحمل شعارًا.
أحيانًا يكون الثائر شخصًا عاديًا جدًا. يعيش حياته مثل الآخرين. لكنه في لحظة ما يقرر أن يقول: “هذا ليس صحيحًا”.
قد تبدو الجملة بسيطة. لكنها ليست كذلك.
أن تقول إن الظلم ظلم في مجتمع اعتاد عليه، فأنت تفتح بابًا لا يريد كثيرون فتحه.
أن تقول إن المرأة لها حق في مجتمع يريدها أن تصمت.
أن تقول إن الفقير يستحق حياة كريمة، بينما يقال له إن فقره قدر.
أن تقول إن أبناءنا يستحقون مستقبلًا أفضل، بينما يردد الجميع: “هكذا كانت الأمور دائمًا”.
المشكلة أن المجتمعات لا تقاوم التغيير دائمًا لأنها لا تعرف الحقيقة. أحيانًا تقاومها لأنها اعتادت على الخطأ.
فالجهل ليس فقط أن لا تعرف.
الجهل قد يكون أن تعرف الحقيقة، ثم ترفضها.
أن ترى الظلم، لكنك تختار الصمت.
أن تعرف أن هناك مشكلة، لكنك تخاف من كلفة مواجهتها.
ومع الوقت، يصبح الاعتياد أقوى من الحقيقة.
يصبح ما نعرفه، حتى لو كان مؤلمًا، أكثر راحة مما لا نعرفه.
وهنا يبدأ الصراع الحقيقي.
صراع بين من يقول “هذا هو الواقع”، ومن يقول “يمكن أن يكون الواقع مختلفًا”.
لكن ماذا يحدث للإنسان الذي يختار الطريق الثاني؟
غالبًا يدفع الثمن.
قد يخسر أصدقاء.
قد يبتعد عنه أقرب الناس.
قد يتعرض للسخرية.
وقد يسمع عبارات مثل: لماذا تتعب نفسك؟ ماذا ستغير؟ اترك الأمور كما هي.
ومع الوقت، يبدأ التعب.
يعمل الإنسان. يتحدث. يكتب. يحاول. يطرق الأبواب. ثم يعود إلى بيته ويسأل نفسه: هل كان كل هذا يستحق؟
أعتقد أن هذا السؤال يزور كثيرًا من الذين يعملون من أجل الناس.
والأصعب أنهم لا يرون دائمًا نتيجة ما يفعلون.
قد تقضي سنوات وأنت تدافع عن فكرة، ثم لا ترى أثرها.
قد تتحدث عن قضية لا يهتم بها أحد اليوم، ثم تصبح بعد سنوات قضية عامة.
وقد لا يتذكر أحد أنك كنت من أوائل الذين تحدثوا عنها.
وهنا يجب أن نفهم شيئًا مهمًا.
التغيير لا يحدث دائمًا أمام أعيننا.
أحيانًا تكون الكلمة التي قلتها اليوم قد بقيت في رأس شخص آخر.
وربما الموقف الذي ظننته عابرًا علّم شخصًا أن يقول “لا” في الوقت المناسب.
وربما المرأة التي شجعتها على الكلام، ستصبح يومًا قادرة على تشجيع عشر نساء غيرها.
نحن لا نعرف دائمًا أين تذهب آثار أفعالنا.
لكن هذا لا يعني أن علينا أن نحرق أنفسنا بالكامل.
وهنا أختلف قليلًا مع صورة الثائر الذي يشعل النار في جسده كي يضيء الطريق.
التضحية مهمة. لكن إحراق الذات ليس بطولة دائمًا.
قد تعطي قضيتك وقتك. وقد تعطيها جهدك. وقد تدفع من راحتك وعلاقاتك وعمرك.
لكن إذا خسرت نفسك بالكامل، فقد تخسر قدرتك على الاستمرار.
النضال الطويل يحتاج إلى نفس طويل.
يحتاج إلى وعي.
ويحتاج إلى تنظيم.
ويحتاج إلى أشخاص آخرين يحملون الفكرة معك.
لا يمكن لشخص واحد أن يغير مجتمعًا بأكمله.
ولا يمكن لشخص واحد أن يظل يصرخ إلى الأبد.
لهذا، فإن التغيير الحقيقي لا يكون فقط في إضاءة الطريق للآخرين، بل في مساعدتهم على فتح أعينهم.
أن يتعلم الإنسان كيف يسأل.
كيف يفكر.
كيف يختلف.
كيف يرفض الظلم.
وكيف يدافع عن حقه دون أن ينتظر شخصًا آخر ليتحدث باسمه.
وهذا ربما أصعب أنواع النضال.
أن تعمل في مكان لا يقدر ما تفعله.
أن ترى المشكلات ولا تستطيع تجاهلها.
أن تحمل قضية أكبر من قدرتك.
ثم تستيقظ في اليوم التالي وتبدأ من جديد.
ليس لأنك متأكد من أنك ستنتصر.
بل لأنك تؤمن أن هناك شيئًا يستحق المحاولة.
الثائر الحقيقي لا يبحث دائمًا عن أن يذكر اسمه.
ربما لا يريد تمثالًا.
ولا يريد تصفيقًا.
ولا يريد أن يصبح بطلًا في رواية الآخرين.
كل ما يريده أحيانًا أن يأتي يوم لا يحتاج فيه الناس إلى من يصرخ من أجل حقوقهم.
أن يصبح الإنسان قادرًا على الدفاع عن نفسه.
أن تعرف المرأة قيمة صوتها.
أن يعرف الفقير أن كرامته ليست منّة من أحد.
أن يتعلم الطفل أن السؤال ليس عيبًا.
وأن يفهم الناس أن الاختلاف لا يعني العداوة.
هنا فقط يبدأ التغيير الحقيقي.
لأنني لا أريد أن أحترق كي يرى الآخرون.
لا أريد أن أظل طوال حياتي أضيء طريقًا لا ينظر إليه أحد.
أريد شيئًا أكبر.
أريد أن أزرع في الإنسان عينًا ترى.
وعقلًا يسأل.
وقلبًا لا يتصالح مع الظلم.
أريد أن يصبح النور ملكًا للجميع.
فالثورة الحقيقية ليست أن نحرق أنفسنا من أجل أن يرى الآخرون.
الثورة الحقيقية أن نصنع جيلًا يعرف كيف يرى بنفسه.
جيلًا لا يحتاج إلى من يريه الطريق.
جيلًا يستطيع أن يصنع الطريق، ويمشي فيه، ويترك لمن يأتي بعده نورًا لا ينطفئ.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.