
حين تدخل المرأة إلى عالم المخدرات: جرس إنذار للمجتمع الفلسطيني ، بقلم : د. عماد سالم
لم يعد الحديث عن المخدرات في المجتمع الفلسطيني مجرد حديث عن ظاهرة هامشية أو مشكلة ترتبط بفئات محددة. فكلما اتسعت دائرة الظاهرة، وتغيرت الفئات التي تصل إليها، أصبح من الضروري أن نعيد قراءة المشهد بعيداً عن الأحكام الجاهزة والتفسيرات السطحية.
وفي هذا السياق، يكتسب حديث المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية العميد لؤي ارزيقات عن ارتفاع عدد النساء المشاركات في تعاطي وترويج المخدرات أهمية خاصة. والأكثر إثارة للقلق أن الرقم الذي أشار إليه التصريح يقترب من خمسين امرأة.
قد يبدو الرقم محدوداً إذا نظرنا إليه مجرداً، لكنه يصبح أكثر دلالة عندما نتذكر أننا نتحدث عن حالات وصلت إلى التعاطي أو الترويج، وعن نساء قد تكون وراء كل واحدة منهن أسرة وأطفال وعلاقات اجتماعية وقصة لم تبدأ بالضرورة بالمخدرات، وإنما انتهت إليها.
وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا تتعاطى النساء المخدرات فقط؟ بل الأهم: ماذا يحدث في بيئتنا الاجتماعية حتى أصبحت المخدرات قادرة على الوصول إلى النساء، وربما إلى داخل الأسرة نفسها؟
الرقم مؤشر وليس صورة كاملة
قبل الوصول إلى الاستنتاجات، من المهم التمييز بين عدد الحالات التي تصل إلى أجهزة إنفاذ القانون وبين الحجم الحقيقي للظاهرة في المجتمع.
فالبيانات الأمنية تعكس الحالات التي تم اكتشافها أو ضبطها، ولا يمكن اعتبارها وحدها إحصاءً دقيقاً لعدد المتعاطين أو المروجين الفعليين. وقد يتأثر عدد الحالات المسجلة بقدرة الأجهزة الأمنية على الكشف، وبمستوى الإبلاغ، وبالتغير في أساليب الترويج، وغيرها من العوامل.
لذلك فإن أهمية الرقم لا تكمن في استخدامه لإصدار حكم على المجتمع، وإنما في اعتباره مؤشراً يستحق الدراسة.
نحن بحاجة إلى بيانات زمنية واضحة توضح اتجاه الظاهرة، وتفرق بين التعاطي والترويج والاتجار، وتكشف الفئات العمرية والمناطق وأنواع المواد المخدرة.
فالسياسات الناجحة لا تُبنى على الانطباعات، وإنما على معرفة دقيقة بحجم المشكلة وطبيعتها.
المرأة ليست حالة واحدة
من الأخطاء الخطيرة وضع جميع النساء اللواتي يظهرن في قضايا المخدرات في خانة واحدة.
فهناك من قد تكون متعاطية وتحتاج إلى العلاج، وهناك من قد تكون مروجة تعمل ضمن شبكة، وهناك من قد تكون قد تعرضت للاستغلال أو الابتزاز أو الاستدراج.
وقد تدخل بعض النساء هذا العالم نتيجة الحاجة الاقتصادية، أو علاقة اجتماعية، أو ضغط من أشخاص مقربين، أو بحثاً عن المال السريع، أو هروباً من ظروف نفسية واجتماعية صعبة.
وهنا يجب أن تكون المقاربة أكثر دقة:
حزم أمني مع تجار المخدرات والشبكات المنظمة، وعلاج وتأهيل للمتعاطين، وحماية ومساندة لمن وقعوا ضحايا للاستغلال.
فليس كل من يوجد في نهاية السلسلة هو من صنعها.
لماذا أصبحت المرأة أكثر حضوراً؟
لا توجد إجابة واحدة يمكن أن تفسر الظاهرة.
فالضغوط الاقتصادية والبطالة قد تلعب دوراً في بعض الحالات، لكنها ليست التفسير الوحيد. فالمخدرات يمكن أن تصل إلى مختلف الطبقات الاجتماعية والمستويات التعليمية.
هناك كذلك التفكك الأسري، وضعف التواصل بين أفراد الأسرة، وضغط الأقران، والفراغ، والعلاقات غير الآمنة، والبحث عن الهروب من واقع ضاغط، والفضول، وسهولة الوصول إلى المواد المخدرة.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أوجدت مساحات جديدة للتعارف والترويج والاستدراج، وأصبح الوصول إلى الأشخاص المستهدفين أكثر سهولة وأقل ارتباطاً بالصورة التقليدية لتاجر المخدرات.
وهذا يفرض على المجتمع وأجهزة إنفاذ القانون أن تطور أدوات الوقاية والمواجهة بالتوازي مع تطور أساليب الجريمة.
عندما تتحول المرأة إلى هدف للشبكات
إذا كانت بعض شبكات المخدرات تستغل النساء في النقل أو الترويج، فإننا أمام تطور يستحق دراسة أمنية واجتماعية خاصة.
الشبكات الإجرامية لا تبحث دائماً عن الشخص المستعد للجريمة فقط، بل قد تبحث عن شخص يمكن التأثير عليه أو استغلاله بسبب حاجته الاقتصادية أو علاقاته أو تعرضه للابتزاز.
ومن هنا يجب ألا تتوقف الأسئلة الأمنية عند الشخص الذي تم ضبطه، بل تمتد إلى البيئة التي أنتجت الحالة:
من يوفر المواد؟
من يمول؟
كيف تتم عمليات التوزيع؟
كيف يجري الاستدراج؟
ومن يقف خلف الحلقة التي تظهر أمام أجهزة الأمن؟
فملاحقة الحلقة الأضعف لا تكفي إذا بقيت الشبكة التي تقف خلفها قادرة على إنتاج حلقات جديدة.
الخطر يتجاوز المرأة إلى الأسرة
هنا تكمن إحدى أخطر نتائج الظاهرة.
فالمرأة ليست فرداً معزولاً عن محيطها؛ قد تكون ابنة أو زوجة أو أماً، وقد ينعكس ما تتعرض له بصورة مباشرة على أفراد أسرتها.
الإدمان قد يؤدي إلى اضطراب العلاقات الزوجية، والمشكلات الاقتصادية، والديون، والإهمال، والصراعات والعنف، وقد يفتح الباب أمام مشكلات اجتماعية أخرى.
وإذا كانت هناك أسرة وأطفال، فإن التأثير يصبح أوسع؛ لأن الطفل قد يعيش في بيئة مضطربة دون أن يكون له أي ذنب في أسبابها.
وبذلك تنتقل المخدرات من مشكلة فردية إلى مشكلة أسرية واجتماعية وتنموية وأمنية في الوقت نفسه.
الطفل قد يكون الضحية التي لا تظهر في الإحصاءات
من الضروري ألا يقتصر النقاش على النساء اللواتي يتعاطين أو يروجن.
فخلف بعض هذه الحالات قد يوجد أطفال يتعرضون للإهمال أو الاضطراب أو العنف أو الحرمان، وقد يحمل بعضهم آثار التجربة إلى مراحل لاحقة من حياتهم.
ولهذا فإن علاج المرأة وحمايتها من الانتكاس قد يكون في الوقت نفسه حماية لأسرة كاملة، وليس مجرد تدخل علاجي لفرد واحد.
هل تكفي حملات التوعية؟
من الصعب مواجهة المخدرات برسالة واحدة تقول للشباب إن المخدرات خطيرة.
المشكلة أن كثيراً ممن يجربونها يعرفون أصلاً أنها خطيرة.
لذلك يجب أن تنتقل الوقاية من مجرد التخويف إلى بناء القدرة على مقاومة الأسباب التي تقود إلى التعاطي.
وهذا يعني تعليم مهارات اتخاذ القرار، والتعامل مع ضغط الأصدقاء، وإدارة الأزمات، وطلب المساعدة، والتعامل الآمن مع العالم الرقمي، والتعرف على محاولات الاستغلال والابتزاز.
وهنا يصبح للمدرسة والجامعة ومؤسسات التعليم والتدريب المهني دور مهم، بالتوازي مع الأسرة ومؤسسات الصحة والتنمية الاجتماعية.
ماذا نحتاج عملياً؟
أولاً، قاعدة بيانات وطنية دقيقة تجمع المعلومات المتعلقة بالمخدرات، مع الفصل بين التعاطي والترويج والاتجار والتهريب، وتحليل الأعمار والمناطق وأنواع المواد ومسارات الحالات.
ثانياً، إجراء دراسة وطنية متخصصة حول المرأة والمخدرات في فلسطين، لا تكتفي برصد الحالات، وإنما تبحث في أسبابها ومساراتها الاجتماعية والاقتصادية والأسرية.
ثالثاً، توفير خدمات علاج وتأهيل أكثر تخصصاً للنساء، تراعي الخصوصية والسرية، وتربط العلاج بالدعم النفسي والاجتماعي والأسري.
رابعاً، تطوير برامج وقاية مستمرة في المدارس والجامعات ومؤسسات التدريب، تركز على المهارات الحياتية والصحة النفسية ومواجهة ضغط الأقران.
خامساً، دعم الأسر التي تعاني من الهشاشة، لأن الوقاية تبدأ أحياناً من معالجة الظروف التي تجعل الفرد أكثر قابلية للاستغلال.
سادساً، توجيه الجهد الأمني بصورة أكبر نحو تفكيك الشبكات ومصادر التمويل والتوزيع بدل الاكتفاء بملاحقة المروجين الصغار والمتعاطين.
نحتاج إلى مرصد وطني للمخدرات
ربما حان الوقت لإنشاء مرصد وطني للمخدرات والإدمان يضم الشرطة والصحة والتنمية الاجتماعية والتعليم والقضاء والجامعات، ويعمل وفق قواعد واضحة لحماية الخصوصية.
وجود مثل هذا المرصد سيساعد على الانتقال من رد الفعل إلى التخطيط، ومن التعامل مع الحالات الفردية إلى قراءة الاتجاهات العامة.
فنحن بحاجة إلى معرفة أين تزداد الظاهرة، وبين أي فئات، وما المواد الأكثر انتشاراً، وكيف تتغير أساليب الترويج، وما مدى نجاح برامج العلاج والوقاية.
لا نحول المرأة إلى وصمة
وأخطر ما يمكن فعله في التعامل مع هذه الظاهرة هو تحويلها إلى خطاب لإدانة النساء بصورة جماعية.
ذلك لن يحل المشكلة، وقد يدفع بعض النساء اللواتي يحتجن إلى العلاج إلى إخفاء حالاتهن خوفاً من الفضيحة والوصمة الاجتماعية.
المطلوب هو التمييز بين المساءلة القانونية، والعلاج، والحماية، وإعادة التأهيل.
فالتاجر الذي يبني أرباحه على نشر المخدرات ليس كمن وقع في الإدمان ويحتاج إلى علاج، ومن تعرض للاستغلال ليس كمن يدير شبكة منظمة.
هذه التفرقة ليست تساهلاً مع الجريمة، وإنما شرط لسياسة أكثر فاعلية وعدالة.
من المكافحة إلى الوقاية
المعركة مع المخدرات لا يمكن أن تربحها الشرطة وحدها.
الشرطة تضبط وتلاحق وتفكك الشبكات، والصحة تعالج، والتنمية الاجتماعية تحمي، والتعليم يقي، والأسرة تكتشف مبكراً، والإعلام يرفع الوعي، والجامعات تبحث وتحلل.
المطلوب هو جمع هذه الأدوار في استراتيجية وطنية واحدة بدل التعامل مع الظاهرة كملف أمني منفصل عن بقية مؤسسات المجتمع.
فالوقاية الحقيقية تبدأ قبل أن تصل المخدرات إلى يد الإنسان، وقبل أن تتحول التجربة إلى إدمان، وقبل أن تتحول الحالة الفردية إلى أزمة أسرية.
وأخيراً…
إن حديث العميد لؤي ارزيقات عن مشاركة النساء في تعاطي وترويج المخدرات يجب ألا يمر كخبر أمني عابر، كما لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للوصم أو التخويف.
الأهم أن يكون مناسبة لفتح نقاش وطني جاد حول تغير خريطة المخدرات في المجتمع الفلسطيني.
فوجود النساء في هذه الظاهرة، مهما كان حجمها الفعلي، يطرح أسئلة تتجاوز الأمن إلى الأسرة والتعليم والصحة والاقتصاد والحماية الاجتماعية.
والسؤال الأهم ليس فقط: كم حالة اكتشفنا؟
بل: كيف وصلت هذه الحالات إلى المخدرات، وما الذي يمكن أن نفعله لمنع تكرارها؟
فالمجتمع الذي ينتظر وصول المشكلة إلى الشرطة يكون قد تأخر في الوقاية.
أما المجتمع الذي يبدأ من الأسرة والمدرسة والصحة والعمل والحماية الاجتماعية، ويواجه الشبكات التي تقف خلف تجارة المخدرات، فإنه لا يكتفي بملاحقة النتائج، بل يعمل على تجفيف منابع المشكلة.
وعندما تدخل المرأة إلى عالم المخدرات، فإن الرسالة لا تخص المرأة وحدها؛ إنها رسالة إلى المجتمع كله بأن خريطة المخاطر تتغير، وأن مواجهتها تحتاج إلى وعي جديد، وسياسات أكثر تكاملًا، وتدخل يبدأ قبل فوات الأوان.
- د. عماد سالم – خبير في التعليم والتدريب المهني والتقني وسوق العمل والتنمية والسياسات التعليمية
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.