10:37 مساءً / 6 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

هزيمة الفقر ، بقلم : محمد علوش

قال الزعيم والمناضل العالمي الراحل نيلسون مانديلا: “الفقر ليس صدفة، ومثله مثل العبودية والفصل العنصري هو من صنع الإنسان، ويمكن القضاء عليه بأفعال البشر”، ولم تكن هذه الكلمات مجرد تعبير أخلاقي عن التعاطف مع الفقراء، بل إعلاناً عن حقيقة تاريخية أثبتتها تجارب الشعوب التي امتلكت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية، وحوّلت التنمية إلى مشروع تحرري يضع الإنسان في قلب السياسات العامة.


وتبرز التجربة الصينية بوصفها إحدى أبرز التجارب التنموية في العصر الحديث، ليس فقط لأنها حققت معدلات نمو اقتصادي استثنائية، وإنما لأنها نجحت في تحويل هذا النمو إلى تنمية شاملة انعكست مباشرة على حياة المواطنين، فانتشلت مئات الملايين من براثن الفقر، وأرست نموذجاً يربط بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين قوة الدولة وكرامة الإنسان.


لقد أدركت الصين، بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، أن التنمية لا تقاس بحجم الناتج المحلي الإجمالي وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس، وتقليص الفجوات الاجتماعية، وتوفير فرص العمل، وضمان التعليم والرعاية الصحية والسكن اللائق، وتحقيق تنمية متوازنة بين المدن والأرياف، ومن هذا المنطلق، تحولت مكافحة الفقر إلى مشروع وطني شامل، شاركت في تنفيذه مؤسسات الدولة والحزب والسلطات المحلية والجامعات والقطاع الخاص، وفق أهداف واضحة وآليات دقيقة للمتابعة والتقييم.
ولم يكن هذا الإنجاز ثمرة طفرة اقتصادية عابرة، بل نتيجة تخطيط طويل الأمد، واستثمار متواصل في الإنسان، وإصلاحات اقتصادية متدرجة، وسياسات اجتماعية متكاملة، وإدارة كفؤة للموارد، ربطت التنمية بالإنتاج والعمل، لا بالاستهلاك أو الإعانات وحدها.


كما تعاملت الصين مع الفقر باعتباره عائقاً أمام نهضة الأمة وتهديداً للاستقرار، فلم تقتصر جهودها على تقديم المساعدات، بل ركزت على إزالة الأسباب البنيوية للفقر عبر تطوير البنية التحتية، وتحديث الزراعة، وتشجيع الصناعات المحلية، وتحسين التعليم والخدمات الصحية، وتمكين المجتمعات الريفية من امتلاك مقومات التنمية المستدامة.


وكان من أهم عناصر النجاح اعتماد سياسة “القضاء المستهدف على الفقر”، التي قامت على دراسة أوضاع كل منطقة وكل أسرة، وتصميم برامج تنموية تلائم احتياجاتها الفعلية، وهو ما رفع كفاءة الإنفاق العام، وعزز عدالة توزيع الموارد، وحقق نتائج ملموسة خلال فترة زمنية قياسية.


ولا تكمن أهمية التجربة الصينية في حجم الإنجاز وحده، بل في فلسفتها التنموية؛ إذ لم تنظر الدولة إلى الفقير باعتباره عبئاً، وإنما بوصفه طاقة إنتاجية وشريكاً في التنمية وصاحب حق في الثروة الوطنية، ومن هنا أصبح الاستثمار في الإنسان أساس التنمية، وغدت العدالة الاجتماعية ركناً أصيلاً في الاستراتيجية الوطنية، لا مجرد سياسة للرعاية الاجتماعية.


وفي المقابل، شهدت مناطق واسعة من العالم، وفي مقدمتها المنطقة العربية، اتساعاً في الفجوات الاجتماعية، وارتفاعاً في معدلات البطالة، وتراجعاً في الخدمات العامة، وتآكلاً للطبقة الوسطى، رغم ما تمتلكه بعض الدول من موارد طبيعية وإمكانات مالية كبيرة.


فالفقر في العالم العربي ليس قدراً محتوماً، ولا يعود إلى نقص الموارد فحسب، بل يرتبط في جانب كبير منه بغياب الرؤى التنموية الشاملة، وضعف التخطيط، واختلال أولويات الإنفاق العام، وتفاوت توزيع الثروة، وتراجع الاستثمار في رأس المال البشري، إلى جانب تداعيات الحروب والصراعات والتدخلات الخارجية.


أما في فلسطين، فإن الاحتلال الإسرائيلي يبقى العامل الرئيس في تعميق الفقر، من خلال الاستيطان، ومصادرة الأراضي، والسيطرة على الموارد الطبيعية، وتقييد الحركة، وتدمير البنية الاقتصادية، واستهداف العمال، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في التنمية المستقلة. غير أن هذه الحقيقة، على أهميتها، لا تعفي مؤسساتنا الوطنية من مسؤوليتها في مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وبناء اقتصاد أكثر صموداً وعدالة وكفاءة.


إن مواجهة الفقر في فلسطين تستوجب الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة التنمية، ومن السياسات الإغاثية إلى السياسات الإنتاجية، عبر مشروع وطني يركز على دعم الزراعة والصناعة، وتشجيع الاقتصاد التعاوني والاجتماعي، وتوسيع الحماية والضمان الاجتماعي، وتمكين العمال والشباب والمرأة، والاستثمار في التعليم المهني والتقني باعتباره ركيزة لبناء اقتصاد منتج قادر على توفير فرص عمل مستدامة.


كما تقدم التجربة الصينية درساً مهماً مفاده أن التنمية لا تتحقق بالسوق وحده، ولا بالدولة وحدها، وإنما من خلال تكامل أدوار القطاعين العام والخاص، إلى جانب المجتمع المدني، ضمن رؤية وطنية تضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الضيقة.


وهنا يبرز سؤال ملحّ: لماذا تفتقر الدول العربية إلى استراتيجية جماعية لمكافحة الفقر؟ ولماذا لا تتحول الثروات العربية إلى مشاريع إنتاجية وتنموية تعيد بناء الإنسان العربي، بدلاً من بقائها رهينة الاقتصاد الريعي أو النزعة الاستهلاكية؟ ولماذا لا تصبح العدالة الاجتماعية معياراً رئيسياً لنجاح السياسات العامة، بدلاً من الاقتصار على مؤشرات النمو المجردة؟


إن المنطقة العربية بحاجة إلى رؤية تنموية جديدة تنطلق من أن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان، وأن التعليم والصحة والعمل اللائق والحماية الاجتماعية ليست أعباء مالية، بل استثمارات في الاستقرار والتقدم، كما تحتاج إلى إعادة الاعتبار لدور الدولة التنموية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتمكين النقابات ومنظمات المجتمع المدني من الإسهام في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية.


لقد أثبتت الصين أن الإرادة السياسية، حين تقترن بالتخطيط العلمي والإدارة الرشيدة، قادرة على تغيير مسار التاريخ، وأن العدالة الاجتماعية ليست شعاراً أيديولوجياً، بل شرطاً للاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية، والتماسك المجتمعي.


ولا يعني الاستفادة من التجربة الصينية استنساخها حرفياً، فلكل دولة خصوصيتها التاريخية والثقافية والسياسية، وإنما يعني استلهام مبادئها الأساسية: التخطيط الاستراتيجي، والإرادة السياسية، والاستثمار في الإنسان، وربط التنمية بالعدالة الاجتماعية، وجعل مكافحة الفقر مسؤولية وطنية مستدامة.


إن فلسطين، وهي تخوض معركة الحرية والاستقلال، مطالبة أيضاً بخوض معركة التنمية والعدالة الاجتماعية، لأن التحرر الوطني لا يكتمل ما لم يقترن بالتحرر من الفقر والبطالة والتهميش، ولأن المجتمع المنتج والعادل هو الأقدر على الصمود في مواجهة الاحتلال وبناء دولته على أسس المعرفة والإنتاج والمساواة.


لقد أثبتت التجربة الصينية أن الفقر ليس قدراً، وأن التنمية ليست امتيازاً تحتكره الدول الغنية، بل خياراً سياسياً وحضارياً تصنعه الشعوب التي تمتلك الإرادة والرؤية، ويبقى التحدي أمام العالم العربي وفلسطين هو الانتقال من توصيف الفقر إلى بناء السياسات القادرة على هزيمته، ومن معالجة نتائجه إلى اجتثاث أسبابه، ومن اقتصاد الريع والاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج والابتكار.


إن هزيمة الفقر ليست مهمة اقتصادية فحسب، بل مشروع حضاري وأخلاقي وإنساني، يعيد الاعتبار لكرامة الإنسان، ويمنح الأمل للأجيال القادمة، ويؤكد أن العدالة الاجتماعية ليست حلماً مؤجلاً، بل ثمرة إرادة سياسية رشيدة وسياسات تنموية عادلة، وهو الدرس الأهم الذي قدمته التجربة الصينية للعالم.

شاهد أيضاً

الرئيس محمود عباس يستقبل مجلس بلدية رام الله ويشدد على دور البلديات في دعم الصمود وتطوير الخدمات

الرئيس محمود عباس يستقبل مجلس بلدية رام الله ويشدد على دور البلديات في دعم الصمود وتطوير الخدمات

شفا – استقبل رئيس دولة فلسطين محمود عباس، اليوم الخميس، في مقر الرئاسة بمدينة رام …