
لا نحتاج انتخابات جديدة بقدر ما نحتاج إلى كسر احتكار السياسة ، بقلم: المهندس غسان جابر
لنقلها بصراحة، حتى لو أزعجت البعض: المشكلة الفلسطينية ليست أن الشعب لا ينتخب. المشكلة أن الشعب ينتخب مرة، ثم تختفي وكالته أربع سنوات.
نذهب إلى الصندوق، نمنح أصواتنا، نختار ممثلينا، ثم نعود إلى بيوتنا، بينما تبدأ السياسة الحقيقية في مكان آخر. هناك، خلف الأبواب المغلقة، تتشكل التحالفات، وتُتخذ القرارات، وتُوزع الأدوار، وتُحدد الأولويات. أما المواطن، صاحب الصوت الذي منح الشرعية، فيعود إلى موقع المتلقي.
وهنا السؤال الذي لا يحب أحد أن يسمعه: هل الانتخابات الفلسطينية تنتج فعلاً سلطة للشعب، أم تنتج تفويضاً مفتوحاً لمن يفوز؟
إذا كان السؤال قاسياً، فربما لأن اللحظة تحتاج إلى أسئلة قاسية.
المجتمع تغيّر… والسياسة تأخرت
الفلسطيني اليوم ليس هو الفلسطيني قبل عشرين عاماً. الشاب الذي سيدخل إلى صندوق الاقتراع يعرف ما يحدث في العالم خلال ثوانٍ. يقارن، ويسأل، ويرى كيف تُدار البرلمانات، ويعرف معنى الشفافية، ويعرف أن النائب في كثير من الديمقراطيات لا يكتفي بالظهور في المناسبات، بل يخضع لسجل من الأداء والمساءلة.
ومع ذلك، ما زالت أجزاء كبيرة من خطابنا السياسي تعمل بمنطق قديم: صورة المرشح، سيرته، انتماؤه، علاقاته، خطابه وشعاراته. ثم يأتي السؤال عن برنامجه في المرتبة الأخيرة.
كأننا نبحث عن شخص نثق به، لا عن مؤسسة نريد أن نحاسبه من خلالها. وهذه هي المشكلة.
الخليل تقول شيئاً مختلفاً
من يريد أن يعرف معنى الدولة، لا يحتاج دائماً إلى الذهاب إلى مؤتمر دولي. يمكنه أن يمشي في شوارع الخليل، أن يدخل البلدة القديمة، أن يلتقي بالتاجر، أن يجلس مع شاب يبحث عن عمل، وأن يسأل المواطن عن الكهرباء والماء والصحة والتعليم والأسعار والأمن والبلدية.
هناك، بعيداً عن اللغة السياسية الثقيلة، ستجد فلسطين الحقيقية.
فالمواطن لا يعيش «المشروع الوطني» كمفهوم مجرد؛ إنه يعيشه في فاتورة، وفي راتب، وفي مدرسة، وفي مستشفى، وفي متجر، وفي شارع.
الدولة التي لا تصل إلى تفاصيل حياة المواطن تبقى فكرة على الورق، مهما كانت قوة خطابها السياسي.
وهنا تحديداً يجب أن يبدأ المجلس التشريعي القادم.
من «الثقة» إلى «العقد»
لدي اقتراح قد يبدو بسيطاً، لكنه قادر على تغيير قواعد اللعبة: لا يدخل المرشح الانتخابات ببرنامج فقط؛ يدخلها بعقد.
عقد من صفحة واحدة يقول فيه للناس: هذه التزاماتي، هذه أولوياتي، هذه القوانين التي سأعمل عليها، هذه الملفات التي سأراقبها، وهذه المعايير التي أقبل أن يحاسبني الناس عليها.
ثم يصبح العقد وثيقة عامة. ليس منشوراً انتخابياً يختفي بعد الانتخابات، بل سجلاً مفتوحاً.
بعد عام، يُسأل النائب: كم أنجزت؟
وبعد عامين: ماذا تغير؟
وفي نهاية الدورة: هل كنت تستحق الثقة التي طلبتها؟
قد يقول البعض إن هذا مستحيل. وأنا أقول: المستحيل هو أن نستمر في طلب الثقة بالطريقة القديمة ثم نتوقع نتائج جديدة.
لماذا لا يكون للنائب «تقييم سنوي»؟ لماذا نقبل بتقييم الموظف والمدير والطبيب والمهندس والشركة، ثم نعتبر تقييم النائب تدخلاً في السياسة؟
ولماذا لا يكون لكل نائب سجل أداء علني: الحضور، التشريعات، الأسئلة الرقابية، المواقف من الموازنة، الملفات التي تابعها، الوعود التي قطعها، الوعود التي نفذها، والوعود التي لم ينفذها؟
ليس بهدف التشهير، بل بهدف واحد: أن تصبح السياسة قابلة للقياس.
فنحن نعرف سعر السلعة، ونعرف نسبة البطالة، ونعرف حجم الموازنة، ونعرف عدد الطلاب، ونعرف عدد المستشفيات، لكننا لا نعرف كيف نقيس أداء من يفترض أنه يمثلنا.
أليس هذا غريباً؟
المقعد النيابي مسؤولية لا مكافأة
أخطر كلمة في السياسة الفلسطينية ربما هي «الثقة».
الثقة جميلة في العلاقات الإنسانية، لكن الدولة لا تُبنى على الثقة وحدها. الدولة تُبنى على الثقة والرقابة والقانون والمؤسسات.
ولا يجوز أن تتحول عبارة «ثقوا بنا» إلى بديل عن «حاسبونا».
السياسي الذي يقول للمواطن: «ثق بي»، يجب أن يتبعها مباشرة: «وهذه هي الطريقة التي يمكنك من خلالها محاسبتي».
أما أن نطلب من المواطن أن يثق، ثم نعتبر كل سؤال تشكيكاً، وكل نقد استهدافاً، وكل محاسبة مؤامرة، فهذه ليست ديمقراطية مكتملة. هذه ثقافة سياسية تحتاج إلى مراجعة.
ولهذا لا أريد مجلساً تشريعياً يشبه مجلساً سابقاً، حتى لو تغيرت الأسماء.
ليس المطلوب أن نملأ المقاعد بأسماء جديدة فقط. يمكن أن يكون لدينا مجلس جديد تماماً في الأسماء، لكنه قديم في العقلية.
يمكن أن تتغير الوجوه وتبقى الثقافة نفسها: نفس الاصطفافات، نفس الحسابات، نفس منطق الولاء، نفس الخطاب، ونفس انتظار التعليمات.
ثم نكتشف بعد سنوات أننا لم ننتج تغييراً، وإنما قمنا بإعادة ترتيب المقاعد.
التغيير الحقيقي ليس أن يجلس شخص جديد على المقعد القديم؛ التغيير أن يتغير معنى المقعد نفسه.
المقعد النيابي يجب أن يكون وظيفة وطنية مؤقتة، خاضعة للأداء والمساءلة، لا مكافأة سياسية أو تنظيمية أو اجتماعية.
لا حصانة من النقد. لا حصانة من السؤال. لا حصانة من تقييم الناس، ولا حصانة سياسية من الفشل.
فإذا كان النائب يستطيع أن يسأل الوزير: ماذا أنجزت؟ فيجب أن يستطيع المواطن أن يسأل النائب السؤال نفسه: ماذا أنجزت أنت؟
نحتاج إلى مرصد للأداء البرلماني
وربما نحتاج إلى شيء أكثر جرأة.
لماذا لا نؤسس، بالتوازي مع المجلس التشريعي، مرصداً مستقلاً للأداء البرلماني؟
لا يتبع الحكومة، ولا الفصائل، ولا القوائم، ولا رجال الأعمال، ولا أي مركز نفوذ.
مؤسسة مهنية تنشر تقريراً سنوياً عن أداء كل نائب وفق معايير معلنة، بحيث يعرف المواطن: من حضر؟ من شرّع؟ من راقب؟ من اقترح؟ من تابع؟ ومن اكتفى بالكلام؟
عندها لن تكون الانتخابات هي نهاية العلاقة بين الناخب والنائب.
ستكون بدايتها.
أي فلسطين نريد؟
في الحقيقة، نحن لا نتحدث عن المجلس التشريعي وحده. نحن نتحدث عن السؤال الأكبر: أي فلسطين نريد أن نبني؟
فلسطين التي تعتمد على الأشخاص؟ أم فلسطين التي تعتمد على المؤسسات؟
فلسطين التي تنتظر الزعيم؟ أم فلسطين التي تستطيع مؤسساتها أن تعمل حتى عندما يتغير الزعيم؟
فلسطين التي تقيس الوطنية بارتفاع الصوت؟ أم فلسطين التي تقيسها بقدرة الإنسان على حماية المصلحة العامة؟
هذه ليست أسئلة تقنية. إنها أسئلة تأسيسية.
لقد اعتدنا أن نطلب من المواطن الفلسطيني الكثير: أن يصبر، أن يتحمل، أن يتنازل، أن يبقى موحداً، أن يتحمل نتائج الانقسام، أن يتحمل الاحتلال، أن يتحمل الأزمة الاقتصادية، وأن يذهب في النهاية إلى صندوق الاقتراع ويمنح ثقته.
لكن ربما حان الوقت لكي نقول شيئاً مختلفاً:
المواطن أيضاً له شروط. له الحق أن يسأل، وله الحق أن يعرف، وله الحق أن يراقب، وله الحق أن يرفض.
وله الحق أن يقول لمن يطلب صوته: أرني ما ستفعل. وقّع. حدد التزاماتك، وافتح سجلك للناس، ثم خذ صوتي.
هذه هي الانتخابات التي أريدها
لا أريد انتخابات هدفها الوحيد تغيير توزيع المقاعد.
أريد انتخابات تغير قواعد العلاقة بين المواطن والسياسي.
لا أريد نائباً يطلب مني أربع سنوات من الثقة. أريد نائباً يقول: أعطني صوتك اليوم، وسأعطيك حق محاسبتي غداً.
لا أريد قائمة تقول: نحن الأفضل.
أريد قائمة تقول: وهذه هي المعايير التي سنقبل أن تحاسبونا عليها.
ولا أريد أن يكون السؤال: من انتصر في الانتخابات؟
بل: هل انتصر المواطن؟
لأن أخطر نتيجة يمكن أن تخرج بها أي انتخابات هي أن نحتفل بتغيير الفائزين، بينما يبقى المواطن في المكان نفسه.
وإذا كان الصندوق هو أداة الديمقراطية، فإن المحاسبة هي روحها.
ولهذا فإن المعركة القادمة ليست فقط على المقاعد. إنها على حق المواطن في أن يستعيد السياسة من أيدي محترفيها.
فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الأشخاص الذين يطلبون التفويض.
فلسطين تحتاج إلى أشخاص يجرؤون على تقييد تفويضهم بالمحاسبة.
وهنا، قبل أن نذهب إلى صندوق الاقتراع، يجب أن نسأل المرشح سؤالاً واحداً:
هل تقبل أن توقع اليوم على ما سنحاسبك عليه غداً؟
إذا قال نعم، فليتقدم.
وإذا قال لا، فليقل لنا بصراحة:
لماذا يريد صوتنا؟
- م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.