1:29 مساءً / 6 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

إليك الآن ما أعرفه عن المعلقات ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

إليك الآن ما أعرفه عن المعلقات ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

حين تُذكر المعلقات، فإننا لا نتحدث عن قصائد قديمة فحسب، ولا عن نصوص أدبية بقيت في كتب التراث؛ فنحن أمام نماذج كبرى من الشعر العربي القديم، حفظت لنا جانبًا واسعًا من اللغة والتصوير والحياة والقيم التي عرفها العرب قبل الإسلام.

وتأتي هذه القراءة من صلة طويلة بالمعلقات العشر الطوال، حفظًا وقراءةً وتأملًا. فالحفظ لا يجعل النص حاضرًا في الذاكرة فحسب، بل يتيح الوقوف عند تفاصيله الدقيقة، وربط أجزائه بعضها ببعض، واكتشاف ما قد لا يظهر في القراءة العابرة.

وهذه المعلقات التي أحدثكم عنها أحفظها روايةً وأعرفها درايةً؛ ولذلك كلما عدت إليها وجدت فيها شيئًا جديدًا يستحق التأمل.

في أبياتها تظهر حياة كاملة: الخيل والإبل، والصيد والرحلة، والمرأة والزينة، والمطر والليل والديار، والحرب والسلم، والقبيلة والكرم، والطعام والشراب، والأماكن والجبال والأودية، فضلًا عن الحكم والتأمل في الموت والدهر.

ومن هنا جاءت فكرة هذه المقالة، ثم فكرة سلسلة «مِمَّا كان يعرفه العرب»؛ للنظر في المعلقات لا باعتبارها قصائد محفوظة في كتب الأدب فحسب، وإنما بوصفها نصوصًا يمكن أن تكشف لنا شيئًا من معرفة العربي القديم بالأشياء من حوله، وطريقته في رؤيتها ووصفها وتسميتها.

فالمعلقة ليست مجرد قصيدة طويلة تُحفظ في المدارس، ولا مجرد نص شعري يُستشهد به على فصاحة العربية؛ إنها سجل أدبي غني، يحتاج إلى قراءة دقيقة حتى نكتشف ما تختزنه أبياتها من أسماء الأشياء وصفاتها ووظائفها وعلاقاتها، وتصور لنا حياة العرب وتصرفاتهم تصويرًا حيًّا، حتى كأننا نعيش بينهم، ونرى تفاصيل حياتهم، ونلمس جوانب من حضارتهم وثقافتهم.

ما المعلقات؟
المعلقات من أشهر ما وصل إلينا من الشعر العربي القديم، وهي مجموعة من القصائد الطوال التي بلغت منزلة رفيعة في الشعر العربي، وظلت حاضرة في كتب الأدب واللغة والنقد والشروح منذ عصور مبكرة.

وقد اختلف العلماء في سبب تسميتها بالمعلقات؛ فقيل إنما سميت بذلك لنفاستها وعلو منزلتها، وقيل إنها كانت تُكتب وتُعلّق، وهذا القول مشهور في كتب الأدب، إلا أن مسألة تعليقها حقيقةً على الكعبة ليست أمرًا تاريخيًا ثابتًا على وجه القطع.

وقيل إنها سُمّيت بالمعلقات لأنها علقت في قلوب العرب، فأحبوها وتناقلوها وحفظوها، لما رأوا فيها من جزالة اللفظ، وجمال التصوير، وقوة المعنى.

وليس المقصود بالمعلقات قصائد متشابهة في موضوعاتها أو أساليبها؛ فلكل شاعر منها شخصيته وتجربته وطريقته في التعبير. وإنما يجمع بينها ما بلغته من قوة شعرية، وما حفظته لنا من اللغة والتصوير، وما تكشفه أبياتها من جوانب مختلفة من حياة العرب في العصر الجاهلي.

والمقصود هنا تحديدًا المعلقات العشر الطوال، لا الاقتصار على المعلقات السبع المشهورة في بعض كتب التراث.

أصحاب المعلقات العشر

  1. امرؤ القيس
    مطلعها:

قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخولِ فحَومَلِ

البحر: الطويل
القافية: اللام
عدد الأبيات: ٨٢ بيتًا.

  1. طرفة بن العبد
    مطلعها:

لِخَولةَ أطلالٌ ببُرقةِ ثَهمَدِ
تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ

البحر: الطويل
القافية: الدال
عدد الأبيات: ١٠٤ أبيات.

  1. زهير بن أبي سلمى
    مطلعها:

أمِن أمِّ أَوفى دِمنةٌ لم تكلَّمِ
بحَومانةِ الدُّرّاجِ فالمُتَثَلَّمِ

البحر: الطويل
القافية: الميم
عدد الأبيات: ٥٨ بيتًا.

  1. لبيد بن ربيعة
    مطلعها:

عَفَتِ الديارُ محلُّها فمُقامُها
بِمِنىً تأبَّدَ غَولُها فرِجامُها

البحر: الكامل
القافية: الميم
عدد الأبيات: ٨٨ بيتًا.

  1. عمرو بن كلثوم
    مطلعها:

ألا هُبّي بصحنِكِ فاصبحينا
ولا تُبقي خُمورَ الأندرينا

البحر: الوافر
القافية: النون
عدد الأبيات: ١٠٣ أبيات.

  1. عنترة بن شداد
    مطلعها:

هل غادرَ الشعراءُ من متردَّمِ
أم هل عرفتَ الدارَ بعدَ توهُّمِ

البحر: الكامل
القافية: الميم
عدد الأبيات: ٨٤ بيتًا.

  1. الحارث بن حلزة
    مطلعها:

آذنتنا ببينِها أسماءُ
رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثواءُ

البحر: الخفيف
القافية: الهمزة
عدد الأبيات: ٨٢ بيتًا.

  1. الأعشى
    مطلعها:

وَدِّعْ هُريرةَ إنَّ الركبَ مرتحلُ
وهل تُطيقُ وداعًا أيها الرجلُ

البحر: البسيط
القافية: اللام
عدد الأبيات: ٦٦ بيتًا.

  1. النابغة الذبياني
    مطلعها:

يا دارَ مَيَّةَ بالعلياءِ فالسَّنَدِ
أقوَتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ

البحر: البسيط
القافية: الدال
عدد الأبيات: ٤٩ بيتًا.

  1. عبيد بن الأبرص
    مطلعها:

أقفرَ من أهلِهِ ملحوبُ
فالقطبيّاتُ فالذَّنوبُ

البحر: مُخَلَّع البسيط
القافية: الباء
عدد الأبيات: ٥١ بيتًا.

ومجموع أبيات المعلقات العشر، وفق هذا العد، هو ٧٦٧ بيتًا.

البحور الخليلية
توزعت المعلقات على عدد من البحور الشعرية، وهو ما يكشف عن التنوع الموسيقي والإيقاعي في الشعر الجاهلي.

ومن البحور التي جاءت عليها المعلقات: الطويل، والكامل، والوافر، والخفيف، والبسيط، ومخلّع البسيط.

ومن المهم هنا الانتباه إلى أن مخلّع البسيط ليس مجرد تسمية أخرى للبسيط، وإنما هو صورة عروضية مخصوصة من البسيط، ولذلك ينبغي إثباته بدقة عند الحديث عن وزن القصيدة.

شروح المعلقات ومن اعتنى بها
حظيت المعلقات بعناية كبيرة من العلماء واللغويين والشراح والمحققين، منذ القرون الأولى، وكان من أبرز من اعتنى بها:

أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن الأنباري، المتوفى سنة ٣٢٨هـ، صاحب كتاب «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات».

وأبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، المتوفى سنة ٣٣٨هـ، وهو من العلماء الذين كانت لهم عناية بالشعر العربي القديم ولغته.

وأبو الحجاج يوسف بن سليمان الأعلم الشنتمري، المتوفى سنة ٤٧٦هـ، وله عناية كبيرة بشرح الشعر الجاهلي ونصوصه.

وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الزوزني، المتوفى سنة ٤٨٦هـ، صاحب «شرح المعلقات السبع».

وأبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، المتوفى سنة ٥٠٢هـ، صاحب «شرح القصائد العشر».

وفي العصر الحديث يأتي الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي، المتوفى سنة ١٣٣١هـ، صاحب «شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها».

كما عُني محمد علي طه الدرة بإعراب المعلقات العشر في كتابه «فتح الكبير المتعال إعراب المعلقات العشر الطوال».

كما لا يمكن إغفال جهود الأستاذ الدكتور السوري فخر الدين قباوة، وهو من المحققين والباحثين الذين عُرفوا بعنايتهم بالشعر العربي القديم، وبخاصة المعلقات. وله عناية بالمعلقات شرحًا وتحقيقًا، ومن أعماله تحقيق «شرح القصائد العشر» للخطيب التبريزي، كما عُرف بعنايته بنصوص المعلقات وضبطها ورواياتها، والإفادة من مصادر اللغة والأدب في توثيقها وبيان معانيها.

وفي الدراسات والتعليم المعاصر برز أيضًا الشيخ محمد محمود ولد أحمد الشيخ الشنقيطي الموريتاني، المولود سنة ١٩٧٧م في نواكشوط، ومؤسس أكاديمية الشنقيطي للدراسات الشرعية واللغوية، والذي سبق له التدريس في جامعة الإيمان باليمن، وله عناية بتعليم اللغة العربية والشعر والتراث، وتُعرف مادته التعليمية من خلال قناة الشيخ محمد محمود ولد أحمد الشيخ الشنقيطي على يوتيوب (chankititv).

لبيد بن ربيعة والإسلام
ومن الأمور المهمة في الحديث عن أصحاب المعلقات أن لبيد بن ربيعة هو الشاعر صاحب المعلقة من شعراء المعلقات العشر الذي أسلم، وعُدَّ من الصحابة رضي الله عنه.

ومن أشهر ما ورد عنه قول النبي ﷺ:

«أصدقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةُ لبيدٍ: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ».

وكادَ أُمَيَّةُ بنُ أبي الصَّلتِ أن يُسلِمَ.

رواه البخاري.

وهي من الأبيات التي تكشف كيف امتد شعر لبيد إلى ما بعد الجاهلية، وكيف بقي حاضرًا في الذاكرة الأدبية والإسلامية.

المعلقات في الدراسات الجامعية
ولم تقتصر العناية بالمعلقات على علماء العربية وكتب التراث، بل امتدت إلى الجامعات ومراكز الدراسات العربية والاستشراقية في أنحاء مختلفة من العالم.

وقد درست جامعات أوروبية وآسيوية الأدب العربي القديم، وتناولت المعلقات بالدرس والقراءة والتحليل والترجمة، كما عُني بها عدد كبير من المستشرقين والباحثين الغربيين، وترجمت قصائد منها إلى لغات أوروبية مختلفة.

ومن الجامعات التي عُرفت بدراسة الأدب العربي القديم والمعلقات: جامعة مومباي في الهند، وجامعة بولونيا في إيطاليا، وجامعة مالطا، وجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وجامعة لندن، ومدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS)، وجامعة لايدن في هولندا، وجامعة غرناطة في إسبانيا.وجامعات الولايات المتحدة الأمريكية.

من القصيدة إلى الحياة
لكن السؤال الذي يهمنا هنا ليس فقط: كيف نضبط المعلقة؟ ومن هو شاعرها؟ وعلى أي بحر جاءت؟

السؤال الأوسع هو:

ماذا كان يعرف العرب؟

فإذا قرأنا المعلقات قراءة متأنية، وجدنا أنها لا تقدم لنا شعرًا مجردًا، وإنما تقدم عالمًا كاملًا من الأشياء والأسماء والصفات والعلاقات والتجارب.

فيها الطلل والديار وآثار المنازل، وفيها المرأة والجمال والزينة، والخيل وصفاتها وأسماؤها، والإبل والناقة وأوصافها، والبقر الوحشي والظباء والمها، والصيد وأدواته وطرقه، والليل والنهار والزمان، والمطر والسحاب والبرق والرعد، والنبات والشجر والزهور، والألوان، والثياب واللباس وصباغته، والحلي والزينة، والسلاح وأدوات الحرب، والفرسان والفروسية، والقبيلة والنسب ومكانة الفرد، والحرب وأسبابها وآثارها، والسلم وإصلاح ذات البين، والكرم والضيافة والطعام، والخمر ومجالس الشراب وأدواتها، والسفر والرحلة ومراحل الطريق، والمساكن والخيام وأدواتها، والأماكن والمواضع والجبال والأودية، ثم الحكمة والموت والدهر وتقلب الحياة.

وهذه ليست عناوين نظرية نضيفها إلى القصائد من خارجها، وإنما هي موضوعات يمكن أن نصل إليها من خلال ألفاظ المعلقات وصورها وأوصافها ومشاهدها.

ومن هنا جاءتني فكرة أن أكتب سلسلةً علميةً بعنوان «مِمَّا كان يعرفه العرب»، في ثلاثةٍ وعشرين مقالًا على الأقل، أستقرئ فيها ما ورد في المعلقات العشر الطوال حصرًا، بحثًا عما تكشفه أبياتها من معارف العرب وأشيائهم وحياتهم.

ستتناول السلسلة ما يمكن استخراجه من هذه القصائد في مجالات متعددة: من الطلل والديار وآثار المنازل، إلى المرأة والجمال والزينة، والخيل وصفاتها وأسمائها، والإبل والناقة وأوصافها، والبقر الوحشي والظباء والمها، والصيد وأدواته وطرقه، والليل والنهار والزمان، والمطر والسحاب والبرق والرعد، والنبات والشجر والزهور، والألوان، والثياب واللباس وصباغته، والحلي والزينة، والسلاح وأدوات الحرب، والفرسان والفروسية، والقبيلة والنسب ومكانة الفرد، والحرب وأسبابها وآثارها، والسلم وإصلاح ذات البين، والكرم والضيافة والطعام، والخمر ومجالس الشراب وأدواتها، والسفر والرحلة ومراحل الطريق، والمساكن والخيام وأدواتها، والأماكن والمواضع والجبال والأودية، ثم الحكمة والموت والدهر وتقلب الحياة.

ما المنهج الذي ستقوم عليه السلسلة؟
سيكون الشعر نفسه هو المصدر الأول في هذه القراءة، ثم تأتي كتب اللغة وشروح الشعر والمراجع المتخصصة للتوثيق والتحقق وشرح ما يحتاج إلى شرح، لا لإدخال معلومات من خارج النص ثم نسبتها إلى المعلقات.

فالمشروع ليس بحثًا في «ما ينبغي أن يكون العرب قد عرفوه»، وإنما بحث في ما يظهر من المعلقات نفسها أنهم عرفوه ووصفوه وسمّوه.

وهذا فرق مهم.

فإذا وصف الشاعر فرسًا بصفة معينة، فالمطلوب أن نعرف ماذا تعني هذه الصفة في اللغة وفي واقع الخيل، ثم نتحقق منها بالمصادر المتخصصة. أما أن نأتي بمعلومة عن الخيل من كتاب حديث لا علاقة لها بما ورد في المعلقة، ثم نقول إن العرب كانوا يعرفونها لأن شاعرًا جاهليًا ذكر الخيل، فهذا ليس هو المنهج المقصود.

وإذا ذكر الشاعر نباتًا أو شجرة أو لونًا أو أداة أو نوعًا من الثياب أو السلاح، فالنص هو نقطة البداية، والمصادر تأتي بعده للتحقق والتوثيق والتفسير.

وبذلك لا تبقى المعلقة نصًا شعريًا يُقرأ لجماله وفصاحته وحدهما، بل تصبح أيضًا سجلًا أدبيًا غنيًا يمكن من خلاله، بحذر ومنهجية، أن نكشف جوانب من البيئة والمعرفة والعادات والتصورات التي كانت حاضرة في حياة العرب، وما تختزنه أبياتها من أسماء الأشياء وصفاتها ووظائفها وعلاقاتها، حتى تصور لنا حياة العرب وتصرفاتهم تصويرًا حيًّا، وكأننا نعيش بينهم، ونرى تفاصيل حياتهم، ونلمس جوانب من حضارتهم وثقافتهم.

ومن هنا تبدأ سلسلة «مِمَّا كان يعرفه العرب»؛ قراءة في المعلقات العشر الطوال، بحثًا عما حفظته لنا أبياتها من معارف العرب وأشيائهم وحياتهم.

نزار موسى أبو دهيم

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم الأحد 6 سبتمبر كالتالي :عيار 22 92.500 دينارعيار 21 …