8:17 مساءً / 29 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

العودة.. من ذاكرة اللجوء إلى ساحة العدالة الدولية ، بقلم : نسيم قبها

العودة.. من ذاكرة اللجوء إلى ساحة العدالة الدولية ، بقلم : نسيم قبها

حين يوقظ القانون ذاكرة النكبة

في زمنٍ بات فيه الحق الفلسطيني يُستهدف بالمحو والإلغاء، لا بالسلاح فقط، بل بالتشريع والسياسات الدولية، يبرز سؤال مصيري: كيف نحمي “حق العودة” من أن يصبح مجرد بند في قرارات دولية معلقة على جدران الذاكرة؟ الإجابة تتجسد في المبادرة التي أطلقتها مؤسسة الشيخ حسن للثقافة والعلوم، بالتعاون مع مؤسسة القانون من أجل فلسطين (Law for Palestine)، والمتمثلة في إعداد مذكرة مفاهيمية لتقديم شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية (ICC) بموجب المادة 15 من نظام روما الأساسي. هذه الخطوة ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي تحول فلسفي وسياسي في كيفية مواجهة “الجرح الفلسطيني” المستمر منذ عام 1948.

إن قراءة واعية في المبادرة تكشف عن رؤية استشرافية عميقة، تتجاوز فكرة “التوثيق” إلى “المساءلة”. فالمذكرة لا تتعامل مع التهجير القسري كحدث تاريخي وقع وانتهى، بل كـ”جريمة مستمرة” تتطور وتتجدد. هذا التوصيف القانوني الدقيق هو سلاح ذو حدين: فهو من جهة يرفض مرور الزمن على الجريمة، ويؤكد أن الاحتلال والتهجير ليسا قدراً تاريخياً، بل انتهاك يومي مستمر للقانون الدولي. ومن جهة أخرى، يضع العالم أمام مسؤولياته، ليس فقط أخلاقياً، بل قانونياً وجنائياً.

ما يميز هذه المذكرة هو استراتيجية “الاختصاص الإقليمي” الذكية. فبدلاً من الاقتصار على الجغرافيا الفلسطينية الضيقة (الضفة الغربية، غزة، القدس الشرقية)، توسع المذكرة نطاق المسؤولية ليشمل الدول التي تحتضن اللاجئين الفلسطينيين، مثل الأردن. هذا الطرح العبقري يربط بين الجريمة الأصلية (التهجير) والنتيجة المستمرة (اللجوء). فحين يُمنع اللاجئ الفلسطيني في الأردن أو لبنان أو أي مكان آخر من العودة، فإن ذلك ليس مجرد مسألة سيادية للدولة المضيفة، بل هو استمرار لجريمة التهجير القسري التي تتحمل مسؤوليتها دولة الاحتلال (إسرائيل) بموجب نظام روما الأساسي. وهنا يتجلى البعد الفلسفي: العودة ليست مجرد حق فردي، بل هي شرط لإنهاء حالة “اللاجئ” التي صُنعت بالقوة.

لقد أدركت المذكرة أن المعركة القانونية وحدها لا تكفي. فهي تنص صراحة على أن هذا المسار “لا يلغي المسار السياسي”، بل يعززه. هذا التوازي بين القانون والسياسة يعكس نضجاً فلسفياً في إدارة الصراع. فبينما يُستخدم القانون لتثبيت الحقوق وفضح المجرم، تُستخدم السياسة لبناء التحالفات وتوسيع قاعدة الاعتراف الدولي. إن استهداف وكالة “الأونروا” ومحاولات تصفيتها، كما جاء في المذكرة، ليس مجرد هجوم على مؤسسة إغاثية، بل هو محاولة لطمس شهادة اللجوء نفسها. لذا، فإن التصدي لهذا الهجوم عبر المحكمة الجنائية الدولية هو دفاع عن “الذاكرة القانونية” للشعب الفلسطيني.

إن البعد الاستشرافي لهذه المذكرة يظهر في تركيزها على “الشهادات الحية” لما بين 20 و30 شاهداً من اللاجئين. هذا ليس مجرد جمع أدلة، بل هو تحويل “الرواية الشفوية” إلى “دليل قانوني”. في فلسفة القانون الدولي، الشهادة هي صوت الضحية التي تتحول إلى سند إدانة. إن استحضار شهادات من عاشوا النكبة عام 1948، وربطها بالانتهاكات المستمرة اليوم، يخلق سردية تاريخية متصلة غير قابلة للتجزئة. إنها رسالة للعالم: قضية اللاجئين ليست قضية إنسانية معزولة، بل هي جوهر الصراع الفلسطيني. كما أن إشراك خبراء قانونيين دوليين ومحامين فلسطينيين وعرب، وتطوير مذكرة قانونية شاملة، يعكس فهماً عميقاً بأن المعركة ليست في غزة أو الضفة فقط، بل في كل محكمة ومؤتمر ومنصة إعلامية حول العالم.

لقد وضعت المذكرة إطاراً زمنياً واضحاً، يمتد من عام 2014 (تاريخ قبول فلسطين في المحكمة) إلى يومنا هذا، مع الاستناد إلى عام 1948 كخلفية تاريخية. هذا التسلسل الزمني يحمل دلالة عميقة: العدالة لا تتجزأ. فلا يمكن الحديث عن “سلام” أو “حل سياسي” في غزة أو الضفة الغربية اليوم، دون معالجة الجريمة الأصلية التي بدأت عام 1948. إن المحكمة الجنائية الدولية، بوصفها أداة القانون الدولي، مطالبة اليوم بأن تكون ساحة لتصحيح المسار التاريخي، لا مجرد منصة لتوثيق الجرائم اللاحقة. وهنا يبرز البعد الفلسفي الأعمق: إن القانون ليس مجرد نص جامد، بل هو كائن حي يتطور بتطور الجرائم، ومن حق الضحية أن تطالب بالعدالة في كل زمان ومكان.

ختاماً، إن هذه المذكرة تمثل نقلة نوعية في النضال الفلسطيني. إنها تنتقل من موقع “المدافع” عن النفس إلى موقع “المدعي” الذي يمتلك الأدوات القانونية ويصوغ الاستراتيجيات. إنها تقول للعالم: إن حق العودة ليس شعاراً، بل هو حق قانوني أصيل، ومن ينتهكه أو يعرقل تنفيذه يرتكب جريمة ضد الإنسانية. وبهذا المعنى، فإن هذه المذكرة ليست مجرد وثيقة قانونية، بل هي “إعلان استقلال” جديد للرواية الفلسطينية، يكتب بلغة القانون، ويستشرف مستقبلاً لا مكان فيه للاجئ، بل للمواطن العائد إلى أرضه.

لكن الأمل، في جوهره الفلسفي، ليس انتظاراً سلبياً لتحقق العدالة، بل هو فعل مقاومة وإرادة تصنع المستقبل. فبعد كل ضيق، هناك فسحة نور تتسع كلما تمسكنا بالحق وواصلنا المسير. إن هذه المذكرة، بما تحمله من شهادات حية وأصوات لاجئين لم تمت، هي بذرة أمل تُزرع في تربة القانون الدولي، لتنبت يوماً ما شجرة وارفة من العدالة والكرامة. وكما أن النكبة لم تمحِ الهوية، فإن اللجوء لن يمحو الإصرار على العودة. سيظل الفلسطيني يحمل مفاتيح بيته، ويورثها لأبنائه، ليس كذكرى حزن، بل كوعد بالعودة، وكحلم يقظة يتحقق يوماً ما، مهما طال الليل أو اشتد الظلام.

  • نسيم قبها – اتحاد الكتاب الفلسطيني نقابة الصحفيين – المجلس المركزي للحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال

شاهد أيضاً

الرئيس الصيني شي جين بينغ

شي يحث جامعة سيتشوان على الاستفادة من نقاط قوتها لخدمة الاستراتيجيات الوطنية

شفا – حث الرئيس الصيني شي جين بينغ جامعة سيتشوان على الاستفادة من نقاط قوتها …