
جبهة النضال الشعبي الفلسطيني.. من إرث التحرر إلى أفق اليسار الاجتماعي الديمقراطي المتجدد ، بقلم : محمد علوش
حين تدخل جبهة النضال الشعبي الفلسطيني عقدها السادس، فإنها لا تقف أمام محطة زمنية عابرة في سجلها الوطني والنضالي، ولا أمام مجرد استعادة لذكريات التأسيس ومسيرة طويلة من الكفاح والتضحيات، بل تقف أمام تجربة فكرية وسياسية متراكمة، حملت في طياتها قدرة على المراجعة والتطوير والتفاعل مع التحولات الكبرى التي شهدها الشعب الفلسطيني والمنطقة والعالم.
فالأحزاب السياسية الحية لا تقاس فقط بعدد السنوات التي مرت على تأسيسها، ولا بحجم حضورها التاريخي فحسب، وإنما بقدرتها على إنتاج الأفكار، وتجديد أدوات العمل، وامتلاك رؤية قادرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، مع الحفاظ على جوهر المشروع الذي انطلقت من أجله، والتجارب السياسية التي استطاعت الاستمرار لعقود طويلة هي تلك التي أدركت أن الوفاء للمبادئ لا يعني الجمود عند لحظة تاريخية محددة، وأن الحفاظ على الهوية لا يتناقض مع التطور، بل يتطلب دائماً إعادة صياغة الأدوات والبرامج بما ينسجم مع المتغيرات.
لقد ولدت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في مرحلة تاريخية اتسمت بتصاعد حركة التحرر الوطني العالمية، وبروز قوى اليسار التي حملت راية مقاومة الاستعمار والاحتلال والانحياز إلى قضايا الشعوب وحقوق الطبقات الشعبية، ومنذ انطلاقتها، اختارت الجبهة موقعها في قلب الحركة الوطنية الفلسطينية، حاملة مشروعاً سياسياً يقوم على الربط العضوي بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، وبين النضال من أجل إنهاء الاحتلال وبناء مجتمع فلسطيني ديمقراطي تسوده قيم الحرية والمساواة والعدالة.
لقد شكل الانتماء اليساري للجبهة، منذ بداياتها، جزءاً أساسياً من هويتها السياسية والفكرية، ليس باعتباره موقفاً أيديولوجياً مجرداً، وإنما باعتباره انحيازاً واضحاً للإنسان الفلسطيني، لقضايا العمال والفلاحين والفئات الشعبية، ولحق الشعب في بناء مستقبله بعيداً عن الاستغلال والتهميش والتمييز، وقد خاضت الجبهة، خلال العقود الماضية، معارك سياسية ووطنية واجتماعية متعددة، مدركة أن القضية الفلسطينية ليست فقط قضية تحرر من احتلال، بل هي أيضاً قضية بناء مجتمع قادر على صيانة كرامة الإنسان وتحقيق العدالة.
غير أن التحولات الكبرى التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة فرضت على كل القوى السياسية، وفي مقدمتها قوى اليسار، أن تعيد النظر في أدواتها ومفاهيمها وبرامجها، فقد تغيرت طبيعة الصراعات الدولية، وتراجعت نماذج سياسية واقتصادية تقليدية، وظهرت تحديات جديدة تتعلق بالديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية والحقوق الإنسانية، وفي ظل هذه التحولات، أدركت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن التجدد الفكري ليس خروجاً عن التاريخ، بل هو شرط أساسي لاستمرار الدور والتأثير.
ومن هنا جاءت مسيرة المراجعة والتطوير الفكري داخل الجبهة، باعتبارها حاجة موضوعية فرضتها ضرورات المرحلة، لا باعتبارها تراجعاً عن المبادئ أو تخلياً عن الهوية اليسارية، فقد اختارت الجبهة الانفتاح بثقة على الاشتراكية الديمقراطية واليسار الاجتماعي، باعتبارهما إطاراً فكرياً وسياسياً يعيد الاعتبار لقيم الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية، ويضع الإنسان في مركز المشروع السياسي والاجتماعي.
إن هذا التحول يعكس فهماً متقدماً لدور اليسار في العصر الحديث؛ فاليسار لم يعد مجرد منظومة من الشعارات أو المقولات الثابتة، وإنما هو مشروع دائم للدفاع عن الإنسان وحقوقه، ولمواجهة كل أشكال الظلم والاستغلال، وبناء مجتمع تكون فيه التنمية والعدالة الاجتماعية جزءاً أصيلاً من عملية التحرر الوطني، ولذلك فإن الاشتراكية الديمقراطية التي تتبناها الجبهة ليست استنساخاً لتجربة خارجية، ولا نقلاً لنموذج جاهز، بل هي محاولة لصياغة رؤية فلسطينية تقدمية تنطلق من خصوصية الواقع الفلسطيني واحتياجات المجتمع.
ففلسطين تحتاج إلى مشروع سياسي يربط بين مقاومة الاحتلال وبناء الإنسان، وبين النضال من أجل الاستقلال الوطني والنضال من أجل العدالة الاجتماعية، فلا يمكن بناء دولة فلسطينية ديمقراطية حديثة دون معالجة قضايا الفقر والبطالة والتهميش، ودون حماية حقوق العمال والفئات الشعبية، ودون ضمان مشاركة المواطنين في صناعة القرار السياسي، وإن الحرية الوطنية لا تكتمل إلا بحرية الإنسان، والاستقلال السياسي لا يكتمل دون استقلال اجتماعي واقتصادي يضمن الكرامة والعدالة.
وفي هذا السياق، تواصل جبهة النضال الشعبي الفلسطيني جهودها لتكون في طليعة اليسار الاجتماعي في فلسطين، من خلال تقديم مشروع سياسي يتجاوز الأطر التقليدية، ويعيد الاعتبار للبعد الاجتماعي في العمل الوطني، فالمجتمع الفلسطيني اليوم بحاجة إلى يسار يمتلك رؤية واضحة لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ويسعى إلى بناء اقتصاد منتج، وتعزيز دور الطبقة العاملة، وتمكين الشباب والنساء، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وتحويل الشعارات إلى برامج وسياسات عملية.
لقد شهد اليسار الفلسطيني خلال السنوات الماضية حالة من التراجع والتشتت، نتيجة عوامل داخلية وموضوعية متعددة، فقد فقدت بعض القوى قدرتها على التجديد وتقديم إجابات مقنعة على أسئلة المرحلة، فيما انجرفت بعض التجارب نحو اصطفافات سياسية أضعفت استقلاليتها الفكرية والتنظيمية، بينما غابت في مراحل عديدة الرؤية اليسارية الواضحة التي شكلت تاريخياً مصدر قوة وتميز للحركة اليسارية الفلسطينية.
إن أزمة اليسار الفلسطيني ليست أزمة تاريخ أو حضور فقط، وإنما هي أزمة مشروع سياسي واجتماعي يحتاج إلى إعادة بناء على أسس جديدة، فالواقع الفلسطيني، بما يحمله من تحديات الاحتلال والاستيطان والانقسام والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يؤكد الحاجة إلى قوة يسارية ديمقراطية تمتلك رؤية وطنية واضحة، وتستطيع أن تقدم بديلاً حقيقياً يقوم على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون.
ومن هذا المنطلق، تحافظ جبهة النضال الشعبي الفلسطيني على خصوصيتها باعتبارها قوة يسارية وطنية مستقلة، تجمع بين الانتماء الوطني والرؤية الاجتماعية، وبين الدفاع عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني والنضال من أجل بناء مجتمع أكثر عدلاً، وهي تدرك أن مسؤوليتها في المرحلة المقبلة لا تقتصر على الحفاظ على إرثها التاريخي، وإنما تتمثل في تحويل هذا الإرث إلى مشروع حي ومتجدد قادر على التأثير وصناعة المستقبل.
وفي هذا الإطار، تكرس الجبهة جهودها وتحضيراتها لعقد مؤتمرها العام الثالث عشر، باعتباره محطة سياسية وفكرية وتنظيمية مهمة في مسيرتها، وفرصة لمراجعة التجربة وتعميق البناء التنظيمي وتطوير البرامج بما يتناسب مع متطلبات المرحلة القادمة، فالمؤتمر العام ليس مجرد استحقاق تنظيمي دوري، بل محطة لتجديد الرؤية وتعزيز حضور الجبهة في الحياة السياسية الفلسطينية، وتأكيد دورها كقوة ديمقراطية اجتماعية تسعى إلى الإسهام في صياغة مستقبل الشعب الفلسطيني.
كما تستعد الجبهة لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، مستفيدة من تجربتها خلال الانتخابات البلدية والمحلية، التي خاضتها رغم مختلف التحديات والصعوبات، وحققت خلالها نتائج متقدمة عكست حضورها الشعبي وقدرتها على التواصل مع المواطنين وتقديم نموذج انتخابي قائم على الكفاءة والنزاهة والبرنامج الاجتماعي، وتشكل هذه التجربة رصيداً مهماً يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة، من أجل تعزيز المشاركة السياسية وتوسيع قاعدة التأييد الشعبي للمشروع الديمقراطي الاجتماعي الذي تحمله الجبهة.
إن اليسار الذي تحتاجه فلسطين اليوم ليس يسار الماضي فقط، بل يسار المستقبل؛ يسار ديمقراطي اجتماعي إنساني، قادر على الجمع بين الأصالة والتجديد، وبين الوفاء للتاريخ والانفتاح على التحولات العالمية، يسار يؤمن بأن الحرية السياسية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، وأن بناء الدولة الفلسطينية المستقلة لا يكتمل إلا ببناء مجتمع ديمقراطي يحفظ حقوق مواطنيه ويصون كرامتهم.
إن دخول جبهة النضال الشعبي الفلسطيني عقدها السادس يمثل فرصة لإطلاق مرحلة جديدة من العمل الفكري والسياسي، مرحلة تستند إلى الخبرة التاريخية لكنها لا تبقى أسيرة الماضي، وتستلهم التضحيات لكنها تنظر بثقة إلى المستقبل، فالتاريخ لا يصنعه من يكتفون بحراسة الذاكرة، بل من يمتلكون القدرة على تطوير أفكارهم، وقراءة الواقع بوعي نقدي، وصياغة البدائل التي تستجيب لتطلعات الشعب.
إن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وهي تواصل مسيرتها، تحمل إرثاً كبيراً من النضال والتضحيات، لكنها تدرك أن قيمة هذا الإرث الحقيقية تكمن في قدرته على الإسهام في بناء المستقبل، ولذلك فإن خيارها نحو الاشتراكية الديمقراطية واليسار الاجتماعي ليس مجرد تغيير في الخطاب، بل هو تعبير عن رؤية متجددة ترى في الإنسان الفلسطيني جوهر النضال، وفي الحرية والعدالة والديمقراطية أساس المشروع الوطني والاجتماعي القادم.
⦁ محمد علوش – عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.