10:35 صباحًا / 1 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

الضفة حاضرة في الصورة.. غائبة عن الرواية (الجزء الثاني) بقلم : مريم شومان

الضفة حاضرة في الصورة.. غائبة عن الرواية (الجزء الثاني) بقلم : مريم شومان


بأي لغة نتحدث إلى العالم؟


جزء من المشكلة أننا ما زلنا –في كثير من الأحيان– نخاطب العالم كما لو كان يتحدث العربية ويعرف فلسطين كما نعرفها، نكتب منشورا بالعربية عن اعتداء في قرى المغير وأبو فلاح وترمسعيا وكفر مالك وسنجل ودير جرير، وعن هجوم للمستوطنين وقتلهم مواطنين في تل وسرقة أغنام في عصيرة، وهجوم آخر في مسافر يطا، وترحيل مواطنين من الأغوار الشمالية، والاعتداء على مواطن في سيارته على طريق المعرجات، وغيرها من عشرات الأحداث اليومية، ونرفق صورا مؤثرة ثم نتوقع أن يؤدي المحتوى وظيفته الدولية تلقائيا، لكنه يصل أساسا إلى فلسطينيين وعرب على أبعد تقدير، وإلى جمهور لا يعرف أصلا أين تقع نابلس على سبيل المثال، وما معنى مستوطن أو حاجز أو منطقة “ب”.


أما الجمهور الذي نريد أن نؤثر فيه فعلا فقد لا يعرف شيئا من ذلك، والرواية الفلسطينية إذا أرادت أن تكون عالمية يجب أن تتحدث بلغات العالم.
إذن؛ نحتاج إلى ترجمة الرواية لا الكلمات فقط.


مهم أن نشرح المكان لمن لا يعرفه، والسياق لمن لم يعشه، وأن نقدم الأرقام في صورة يمكن فهمها سريعا ونربط القصة الفردية بالصورة الأوسع دون تحويل الإنسان إلى مجرد رقم او مادة دعائية.


حين تُقتلع شجرة زيتون مثلا لا يكفي نشر صورة الشجرة، يمكن أن نخبر الجمهور لمن تعود وكم عمرها، وما الذي تعنيه للعائلة، وما مساحة الأرض وما الذي حدث فيها، ثم نربط القصة ببيانات تدمير اكثر من 45 ألف شجرة خلال ستة أشهر، عندها تتحول الصورة من مشهد عابر إلى قصة قابلة للفهم والتذكر.


لدينا اليوم شيء لم يكن متاحا للأجيال السابقة بهذا الحجم؛ آلاف الكاميرات موزعة في كل مكان تقريبا، المواطن صحفي محتمل، والهاتف أداة توثيق والمنصات تمنح إمكانية الوصول نظريا إلى ملايين الأشخاص، ولدينا صحفيون ونشطاء ومؤثرون وصفحات ومؤسسات وحسابات موثقة يتابع بعضها مئات الآلاف أو الملايين.
هذه قوة هائلة، لكنها لا تتحول إلى تأثير بمجرد وجودها.


نحن نكتب بلغة يعرفها الفلسطيني ونستخدم إشارات ومصطلحات يفهمها الفلسطيني، ونخوض نقاشات داخلية تستنزف مساحة واسعة من المجال الرقمي الفلسطيني، وفي أوقات التوتر تتحول بعض المنصات إلى ساحات تراشق واتهامات وانقسامات بينما تتراجع القصة التي يفترض أن تصل إلى الخارج.


الأخطر هو انتشار حسابات وصفحات مجهولة أو حديثة الإنشاء تقدم نفسها أحيانا باعتبارها مصادر للمعلومات أو منصات عامة، بينما تركز نشاطها على الهجوم والتحريض وتغذية الانقسام، وهنا لا يمكن اتهام كل حساب مجهول بأنه جزء من عملية منظمة ولا ينبغي بناء استنتاجات بلا أدلة، لكن يمكن القول بثقة إن البيئة الرقمية الفلسطينية المشوشة والمنقسمة بيئة مثالية للتضليل، بغض النظر عن الجهة التي تقف خلفه.


حين تصبح الشائعة اسرع من الخبر والاتهام أكثر انتشارا من المعلومة والتراشق الداخلي اكثر جاذبية للخوارزميات من المحتوى الموثق، فإننا لا نخسر فقط نقاشنا الداخلي بل نضعف قدرتنا على تقديم رواية متماسكة إلى الخارج، وهنا تصبح التوعية ضرورة يومية؛ التحقق قبل المشاركة، السؤال عن مصدر الصفحة، الانتباه إلى تاريخ إنشائها وسلوكها وعدم تحويل كل منشور مجهول إلى مادة للنقاش الوطني، ليس كل ما يظهر على الشاشة يستحق أن نمنحه جمهورا.


نحتاج إلى مرجعية معلوماتية موثوقة وسريعة، تستطيع أن تقول خلال وقت قصير: ماذا حدث؟ أين؟ متى؟ ما المصادر؟ ما الصور التي تم التحقق منها؟ ما الأرقام؟ وما الخلفية التي يحتاجها الصحفي أو المتابع لفهم الحدث؟


هذا النوع من العمل يحدّ من الشائعات ويقلل مساحة الأخبار المضللة والمغلوطة ويوفر أساسا مشتركا يستطيع الصحفي والناشط والمؤسسة البناء عليه كل بلغته وأسلوبه، فالفراغ المعلوماتي لا ينتظر بياناتنا المتأخرة، تملؤه الشائعة والمقطع المجتزأ والحساب المجهول والرواية الإسرائيلية الجاهزة.


تملك فلسطين بالفعل بنبة تحتية رقمية بشرية لا يُستهان بها: حسابات موثقة، مؤسسات إعلامية، صحفيين، مؤثرين، مصورين، باحثين، أكاديميين، ناشطين في الداخل والشتات، وصفحات يصل محتواها إلى جماهير كبيرة، فلماذا لا تتحول هذه البنية إلى شبكة تأثير؟


ليس المقصود إنشاء منصة مركزية تتحكم بما يقوله الجميع، بل بناء منظومة توفر للجميع ما يحتاجونه: مواد موثقة، بيانات محدثة، صورا وفيديوهات قابلة للاستحدام، خرائط وانفغرافيك، ترجمات سريعة، قصصا إنسانية، وقوائم اتصال مع صحفيين ومؤسسات وفاعلين حول العالم.


يمكن أن تكون هناك غرفة رقمية دائمة تعمل على مدار الساعة، ترصد ما يحدث وتتحقق من المواد، تحدد القصص التي تحتاج إلى دفع دولي وتعيد إنتاجها بالإنجليزية والإسبانية والفرنسية والصينية وغيرها ثم توزعها عبر شبكة من الحسابات والمؤسسات والأفراد.


وعندما يقع اعتداء في قرية أو مدينة أو مخيم أو على شارع لا ينبغي أن تبدأ العملية من الصفر.


خلال ساعات يجب أن تكون هناك مادة موثقة وخريطة تحدد المكان وشرح مختصر للسياق وشهادة من الميدان وبيانات مرتبطة بالحدث ونُسَخ بلغات متعددة ومواد جاهزة للصحفيين وصنّاع المحتوى ورسائل مختلفة تناسب المنصات والجماهير المستهدفة. هذا ليس ترفا إعلاميا، هذه هي طبيعة الاتصال السياسي في عصر المنصات.


فالمعركة على الرواية لا تُربح بمنشور واحد ولا بحملة تبدأ بعد الاعتداء وتنتهي بانتهاء الاهتمام به، إنها عمل تراكمي يحتاج إلى مؤسسة وذاكرة وبيانات وشبكات بشرية وخطة طويلة النفس.


فالفراغ الذي لا نملؤه بصوتنا لن يبقى فارغا، سيملؤه آخرون بتفسيرهم لما يحدث وقد تملؤه دولة الاحتلال بروايتها الجاهزة قبل أن تبدأ روايتنا، وحينها لن تكون المشكلة أن العالم لم يرَ الصورة، فقد تكون الصورة أمامه بالفعل لكنه رآها داخل قصة كتبها آخرون.

شاهد أيضاً

روسيا تتوج فضية منافسات الفرق ضمن بطولة أوروبا للألعاب المائية

روسيا تتوج فضية منافسات الفرق ضمن بطولة أوروبا للألعاب المائية

شفا – حصل المنتخب الروسي على الميدالية الفضية لمسابقة الغوص للفرق، وذلك ضمن فعاليات بطولة …