
شفا – CGTN – في تعليقها على الفيلم الصيني «مرحبا بكم في مطعم التنين»، الذي حظي مؤخرا بإقبال واسع داخل الصين وفي عدد من الدول، أطلقت مجلة «الإيكونوميست» على الدبلوماسية الصينية وصف «دبلوماسية مطعم التنين».
وقد يبدو هذا التعبير للوهلة الأولى مجرد توصيف ساخر، لكنه في الحقيقة يكشف كثيرا عن الخلفية الفكرية لمن أطلقه، أكثر مما يعكس جوهر الدبلوماسية الصينية نفسها.
فانطلاقا من الموضوعات البسيطة التي يتناولها الفيلم، مثل «تناول الطعام جيدا وتربية الأطفال جيدا»، خلصت المجلة إلى أن السياسة الخارجية الصينية تحركها المصالح التجارية، وأنها تفتقر إلى ما يمكن وصفه بـ«العمق الأيديولوجي».
غير أن هذا الطرح يخلط بين البراغماتية والسطحية، ويساوي بين التنمية والنزعة التجارية، بل ويضع تطلعات الناس العاديين إلى حياة آمنة ومستقرة ومزدهرة في مواجهة القيم والمبادئ السياسية.
لكن السؤال الأهم الذي يطرحه فيلم «مرحبا بكم في مطعم التنين» ليس ما إذا كان الطعام قادرا على أن يحل محل الدبلوماسية، وإنما: ما معنى السلام والتنمية؟ ولأجل ماذا يكون التعاون الدولي؟ ومن هم المستفيدون النهائيون من هذا التعاون؟
وهذه، في الحقيقة، من أكثر الأسئلة جدارة بالطرح في عالم السياسة الدولية اليوم.
«تناول الطعام جيدا».. تعبير سياسي عميق
تدور أحداث فيلم «مرحبا بكم في مطعم التنين» حول طباخ صيني يعمل في دولة شرق أوسطية تعاني من وطأة الصراعات.
وتوجه قصة الفيلم اهتمامها إلى أشخاص عاديين يحاولون إبقاء المطعم مفتوحا والاستمرار في حياتهم اليومية رغم الظروف القاسية، بدلا من تقديم الأحداث من منظور الرؤساء أو الجنرالات أو الدبلوماسيين.
قد يبدو هذا الاختيار بسيطا من الناحية الفنية، لكنه يحمل دلالات سياسية عميقة.
فالفيلم يعود مرارا إلى فكرة «تناول الطعام جيدا»، وكأنه يذكرنا بأن الهدف النهائي للسياسة، مهما تعقدت مصطلحاتها الاستراتيجية، يجب أن يكون توفير بيئة اجتماعية تمكّن الناس العاديين من أن يعيشوا حياة طبيعية وآمنة وكريمة.
وهذا التمييز مهم للغاية، لأن السياسة الدولية الحديثة كثيرا ما تضع لغة القوة والمنافسة الاستراتيجية فوق احتياجات الإنسان اليومية ومعيشته.
ومن هنا، لم يعد المطعم في الفيلم مجرد مطعم، بل يتحول إلى استعارة لرؤية مختلفة للعلاقات الدولية.
فالعالم ليس مجرد رقعة شطرنج تتنافس فوقها الدول والقوى الكبرى، وإنما هو أيضا مائدة واسعة تجتمع حولها البشرية للتعاون في مواجهة التحديات المشتركة.
دبلوماسية «براغماتية».. ولكنها ليست بلا مبادئ
يكشف السياق العابر للثقافات في الفيلم عن سمة أخرى يمكن ملاحظتها في الدبلوماسية الصينية، وهي احترام الخصوصيات الثقافية والظروف الوطنية المختلفة.
فلا يستطيع الطباخ ببساطة أن ينقل وصفاته المألوفة كما هي إلى بيئة جديدة؛ إذ تختلف المكونات والأذواق والعادات من مجتمع إلى آخر. وفي كثير من الأحيان، لا ينجح الطبق إلا من خلال التكيف مع البيئة الجديدة، وليس من خلال فرض وصفة واحدة على الجميع.
وينطبق الأمر نفسه على العلاقات الدولية.
فالصين لم تطلب من الدول الأخرى أن تصبح نسخة منها، كما أنها لا ترى أن مسار التنمية الصيني يمكن نسخه بصورة حرفية في البلدان الأخرى.
وما تؤكد عليه الصين باستمرار هو أن لكل دولة الحق في اختيار مسار التنمية الذي يتناسب مع ظروفها الوطنية واحتياجات شعوبها.
وهنا تكمن إحدى النقاط الأساسية التي ربما يغفل عنها بعض المراقبين الغربيين: الاختلاف في النموذج لا يعني بالضرورة غياب المبادئ، كما أن البساطة في الخطاب لا تعني بالضرورة سطحية الرؤية.
هل العمق حكر على الخطاب الجيوسياسي؟
ليس الاعتراف الدولي بفيلم أو بفكرة مرهونًا بقدرته على الحصول على الجوائز أو الإشادة من مؤسسة هوليوودية بعينها.
كما أن القصة ذات المغزى الإنساني العالمي لا تصبح عالمية لمجرد أن مؤسسة غربية أعلنت أنها تجسد «قيما كونية».
وبالمثل، لا تصبح الفكرة عميقة تلقائيًا لمجرد التعبير عنها بمصطلحات جيوسياسية معقدة، ولا تصبح البراغماتية مرادفا لغياب المبادئ.
ومن هذا المنظور، فإن أهمية فيلم «مرحبا بكم في مطعم التنين» لا تقتصر على كونه عملا سينمائيا يحظى بشعبية، بل تتجاوز ذلك ليقدم نافذة ثقافية يمكن من خلالها فهم جانب من الرؤية الصينية للعلاقات الدولية، رؤية تضع السلام والتنمية والتعايش وتحسين حياة الناس العاديين في موقع أكثر أهمية على الأجندة الدولية.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس: «هل هذه دبلوماسية مطعم؟»، بل: هل نحن بحاجة إلى دبلوماسية تجعل العالم مكانا أكثر أمنا، وتعاونا، وازدهارا للناس العاديين؟
إذا كانت الإجابة نعم، فربما لا تكون البساطة سطحية كما تبدو، وربما يكون «تناول الطعام جيدا وتربية الأطفال جيدا» أعمق سياسيا مما قد يوحي به التعبير للوهلة الأولى.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.