
حين يرسم محمد الدغليس ما عشناه معًا ، بقلم : د. وليد العريض
سيرة المكان والإنسان من طفولة سلفيت إلى شباب إسطنبول وكهولة عمّان وإربد… رحلة في البيت والذاكرة والشقاء والغربة والعودة
ليست لوحات الفنان محمد الدغليس، المؤرخة في حزيران 2026، مجرد بيوت قديمة وأقواس حجرية وأشجار وممرات ورجل ينحني على عمله وليست مشاهد تستدعيها الذاكرة لتمنح العين شيئًا من جمال الماضي، وإنما هي شظايا سيرة يلتقي فيها المكان بالإنسان والطفولة بالكهولة والغياب بالحضور، حتى أشعر كلما أطلت النظر فيها أن محمدًا لا يرسم وحده، وأنني لا أقرأ لوحاته من خارجها، بل ندخل معًا في ذلك الممر الطويل الذي بدأ ذات يوم من سلفيت، ثم أخذتنا دروبه إلى إسطنبول وعمّان وإربد، قبل أن يعيدنا العمر، مثقلين بما عرفنا وفقدنا إلى السؤال الأول:
من نحن بعد كل هذه الرحلة، وأيُّ أمكنتنا بقي فينا أكثر مما بقينا فيه؟..
يبدأ كل شيء من البيت، فالإنسان لا يولد مرة واحدة حين تضعه أمه على عتبة الحياة، بل يولد مرة أخرى حين تفتح عيناه على جدار ونافذة ودرج وشجرة وطريق وحين يعرف رائحة التراب بعد المطر وصوت الباب حين يفتح في الصباح ووقع أقدام أهله في الغرف ولذلك يبدو البيت الذي تحاصره الخضرة في لوحة محمد أكبر من هندسته وأعمق من حجارته، كأنه رحم ثان خرجنا منه إلى الدنيا وبقي حبله السري موصولًا بأرواحنا، فيما يصعد الدرج إليه كأنه درجات العمر وتطل النوافذ كعيون عجوز بقيت تنتظر الذين غادروا، فتسألنا اللوحة: هل خرجنا من البيت حقًا، أم أن البيت هو الذي خرج معنا وظل يسكننا فيما كنا نزعم أننا نسكن أمكنة أخرى؟..
ومن البيت تتسع الدائرة إلى سلفيت، إلى القرية التي كانت في عيون أطفالها أكبر من العالم لأننا لم نكن قد رأينا العالم بعد، ثم خرجنا منها واكتشفنا المدن والبلدان والبحار، فإذا بالمفارقة أن العالم كلما اتسع أمامنا ازدادت القرية اتساعًا في داخلنا، وأصبح الحجر الذي لم نكن نلتفت إليه ذاكرة، والشجرة التي كنا نعبر تحتها بلا اكتراث نسبًا، والطريق القصير رحلة، والقوس الحجري بابًا بين زمنين، وكأن محمد حين يرسم تلك البيوت والأقواس لا يستعيد عمارة قديمة بقدر ما يستدعي سكانها الغائبين، فالبيت بلا أهله جسد فارغ، والقوس بلا العابرين تحفة باردة، والطريق بلا وقع أقدام الذين مشوا عليه خط من التراب لا يقول شيئًا..
وأمام هذه المشاهد يطل الطفل من مكان بعيد فينا ويسأل: هل نحن ما زلنا أطفال سلفيت؛ وهل بقي الطفل الذي ركض في أزقتها في مكان ما ينتظر عودتنا، أم أننا تركناه هناك ومضينا؛ وهل عرفنا يومها أننا نعيش الزمن الذي سنقضي بقية أعمارنا نحاول استعادته، وأن الوجوه التي كانت تحيط بنا كأن وجودها أبدي ستغيب، وأن أبوابًا كانت تفتح كل صباح ستغلق، وأن أصواتًا ملأت البيوت ستتحول يومًا إلى همس بعيد لا يسمعه سوانا؟..
لكن لوحات محمد لا تسمح للحنين أن يخدعنا فيحوّل الماضي إلى فردوس كامل، فذلك الرجل المنحني على عمله بين الخضرة يعيد إلى الصورة حقيقتها الاجتماعية، ويذكرنا بأن طفولتنا قامت أيضًا على شقاء الذين سبقونا، على يد خشنتها الأرض وظهر أحناه العمل وأم سهرت ورجل عاد من حقله يحمل التعب والكرامة معًا، ولذلك يصبح العامل في اللوحة ممثلًا لجيل كامل لم تكتب كتب التاريخ أسماء أفراده، مع أنهم هم الذين بنوا البيوت وزرعوا الزيتون وربوا الأبناء وحملوا الحجارة وصنعوا الحياة، وهنا تبلغ ريشة الدغليس معناها الأخلاقي؛ لأنها تنحاز إلى الإنسان البسيط وتمنحه حقه في الذاكرة، وتقول إن تاريخ المكان لا يكتبه الكبار وحدهم، بل تكتبه كذلك الأيدي التي عملت ثم غابت وبقي أثرها..
ثم جاء زمن الخروج وغادر طفل سلفيت إلى إسطنبول شابًا يحمل أحلامًا أكبر من قريته، وهناك اتسع العالم فجأة، وصارت وراء الجبل جبال، ووراء الطريق طرق، ووراء اللغة لغات وحضارات وكتب ووجوه، وكان الشباب كريمًا بوهمه الجميل، يجعلنا نعتقد أن الوقت لا ينفد، وأن البيت سيظل كما تركناه، وأن الذين ودعونا سيبقون في أماكنهم، وأن بإمكاننا العودة إلى اللحظة القديمة متى شئنا ولم نكن نعرف أن الزمن لا يحرس شيئًا لأحد، وأن الغربة التي تبدو في بدايتها اكتشافًا للعالم قد تتحول، بعد السنين، إلى اكتشاف متأخر لقيمة المكان الذي خرجنا منه، حتى يصبح السؤال: هل كانت إسطنبول ابتعادًا عن سلفيت، أم كانت المسافة الضرورية لكي نرى سلفيت للمرة الأولى؟..
ولعل الممر الحجري في لوحة محمد، بأقواسه المتعاقبة والضوء الأزرق في نهايته، أجمل استعارة بصرية لهذه الغربة، فالأقواس محطات العمر، والمسافات بينها سنواته، والظلال خيباته، والضوء البعيد أحلامه، ونحن نمضي خلاله مبتعدين عن الباب الذي دخلنا منه مقتربين من باب لا نعرف ما وراءه، حتى نكتشف أن الغربة ليست أن تفصلنا آلاف الكيلومترات عن البيت فقط، بل ربما تكون الغربة الأشد أن تفصلنا عشرات السنين عن الإنسان الذي كناه، فننظر إلى صور شبابنا ونسأل بدهشة: أهذا نحن، أم رجل آخر كان يحمل اسمنا ثم مضى؟..
ثم جاءت عمّان بجبالها وصخبها ومسؤولياتها، وجاءت إربد بالجامعة والكتاب والعمل والطلاب والأصدقاء وتعاقب الفصول، ولم نعد أطفال سلفيت ولا شباب إسطنبول، بل رجالًا أخذت التجربة تنحت فيهم كما ينحت الزمن في حجارة البيوت القديمة، حتى انقلب الشباب نضجًا، والنضج كهولة، وصارت العين التي كانت تنظر دائمًا إلى الأمام تلتفت أكثر إلى الخلف، وهنا يصبح السؤال أشد حيرة: من نحن الآن؛ أطفال سلفيت، أم شباب إسطنبول، أم رجال عمّان، أم كهول إربد، وأي واحد من هؤلاء هو الإنسان الحقيقي الذي يحمل أسماءنا؟..
وربما يكون السؤال نفسه خطأ، لأننا لسنا واحدًا منهم بل جميعهم، ففي سلفيت بقي الطفل، وفي إسطنبول بقي الشاب الذي ظن أن الحياة بلا نهاية، وفي عمّان بقي الرجل الذي بنى وكافح وحمل مسؤولياته، وفي إربد استوت التجربة معرفةً وتحولت المعرفة إلى تأمل، حتى غدت هذه الأمكنة غرفًا متجاورة في بيت كبير اسمه الذاكرة، ندخل غرفة فنعود أطفالًا، ونفتح أخرى فنصبح شبابًا، ونطل من ثالثة على سنوات العمل والكفاح، ثم نقف في الأخيرة أمام مرآة الكهولة ونسأل: كم رجلًا عاش في داخل هذا الرجل الواحد؟..
وهنا نفهم لماذا يكتب محمد إلى جوار رسومه أسماءً وإشارات وتواريخ، ولماذا يثبت حزيران 2026 على الصفحة، فالكلمات المرافقة ليست هامشًا على اللوحات، وإنما صوتها الآخر ومقاومتها الثانية للنسيان؛ الرسم يحفظ هيئة البيت والكلمة تحفظ اسمه، واللون يستعيد الطريق والكتابة تحفظ حكايته، وكأن الفنان يعرف أن البيوت قد تهرم والأشجار قد تموت والوجوه قد تغيب، فيرسم ويكتب معًا ليقول لمن سيأتي بعدنا: كان هذا هنا، وكان له اسم، وكان في هذه البيوت بشر أحبوا وتعبوا وحلموا ورحلوا، فلا تجعلوا النسيان يهدم ما عجز الزمن عن هدمه..
وربما لهذا يرسم محمد ولهذا أكتب أنا؛ هو يستنطق الحجر باللون وأنا أستنطق اللون بالكلمة، هو يعيد البيت بريشته وأنا أبحث عن أصوات الذين كانوا في البيت، هو يرسم القوس وأنا أتخيل الذين مروا تحته، هو يحفظ الطريق وأنا أسأل إلى أين أخذنا ذلك الطريق، حتى نكتشف أننا لا نوثق الأمكنة وحدها، بل نحاول أن نوثق أنفسنا قبل أن نصبح نحن أيضًا صورة قديمة في ذاكرة شخص آخر، وأن ننقذ من العمر شيئًا يقول إننا كنا هنا، وإن لنا بيتًا وقرية وطفولة وشبابًا وشقاء وغربة ومدنًا أحببناها وعودة لم تكتمل أبدًا..
فهل عدنا اليوم إلى سلفيت، أم أن سلفيت لم تغادرنا أصلًا، بل سافرت معنا إلى إسطنبول وعمّان وإربد؛ وهل الوطن هو المكان الذي ولدنا فيه، أم الذي تعلمنا فيه، أم الذي عملنا وأحببنا وكبرنا فيه، أم أن الوطن الحقيقي هو مجموع الأمكنة التي تركنا في كل واحد منها جزءًا من أرواحنا؛ وهل نحن الذين نحفظ المكان من النسيان، أم أن المكان، في سر لا نفهمه إلا متأخرين، هو الذي يحفظنا من أن ننسى أنفسنا؟..
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.