3:09 مساءً / 4 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

عناقيد غرام وشتاء الأربعين.. حوار النبض والقيادة في رحاب مؤسسة رشيد الثقافية

عناقيد غرام وشتاء الأربعين.. حوار النبض والقيادة في رحاب مؤسسة رشيد الثقافية

شفا – عناقيد غرام وشتاء الأربعين.. حوار النبض والقيادة في رحاب مؤسسة رشيد الثقافية

  • حوار :عطا درغام – من قلب حلب الشهباء، حيث يمتزج عبق التاريخ بنغمات الأصالة، ولدت تفعيلة أدبية متفردة صاغتها يد الأيام بحرص وأناة. هي شاعرة لم تكتفِ بتطويع الحرف وبناء القصيدة، بل جعلت من فكرها منارةً ومؤسسة ترعى إرث الحاضر والمستقبل. الدكتورة ذكاء رشيد، رئيسة مؤسسة رشيد الثقافية، والشاعرة التي حيكت عواطفها بين صرامة القواعد اللغوية الأكاديمية وعفوية الوجدان الإنساني الثائر، تفتح لـ “المحاور عطا درغام” خزائن بوحها في هذا اللقاء الاستثنائي عبر برنامج “البرومو في رحاب مؤسسة رشيد الثقافية”
    بين “شتاء الأربعين” الذي أزهرت فيه حروفها، ومجلة المؤسسة التي تحدت الصعاب لتبلغ عددها التاسع والستين، نبحر معها في رحلة ممتدة عبر تسعة محاور فلسفية تلامس الهوية والأوزان، وتستشرف مستقبل القصيدة النسائية في عصر الذكاء الاصطناعي والميديا السريعة. حوارٌ لا يبحث في الحرف فحسب، بل يفتش عن الروح المخبأة بين ثنايا “عناقيد الغرام”.
    المحور الأول: الهوية الأدبية والقصيدة (النشأة والبدايات)
    ​ما الذي يعنيه “شتاء الأربعين” في مسيرتك الإبداعية والشخصية؟
    ​”شتاء الأربعين” ليس مجرد عتبة عمرية، بل هو المخاض الأخير الذي ينضج فيه الوعي وتصفى فيه رؤى الحياة. إنه الفصل الذي تتناثر فيه أوراق الوهم ليبقى الجوهر وحده؛ حيث يمتزج صقيع التجربة بدفء اليقين، وتتحول الحروف المبعثرة إلى لؤلؤ منتظم في عقد الإبداع.
    ​كيف أسهمت نشأتك في محافظة حلب، المعروفة بعراقتها الفنية والأدبية، في تشكيل وعيك الشعري الأول؟
    ​حلب ليست مجرد مدينة، بل هي متحف حي للذاكرة والمقام والنغم. ترعرعت بين حجارها الناطقة بالتاريخ، ومآذنها التي تتلو ألحان الأزل، وحلقات الطرب الأصيل. هذا الفضاء المشبع بالجمال منح أذني إيقاعاً داخلياً خفياً، وجعل الحرف عندي ينبض بالموسيقى قبل أن يرتدي ثوب المعنى.
    ​من هم الشعراء أو الأدباء الذين تجدين أصداء أرواحهم في سطورك وعناقيد غرامك المنظومة؟
    ​تسكنني أصوات كثيرة تشبهني في وجدها وعشقها؛ فأجد شيئاً من روح نزار قباني في جرأة البوح ورقة الأنثى، ومسحة من شوق المتنبي وعزته، إضافة إلى نفحات الصوفية العميقة التي تتردد بين حنايا الحلاج وابن الفارض. كل عظيم كتب للروح والجمال ترك في روحي وميضاً.
    ​لماذا اخترتِ الوميض الشعري والدواوين لتكون ملاذك التعبيري؟
    ​لأن الشعر هو اللغة الوحيدة القادرة على اختصار المسافات بين نبض القلب وسطور الورق. النثر يفسر ويشرح، أما الشعر فيومض كالبرق، يضيء عتمة الروح في ومضة واحدة، وهو الملاذ الذي أستطيع من خلاله أن أختزل عوالم كاملة من الشجن والعشق في بيت واحد.
    ​كيف تصفين اللحظة التي تتحول فيها المشاعر الإنسانية المبعثرة إلى قصيدة متماسكة تنبض بالحياة؟
    ​إنها أشبه بلحظة ولادة دقيقة؛ تبدأ برعشة خفية في الوجدان، تليها غيمة من الشجن تحجب ما سواها. وحين تتقاطع الكلمات مع الإيقاع المناسب، يلتئم الشمل وينتظم العقد، لتولد القصيدة ككائن حي يتنفس وينبض بالدفء والحرارة.
    ​هل ترين أن الدراسة الأكاديمية للغة العربية تمنح الشاعر أدوات أقوى، أم أنها قد تقيد أحياناً عفوية المشاعر؟
    ​الدراسة الأكاديمية هي بمثابة السور الحصين الذي يحمي بستان الشعر من العشوائية. هي لا تقيد العفوية لمن يمتلك الموهبة الحقيقية، بل تمنحه الفرشاة الأدق والألوان الأصفى، لتخرج العاطفة العفوية في قوالب محكمة تتحدى الزمن.
    ​كيف توازنين بين صرامة القواعد اللغوية وبين تحرر العاطفة الشعرية؟
    ​الميزان يكمن في العشق والانقياد ؛ فعندما يشتعل الوجدان بصدق العاطفة، تنقاد القواعد طائعة لا مكرهة لخدمة المعنى. القواعد عندي ليست قيوداً في معصم الحرف، بل هي خطوات رقصة متزنة ومدروسة على حافة الجمال.
    المحور الثاني: القيادة الثقافية (مؤسسة رشيد الثقافية)
    ​8. ما هي الرؤية الأساسية التي انطلقتِ منها لتأسيس “مؤسسة رشيد الثقافية”؟
    ​وُلدت “مؤسسة رشيد الثقافية” لتكون جسراً حضارياً، وهي نتاج شراكة أدبية وفكرية عميقة بيني وبين الأديب الباحث الأستاذ أحمد الرشيدي؛ حيث نسجنا رؤيتنا من إيمان مشترك بأن الثقافة هي ملاذ الإنسان الأول. المؤسسة اليوم منارة تحتضن الأقلام الجادة، وتضع على عاتقها مسؤولية دعم الأدب والأدباء العرب كافة من المحيط إلى الخليج، إيماناً منا بأن الكلمة الصادقة لا تعرف الحدود، وأن الفكر العربي واحد في جوهره ورسالته.
    ​9. وصول مجلة المؤسسة إلى العدد 71 يعد إنجازاً كبيراً؛ ما هي أبرز الصعوبات التي واجهتكِ للحفاظ على استمرارية هذا العطاء الأدبي؟
    ​الحمد لله بفضله ومنته بلغنا العدد الواحد والسبعين من أعداد مجلة مؤسسة رشيد. لقد كانت رحلة زاخرة بالتحديات، بدءاً من الحفاظ على الرصانة الأدبية في زمن الميديا السريعة، وصولاً إلى تأمين الاستمرارية في ظل ظروف عالمنا العربي الصعبة. لكن الالتزام بالرسالة، والعمل الدؤوب في شراكتي مع الأستاذ أحمد الرشيدي، كانا الدرع الذي حمانا، والإصرار على تقديم محتوى نوعي هو ما جعلنا نستمر ونكبر بهذا العطاء.
    ​10. هل تهدف المؤسسة إلى توثيق الأدب العربي أم أنها تسعى لمد جسور عربية أوسع؟
    ​المؤسسة تتبنى الأدب العربي بكل أطيافه وامتداداته؛ فنحن نحتفي بالإبداع كجزء أصيل من المشهد الثقافي، ونفتح آفاقنا لكل صوت متميز في وطننا الكبير. ولعل خير دليل على ذلك أن المؤسسة قامت بإصدار أربعة دواوين شعرية مشتركة لعدة مؤلفين من الوطن العربي، بالإضافة إلى إصدار عدة دواوين فردية لشعراء من الوطن العربي ومنهم ديواني الفردي ترنيمة عشق
    مما جعلنا ملتقى لكل صوت عربي أصيل يسعى لترك بصمته في عالم الأدب.
    ​11. كيف استطعتِ التوفيق بين مسؤولياتك الإدارية كرئيسة مؤسسة، وبين تفرغك الذاتي كشاعرة تحتاج إلى العزلة؟
    ​إنه توازن صعب يشبه المشي على حبل دقيق. الإدارة تتطلب صرامة وحضوراً واشتباكاً يومياً مع الواقع، بينما الشعر يحتاج إلى عزلة وشفافية وانكفاء على الذات. وقد تعلمت أن أقتطع من ساعات الليل الهادئة مساحات مقدسة لروحي وشعري، حيث لا صوت يعلو فوق صوت عناقيد الأبجدية.
    المحور الثالث: محتوى الفضاء الرقمي والثقافة
    ​كيف تضمنين جذب جيل الشباب إلى نصوصك الشعرية العميقة في عصر الميديا السريعة؟
    ​أؤمن أن الشباب اليوم لم يفقدوا تذوق الجمال، بل يبحثون عن الصدق الذي يخاطب أرواحهم بلغة قريبة منهم. أحاول أن أقدم النص بعمق معاصر، وأن أستثمر الفضاء الرقمي بنافذة ذكية تعرض الوميض الشعري بصورة بصرية وصوتية تجذب العين والأذن معاً.
    ​كيف تتعاملين مع التغذية الراجعة والتعليقات المباشرة من جمهورك الرقمي؟
    ​أتلقى آراء الجمهور بمحبة بالغة واهتمام صادق. التفاعل المباشر يمنحني مرآة حية تعكس أثر الكلمة في المتلقي، وبعض التعليقات العميقة قد تضيء لي زوايا جديدة لم ألتفت إليها أثناء الكتابة، فالجمهور شريك حقيقي في رحلة الإبداع.
    ​ما هي رؤيتك لتوظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في أرشفة الإرث الثقافي لمؤسستك؟
    ​التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هما سفينة نوح العصرية لحفظ التراث والأدب من التلف والضياع. رؤيتي ترتكز على بناء أرشيف رقمي ذكي لمؤسسة رشيد، يسهل الوصول إلى كل عدد وكل نص، ويحفظ ذاكرة الثقافة السورية والعربية للأجيال القادمة بأعلى معايير الدقة والسرعة
    المحور الرابع: فلسفة الغرام والمستقبل
    ​كيف ترين مستقبل الحركة الشعرية النسائية في العالم العربي خلال السنوات القادمة؟
    ​أرى مستقبلاً مشرقاً ومفعماً بالجرأة والعمق. المرأة العربية اليوم لم تعد تكتب على استحياء، بل تخطو بثبات وتكتب بوعي استثنائي يجمع بين جمال البلاغة وصلابة الفكر. الشعر النسائي القادم يفرض نفسه بقوة كصوت فاعل ومؤثر في تشكيل الوجدان الإنساني
    المحور الخامس: الصور الشعرية والبلاغة
    ​متى تعتمدين على الرمزية، ومتى تفضلين الوضوح والمواجهة المباشرة مع القارئ؟
    ​ألجأ إلى الرمزية عندما تكون المشاعر أعمق وأعقد من أن تحتملها الكلمات المباشرة، وحين أريد للقارئ أن يغوص معي في طبقات المعنى وتأويلاته. أما الوضوح والمواجهة، فأختارهما حين يبلغ الشوق أو الوجج ذروته، بحيث يصبح البوح جرحاً ناطقاً لا يحتاج إلى رتوش أو أقنعة
    المحور السادس: الموسيقى الشعرية، الأوزان، والقوافي
    ​هل تفضلين البحور الخليلية التقليدية أم تجدين مساحتك في شعر التفعيلة؟
    ​البحور الخليلية هي الأصالة المتجذرة في روحي، وهي الجسر الأبدي بين الماضي والحاضر؛ غير أنني أجد لنفسي مساحة رحبة وخصبة في شعر التفعيلة عندما تتطلب الحالة الشعورية تدفقاً حراً لا تحده الصارمة الإيقاعية المطلقة. لكل مقام مقال، ولكل نبضة إيقاعها الذي يناسبها.
    ​ما هو البحر الشعري الأقرب لقلب الدكتورة ذكاء؟
    ​يستهوي قلبي دائماً ببحر الكامل، فهو بحر فسيح ومرن يتسع لفيض العواطف، ويتدفق بتلقائية مذهلة عندما أعصر “عناقيد الغرام”. إيقاعه يشبه دقات قلب محب، يجمع بين الرقة والقوة في آن واحد.
    ​كيف تختارين قوافي قصائدك؟
    ​القافية الحقيقية تفرض نفسها كامتداد طبيعي لنبض الفكرة. لا أحب القافية المفتعلة أو المتكلفة، بل أسعى دائماً لأن تكون الكلمة الأخيرة في البيت هي الخاتمة الحتمية التي تستقر بها روح القارئ والقصيدة معاً
    المحور السابع: مضامين الشعر (الغرام، الشتاء، والوجدان)
    ​كيف تغيرت مضامين شعركِ من بداياتكِ الأكاديمية إلى مرحلة النضج الشعري الحالية؟
    ​في البدايات، كان الشعر طقساً جمالياً للاحتفاء باللغة والقواعد والصور الفخمة. أما اليوم، في مرحلة النضج، فقد تحول الشعر إلى خلاصة تجربة وجودية؛ غدا أكثر صدقاً، وأقل تكلفاً، وأكثر ارتباطاً بأوجاع الروح وأسرار الغرام الحقيقي.
    ​هل ينعكس وجع الواقع والغربة في قصائدكِ العاطفية؟
    ​بالتأكيد، فالإنسان ابن بيئته وظروفه. وجع الواقع والغربة يتدخلان خفية بين ثنايا الكلمات العاطفية، ليحوّلا قصائد الغرام من مجرد وجد ذاتي إلى ملحمة إنسانية تتسع لجراح الوطن والكون بأسره
    المحور الثامن: أسلوب الإلقاء الشعري والأداء الصوتي
    ​هل كتبتِ يوماً قصيدة بنية أن تكون ملقاة ومسموعة، واختلف بناؤها عن القصيدة المقروءة؟
    ​نعم، القصيدة الموجهة للإلقاء تُبنى بإيقاع داخلي أعلى، وجمل شعرية قصيرة ومكثفة تخاطب أذن السامع مباشرة وتخلق معه تفاعلاً لحظياً، بينما القصيدة المقروءة تترك مساحات أوسع لتأمل الهوامش والعمق البصري للنص
    المحور التاسع: النقد الأدبي لشعركِ ومستقبل دواوينكِ
    ​كيف تمارسين النقد الذاتي على قصائدكِ قبل نشرها للعلن؟
    ​أقف أمام نصي كأشد الخصوم قسوة. أستبعد كل بيت يشوبهن التكلف، وأغربل الكلمات بحثاً عن الصدق الخالص. إذا لم يهتز وجداني وأنا أقرأ النص للمرة الأخيرة، أعلم أنه لم يكتمل بعد.
    ​كيف ترين مكانة قصائدكِ وسط الحركة الشعرية النسائية السورية المعاصرة؟
    ​أترك الحكم للزمن وللنقاد الأجلاء، لكنني أثق بأن صوتي يحمل هوية خاصة تنبع من عراقة حلب وتجربة أنثوية واعية ومستقلة، تسعى لترك أثر طيب وصادق في خريطة الأدب السوري والعربي.
    ​لو أردتِ اختصار مشروعكِ الشعري كاملاً في بيت واحد، فما هو هذا البيت؟
    ​أنا التي أسقيتُ حرفي من دمي.. وبنيتُ من شجر الغرام مدائني
    وأتوجه بجزيل الشكر والامتنان لكل من دعمني وكان سنداً لي من أسرتي والأساتذة والمعلمين، وأخص بالذكر رفيق الدرب الأدبي والثقافي الأستاذ أحمد الرشيدي، الذي آمن بالحلم وبحرفي، وكان الشريك في بناء هذا الصرح الثقافي ولا يفوتني هنا أن أتوجه ببالغ الشكر والتقدير للكاتب والباحث المحاور الأستاذ عطا درغام، الذي خصّني وبحسّه الثقافي الرفيع بلقاء وحوار صحفي مميز، سلّط من خلاله الضوء على مسيرتي الأدبية ورسالتي الثقافية، فكان لنباهة أسئلته وجمال إدارته للحوار أثرٌ طيبٌ في نفسي

شاهد أيضاً

الأمم المتحدة: تهجير سكان ثلاثة مخيمات بالضفة انتهاك للقانون الدولي

الأمم المتحدة: تهجير سكان ثلاثة مخيمات بالضفة انتهاك للقانون الدولي

شفا – أفاد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، اليوم الجمعة، بأن القوات …