11:27 مساءً / 20 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

أطباء بلا حدود.. أكاديمية التثقيف الطبي والنفسي في مخيمات النزوح، بقلم : شريف الهركلي

أطباء بلا حدود.. أكاديمية التثقيف الطبي والنفسي في مخيمات النزوح، بقلم : شريف الهركلي

حتى عندما تهدأ أصوات الحرب، لا تعود الحياة إلى طبيعتها بالضرورة؛ فالبيوت التي كانت تسكنها العائلات في قطاع غزة تبدلت بخيام، والخوف الذي زرعته الحرب ترك آثاره في النفوس والأجساد. وفي مخيمات النزوح، لا يحتاج الإنسان إلى الدواء وحده، بل يحتاج أيضًا إلى المعرفة التي تحميه، والكلمة التي تطمئنه، والإرشاد الذي يساعده على مواجهة المرض والقلق.

هذه تجربتي مع أطباء بلا حدود في مواصي خانيونس، وتحديدًا مع قسم التثقيف الطبي والنفسي. وجدت في هذا القسم مساحة مهمة للتوعية والإرشاد، من خلال محاضرات دورية يقدمها الطاقم للمرضى والنازحين، مستفيدًا من فترة انتظار المرضى قبل دخولهم إلى العيادات.

فالوقاية جزء أساسي من الرعاية الصحية، وفي ظروف النزوح تصبح المعلومة الطبية الصحيحة وسيلة مهمة لتقليل المخاطر، كما أن الدعم النفسي يساعد الإنسان على التعامل مع آثار الحرب والنزوح والضغوط اليومية.

وهنا أدركت أهمية التثقيف الصحي؛ فالمحاضرة لا تقدم معلومة عابرة، وإنما تمنح الإنسان وسيلة لحماية نفسه وأسرته. الحديث عن النظافة الشخصية والبيئية في ظل الرمال والخيام، والتوعية بالأمراض المنتشرة وأعراضها وطرق الوقاية منها، وتعريف الناس بموعد طلب الرعاية الطبية، كلها أمور قد تساعد في الحد من تفاقم المشكلات الصحية.

ويمتد التثقيف إلى أهمية تطعيمات الأطفال، والاستخدام الآمن للأدوية والالتزام بالإرشادات الطبية، إلى جانب التوعية بمخلفات الحرب والأجسام الخطرة وضرورة الابتعاد عنها. وفي الجانب النفسي، تأتي جلسات الإرشاد والدعم لمساعدة النازحين على التعامل مع آثار الحرب والقلق والضغط النفسي، فيما تمنح الأنشطة الترفيهية الأطفال مساحة للعب والتعبير عن أنفسهم في بيئة أثقلت كاهلهم بالخوف والنزوح.

ولم تقتصر أنشطة التثقيف على فئة عمرية محددة، بل شملت الأطفال والنساء والشباب وكبار السن، انطلاقًا من حاجة المجتمع النازح إلى المعرفة الصحية والنفسية في هذه الظروف الصعبة.

ومن هنا، لم أتعامل مع هذه التجربة باعتبارها خدمة صحية عابرة، بل رأيتها من زاوية أوسع؛ زاوية الإنسان الفلسطيني الذي يعيش النزوح ويحاول أن يحافظ على حياته وكرامته وسط ظروف قاسية. فالحفاظ على صحة النازح، وتوعية أطفاله، ودعم نفسيته، وتعليمه كيف يحمي نفسه من المرض ومخلفات الحرب، كلها تفاصيل تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في حياة الفلسطيني اليوم تعني التمسك بالحياة نفسها.

وأنا، كإعلامي فلسطيني ونازح من غزة، لم أكن أراقب المشهد من بعيد؛ كنت واحدًا من الناس الذين يجلسون على كراسي الانتظار، أستمع وأتعلم وأنقل ما أسمعه إلى محيطي. لذلك أصبحت التجربة بالنسبة لي شهادة أخرى على أن الإنسان الفلسطيني، رغم الحرب والنزوح وفقدان البيت، ما زال يبحث عن المعرفة والعلاج والأمان، ويتمسك بحقه في الحياة.

فالقضية الفلسطينية ليست عنوانًا سياسيًا فقط؛ إنها أيضًا طفل يحتاج إلى تطعيم، وأم تحتاج إلى الإرشاد، ومريض يحتاج إلى دوائه، ونازح يحتاج إلى من يسمعه ويطمئنه. وحين نحمي الإنسان، فإننا نحمي جزءًا من فلسطين.

وهناك أيضًا برنامج «أصدقاء المواصي»، الذي يجمع فريقًا من أطباء بلا حدود مع المخاتير ورجال الإصلاح وشخصيات من مخيمات النزوح، في لقاءات دورية لمناقشة احتياجات النازحين.

هو تواصل متبادل؛ ينقل الفريق رسائل المؤسسة وإرشاداتها إلى المجتمع، وينقل ممثلو المخيمات احتياجات الناس وملاحظاتهم، لتتم مناقشتها وبحث إمكانية تنفيذ البرامج التي تتناسب مع الواقع والإمكانات المتاحة.

كما أُنشئت مجموعة عبر تطبيق واتساب باسم «أصدقاء مواصي أطباء بلا حدود» لتسهيل التواصل وتبادل الإرشادات والمعلومات ومواعيد اللقاءات.

في غزة، لا تكفي معالجة المرض بعد وقوعه؛ فالمعلومة الصحية قد تكون وقاية، والدعم النفسي قد يكون بداية للتعافي، والاقتراب من الناس هو أول أبواب الإنسانية.

اقتربوا من الناس، واصغوا إلى احتياجاتهم، واطرقوا أبواب الإنسانية؛ فلعل نوافذ الإنسانية تُفتح في هذا العالم.

شاهد أيضاً

اسعار الذهب اليوم

اسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت اسعار الذهب اليوم الأحد 20 سبتمبر كالتالي :عيار 22 91.500 دينارعيار 21 …