5:25 مساءً / 4 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

حين تتحول اللعبة إلى خطر: هل الطائرة الورقية تهديد أمني أم تهديد بحياة أطفال غزة؟ ، بقلم : آية أحمد القهوجي

حين تتحول اللعبة إلى خطر: هل الطائرة الورقية تهديد أمني أم تهديد بحياة أطفال غزة؟ ، بقلم : آية أحمد القهوجي

لطالما ارتبطت الطائرة الورقية في ذاكرة الاطفال بالسماء واللعب، والحرية، وبذلك الشعور البسيط الذي يمنح الطفل مساحة للتحليق بخياله بعيداً عن ضغوط الحياة. كانت لعبة ترفيهية موسمية، يصنعها الأطفال بأيديهم، و يتسابقون في إطلاقها ومراقبتها وهي ترتفع في السماء.


لكن في غزة، حيث تغيرت تفاصيل الحياة اليومية تحت وطأة الحرب، لم تعد الأشياء تحتفظ دائماً بمعانيها الأولى. فالطائرة الورقية التي كانت يوماً رمزاً للمرح واللعب، أصبحت في بعض السياقات محاطة بالخوف والقلق، وأصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل أصبحت الطائرة الورقية مهدداً أمنياً، أم أن الخطر الحقيقي هو أن تتحول لعبة الأطفال نفسها إلى مصدر تهديد لحياتهم؟


عندما تتغير دلالات الأشياء من المنظور النفسي، لا يعيش الطفل الأشياء بمعزل عن السياق الذي تحيط به.فاللعبة، والشارع، والمدرسة، والسماء، وحتى الأصوات اليومية، يمكن أن تحمل معاني مختلفة عندما يعيش الطفل في بيئة تتكرر فيها الأحداث المهددة.
وهنا تظهر إحدى النتائج المهمة للتعرض المستمر للضغط والخوف: إعادة تشكيل معنى الأشياء في الوعي النفسي للطفل.
فالشيء الذي كان مرتبطاً بالفرح قد يصبح مرتبطاً بالخوف،والمكان الذي كان مساحة للعب قد يصبح مصدراً للحذر، والسماء التي كانت مجالاً للخيال قد تتحول إلى مساحة يراقبها الطفل بقلق.
وهذا التحول لا يعني أن الطفل فقد قدرته على اللعب، بل يعني أن بيئته أصبحت تعيد تعريف معنى اللعب بالنسبة إليه.


الطائرة الورقية بين الترفيه والخطر


الأطفال بطبيعتهم لا يمتلكون دائماً القدرة الكاملة على تقدير المخاطر أو التنبؤ بعواقب بعض السلوكيات، خصوصاً في المواقف التي تتداخل فيها المتعة مع الخطر.
لذلك فإن الحديث عن الطائرة الورقية لا ينبغي أن يتحول إلى وصم للعبة أو للأطفال الذين يمارسونها،بل إلى نقاش أوسع حول سلامة الأطفال في بيئة شديدة الخطورة.
فالمشكلة النفسية والأمنية لا تكمن بالضرورة في الطائرة الورقية باعتبارها لعبة، وإنما في السياق الذي تمارس فيه، وفي احتمالية اقتران اللعب بأماكن أو ظروف قد تعرض الطفل للخطر.


وهنا يصبح دور الكبار أساسياً في تقديم مفهوم السلامة بطريقة لا تسلب الطفل حقه في اللعب،ولا تجعل الخوف هو اللغة الوحيدة التي يفهم بها العالم .
ماذا يحدث نفسياً عندما يصبح اللعب مرتبطاً بالخوف؟
اللعب بالنسبة للطفل ليس مجرد وسيلة للترفيه؛ بل هو أحد أهم مساحات التعبير والتعلم والتنظيم الانفعالي.
ومن خلال اللعب، يستطيع الطفل تفريغ بعض مشاعره،وبناء علاقاته، واستعادة شيء من الإحساس بالسيطرة والاستقلالية.


لكن عندما تتكرر الخبرات المهددة، قد يبدأ الطفل بربط بعض الأنشطة الممتعة باحتمالية الخطر. وقد يظهر ذلك في صورة زيادة الحذر ، او القلق،او تجنب بعض الأماكن والأنشطة، أو الانشغال المستمر باحتمالية حدوث شيء سيء.
ومن هنا تظهر أهمية عدم التعامل مع مخاوف الأطفال باعتبارها “مبالغة” أو “دلالاً”، بل فهمها باعتبارها استجابة طبيعية لطفل يعيش في بيئة غير طبيعية.
بين الحماية وعدم صناعة الخوف.


الحماية النفسية للأطفال لا تعني منعهم من كل شيء، كما أنها لا تعني تركهم يواجهون المخاطر وحدهم.
التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن بين حق الطفل في اللعب وحقه في الأمان.
فعندما نمنع الطفل من كل نشاط بدافع الخوف، قد نساهم دون قصد في توسيع دائرة القلق لديه، وعندما تتجاهل المخاطر تماماً، نعرضه لأذى يمكن الوقاية منه.
لذلك يجب ان تكون الرسالة الموجهة للأطفال بسيطة وواضحة:


” اللعب حقك، لكن سلامتك أهم”.
وهذه الرسالة أكثر فاعلية من التخويف أو التهديد؛ لأنها تساعد الطفل على فهم الخطر دون أن تجعله يعيش في حالة خوف دائم.
الطائرة الورقية كمرآة لواقع الأطفال
ربما لا تكمن القصة الحقيقية في الطائرة الورقية نفسها، بل في السؤال الذي تطرحه.
كيف يمكن للعبة بسيطة أن تنتقل من كونها رمزاً للفرح إلى شيء يثير القلق؟


الإجابة تكمن في البيئة المحيطة بالطفل.
فالطفل لا يحتاج فقط ألعاب جديدة؛ يحتاج إلى بيئة آمنة يستطيع فيها أن يمارس طفولته دون ان يصبح التفكير بالخطر جزءًا من كل لحظة لعب.
وفي غزة ،يصبح هذا الأمر أكثر أهمية؛ لأن استعادة الطفولة ليست رفاهية نفسية، بل جزء من عملية التعافي والمرونة النفسية.
من منظور الدعم النفسي: لا نقتل اللعبة، بل نحمي الطفل


المطلوب ليس أن نضع الطائرة الورقية في خانة”الخطر” و ننتهي، بل أن نفكر في كيفية توفير بدائل آمنة ومساحات مناسبة للعب، مع توعية الأطفال بمبادئ السلامة بطريقة تتناسب مع أعمارهم وقدراتهم الإدراكية.
فالهدف من التدخلات النفسية في سياقات الطؤارى ليس إلغاء الخوف تماماً؛ فالخوف في بعض المواقف استجابة حماية طبيعية، وإنما مساعدة الطفل على تمييز الخطر الحقيقي، وفهمه، والتعامل معه دون أن يتحول الخوف إلى حالة دائمة تسرق منه طفولته


وفي النهاية…


ربما السؤال الأعمق ليس:
“هل الطائرة الورقية مهدد أمني؟”
بل
“كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الطفل بحاجة إلى أن يفكر في الخطر قبل أن يفكر في اللعب؟”
فالطائرة الورقية في أصلها ليست سوى لعبة؛ قطعة بسيطة من الورق والخيط تحمل أحلام طفل يريد ان يرى شيئاً يرتفع في السماء.
لكن عندما تصبح الطفولة نفسها محاصرة بالخوف، فإن حماية الطفل لا تكون فقط بإبعاده عن الخطر، وإنما أيضاً بحماية حقه في أن يضحك، ويلعب، ويحلم، ويشعر بأن السماء مساحة للحرية وليست مصدراً آخر للقلق.
لأن أخطر ما يمكن أن نخسره في زمن الحرب ليس لعبةً في يد طفل، بل الإحساس الذي يجعل الطفل طفلاً:الأمان.


آية أحمد محمود القهوجي
فلسطين -غزة 2026

شاهد أيضاً

نشرة أخبار اقتصادية صينية

نشرة أخبار اقتصادية صينية

نشرة أخبار اقتصادية صينيةنقلاً عن شينخوا الصين تكشف عن خطة خمسية لتعزيز تطوير الشركات الصغيرة …