
الضفة قبل الانتخابات.. الأرض تشتعل والفلسطينيون أمام امتحان المصير ، بقلم : أحمد سليمان
يدخل الفلسطينيون الانتخابات المقبلة في واحدة من أكثر المراحل حساسية، فالاستحقاق الانتخابي هذه المرة لا يأتي في ظروف سياسية طبيعية، بل بالتزامن مع تصعيد متواصل في الضفة الغربية، وتوسع استيطاني، واعتداءات للمستوطنين، واقتحامات واعتقالات وهدم وتهجير وقيود على حركة الفلسطينيين.
ومن هنا لا يمكن التعامل مع الانتخابات باعتبارها مجرد منافسة بين قوائم ومرشحين. فما يحدث في الضفة يضع الانتخابات أمام اختبار أكبر: هل ستكون مجرد إعادة توزيع للمقاعد، أم مدخلًا لإعادة بناء قدرة النظام السياسي الفلسطيني على مواجهة مرحلة تتغير فيها الوقائع بسرعة؟
هذا هو الرابط الحقيقي بين الانتخابات والتصعيد.
كلما ازدادت الضغوط على الضفة، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات فلسطينية قوية وموحدة وذات شرعية شعبية. وكلما توسع الاستيطان وتعقدت الأوضاع في القدس والمناطق المهددة، أصبحت الانتخابات مطالبة بإنتاج قيادة ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار، لا مجرد أسماء جديدة في مواقع قديمة.
ولهذا فإن نجاح الانتخابات لا يُقاس فقط بنسبة المشاركة أو بعدد القوائم، وإنما بما إذا كانت ستساهم في إنهاء حالة الضعف والانقسام واستعادة ثقة المواطن وتوحيد القرار الفلسطيني.
فالضفة لا تحتمل معركة فلسطينية داخلية جديدة في الوقت الذي تواجه فيه هذا التصعيد.
الاختلاف السياسي حق والمنافسة الانتخابية ضرورة، لكن تحويل الانتخابات إلى صراع على الأشخاص والمواقع سيعني إهدار فرصة سياسية مهمة. المرحلة تحتاج إلى تنافس على البرامج: من يمتلك رؤية سياسية للقدس والاستيطان؟ من لديه خطة للمناطق المهددة؟ وكيف ستتم معالجة الاقتصاد والبطالة وأزمة الثقة بالمؤسسات؟
وتتحمل القوى الفلسطينية جميعها مسؤولية تقديم إجابات واضحة. كما تتحمل حركة فتح، بحكم موقعها ودورها التاريخي والسياسي، مسؤولية في معالجة خلافاتها داخل مؤسساتها، وتوسيع المشاركة، وفتح المجال أمام الكفاءات والأجيال الجديدة، والدخول إلى الانتخابات برؤية سياسية تتناسب مع حجم المرحلة.
فالانتخابات وسط تصعيد الضفة يجب أن تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الفلسطينية.
المرحلة تحتاج إلى خطة وطنية للمناطق المهددة بالاستيطان والهدم والتهجير، ودعم منظم وشفاف لصمود سكانها والمزارعين وأصحاب الأراضي، وتحرك سياسي ودبلوماسي وقانوني مستمر بشأن القدس والاستيطان.
وفي الداخل، هناك حاجة إلى ميثاق انتخابي يضمن المنافسة الديمقراطية، ويرفض التحريض والعنف واستخدام المؤسسات العامة في الصراع الانتخابي، ويلزم الجميع باحترام النتائج والاحتكام إلى القانون.
وعلى كل قائمة تطلب ثقة الناس أن تقدم برنامجًا واضحًا لليوم التالي للانتخابات، لأن المواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة أسماء المرشحين، بل إلى معرفة ماذا سيفعلون أمام التحديات التي يعيشها يوميًا.
كما يجب أن يقترن تجديد الشرعية بإصلاح المؤسسات، وشفافية في إدارة المال العام، ومساءلة حقيقية، ومشاركة فعلية للشباب والمرأة والكفاءات في صناعة القرار.
ويبقى إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فالتصعيد في الضفة يجعل الانقسام أكثر كلفة، والانتخابات التي تعيد إنتاجه لن تحقق الغاية من تجديد الشرعية.
لهذا فإن انتخابات 2026 ليست منفصلة عما يجري في الضفة، بل تأتي في قلبه. وقد حُدد يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر موعدًا للانتخابات التشريعية، فيما تمضي لجنة الانتخابات في تنفيذ جدولها الزمني وسط حديث رسمي عن التحديات المرتبطة بإجرائها في القدس وقطاع غزة والقيود الإسرائيلية على العملية الانتخابية.
هذه اللحظة تفرض أن تتحول الانتخابات من سباق على المواقع إلى اختبار سياسي حقيقي: هل يستطيع الفلسطينيون استخدام صندوق الاقتراع لإعادة بناء مؤسساتهم وتوحيد قرارهم في الوقت الذي تتصاعد فيه الضغوط على الضفة؟
السؤال إذن ليس فقط: من سيمثل الشعب؟
بل: أي سياسة سيحملها هذا التمثيل في مواجهة المرحلة المقبلة؟
فالضفة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، والانتخابات لا ينبغي أن تنتج مزيدًا من الانقسام.
حين يتصاعد الصراع على الأرض، تصبح مسؤولية صندوق الاقتراع أكبر. لأن المعركة ليست على المقاعد… المعركة على الأرض.
- أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.