
حين يختلف القادة .. لا ينبغي أن تنقسم القاعدة ، بقلم : الصحفي سامح الجدي
في كل حركة كبيرة، وفي كل مشروع وطني بحجم مشروع حركة فتح، لا يمكن أن تكون الآراء متطابقة، ولا أن تكون الرؤى واحدة في كل التفاصيل. فالاختلاف في الرأي ليس عيبًا، بل قد يكون أحيانًا دليلًا على حيوية المؤسسة، ونضج التفكير، واتساع مساحة الاجتهاد.
لكن المشكلة لا تبدأ من اختلاف الرأي، وإنما تبدأ حين يغادر الاختلاف مكانه الطبيعي، وحين يخرج من غرف النقاش إلى ساحات الاصطفاف، وحين تتحول التباينات بين القيادات إلى انقسامات في صفوف القواعد.
ومن خلال ما نقرأه ونراه من مداخلات وتعليقات أبناء فتح، وما يدور في فضاء التواصل الاجتماعي، يلحظ البعض وجود تباينات في وجهات النظر داخل اللجنة المركزية، وربما خلافات في بعض الملفات والمواقف.
وسواء كانت هذه الصورة دقيقة في تفاصيلها أم كانت بعض جوانبها مبالغًا فيها، فإن مجرد انتشارها بهذا الشكل يبعث القلق في نفوس أبناء الحركة، ويؤثر في صورتها أمام جمهورها، ويضعف ثقة البعض بها، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى حركة متماسكة، قوية، قادرة على استقطاب أبنائها واستعادة من ابتعدوا عنها، وفتح أبوابها أمام أجيال جديدة، لأن المعركة الوطنية طويلة، والطريق إلى الحرية والاستقلال لا يزال يحتاج إلى كل طاقات شعبنا.
لكن الخطر الأكبر ليس في أن يختلف القادة، وإنما في أن يصبح لكل قائد جمهور داخل الحركة، ولكل رأي اصطفاف، ولكل موقف أتباع.
فإذا أصبح هذا مع فلان، وذاك مع فلان، وهذا يدافع عن رؤية، وذاك يخاصم من أجل موقف، فإننا لا نعود أمام اختلاف في الرأي، بل أمام بداية تشكل اصطفافات قد تتسع مع الوقت، وتتحول إلى خطوط متقابلة، ثم إلى جدران تفصل أبناء الحركة عن بعضهم بعضًا.
وهنا يبدأ الشرخ الحقيقي. فالحركات لا تُضعفها كثرة الآراء، وإنما يُضعفها أن تتحول الآراء إلى معسكرات، وأن يصبح الولاء للأشخاص مقدمًا على الولاء للحركة، وأن يتقدم الانتماء إلى الفرد على الانتماء إلى الفكرة والمشروع.
ومن هنا، فإنني أهيب بأبناء فتح جميعًا ألا ينجروا خلف أي اصطفاف شخصي، وألا يسمحوا لأنفسهم بأن يكونوا وقودًا لأي خلاف، وألا يحملوا إلى القواعد ما يجب أن يبقى في إطار النقاش القيادي والمؤسسي.
كما أهيب بإخوتنا في القيادة أن يدركوا أن الكادر الفتحاوي ليس ملكًا لأحد، وأن أبناء الحركة ليسوا ساحات لتصفية الاختلافات، ولا أدوات لتثبيت النفوذ، وأن استقطاب الكوادر إلى جانب هذا أو ذاك لا يصنع قوة، بل يضعف البيت من الداخل.
فالقيادة الحقيقية ليست أن يكون لك أتباع، وإنما أن يكون لك موقف، وأن تكون قادرًا على إقناع الآخرين به داخل المؤسسة، وأن تحترم القرار حين يصدر، حتى لو لم يكن هو الرأي الذي كنت تتبناه.
إن الاختلاف داخل غرفة القرار حق، بل ضرورة أحيانًا، لكن القرار حين يُتخذ بصورة مؤسسية يصبح مسؤولية الجميع. فمن حقك أن تعارض داخل الاجتماع، وأن تدافع عن رأيك بكل قوة، ولكن حين يُحسم الأمر، يجب أن يقف الجميع خلف القرار، لأن المؤسسة لا يمكن أن تعمل بعقلية “أنا مع القرار إذا وافق رأيي، وضده إذا خالفه”.
وهنا تكمن قيمة الانضباط التنظيمي. فالاختلاف يجب أن يكون طريقًا إلى القرار، لا طريقًا إلى الانقسام. ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث داخل أي قيادة هو أن تتعدد الآراء قبل القرار، ثم تتوحد المواقف بعده.
فالقضية الفلسطينية ليست قضية بسيطة حتى تُدار برأي واحد، ولا المرحلة التي نعيشها تحتمل عقلًا واحدًا أو رؤية واحدة. نحن أمام قضية معقدة، تشابكت فيها السياسة بالجغرافيا، والمصالح الدولية بالصراع الوطني، والاحتلال بالحسابات الإقليمية والدولية.
والقضايا المعقدة تحتاج إلى أكثر من عقل، وإلى أكثر من رؤية، تمامًا كما يحتاج المريض الذي يعاني من مرض صعب إلى “كونسلتو” من الأطباء، يستمع كل منهم إلى الآخر، ويقدم تشخيصه، ثم يتفقون على أفضل سبل العلاج.
لذلك، لا أخشى من اختلاف الرأي، وإنما أخشى من اختلاف القلوب. لا أخشى من النقاش، وإنما أخشى من أن يتحول النقاش إلى خصومة. لا أخشى من تعدد الرؤى، وإنما أخشى من أن تتحول الرؤى إلى خنادق.
وعلى قيادتنا أيضًا أن تنتبه إلى خطورة نقل التباينات إلى الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فليس كل ما يُقال في الغرف المغلقة يصلح أن يكون مادة للنشر، وليس كل اختلاف يحتاج إلى جمهور يتابعه، وليس كل معركة داخلية يجب أن تُخاض أمام الناس.
إن الهيبة الحقيقية للقيادة لا تأتي من إخفاء الاختلاف، وإنما من حسن إدارة الاختلاف، ومن القدرة على إبقاء الخلاف في مكانه الصحيح، ومن تقديم صورة قيادة تختلف في التفاصيل، لكنها تتفق على الثوابت والهدف والاتجاه.
ومع ذلك، فإن ضبط الاختلاف لا يعني الصمت أمام الخطأ، ولا يعني أن يتحول الانضباط إلى صمت، أو أن يصبح الالتزام ذريعة لتعطيل النقد.
فحين يتعلق الأمر بمصلحة الشعب والوطن والحركة، فإن رفع الصوت في وجه الخطأ قد يصبح واجبًا، ولكن يجب أن يكون صوتًا للإصلاح، لا صوتًا للانتقام؛ وصوتًا لحماية الحركة، لا وسيلة لهدمها.
أما أبناء الحركة، فعليهم أن يتذكروا دائمًا أن فتح أكبر من الأشخاص، وأبقى من المواقع، وأوسع من الخلافات.
نحن لم ننتم إلى فتح من أجل فلان أو علان، ولم نحمل رايتها بحثًا عن موقع أو مكسب، وإنما انتمينا إليها لأنها حملت حلم الوطن، واحتضنت فكرة التحرر، وكانت على امتداد تاريخها جزءًا أصيلًا من مسيرة شعبنا نحو الحرية والاستقلال.
لذلك، فلنكن مع فتح أولًا.
مع مؤسساتها.
مع نظامها.
مع قرارها الجماعي.
مع وحدتها.
ولنترك للأطر القيادية مساحة الاختلاف والنقاش والاجتهاد، دون أن نسمح لهذا الاختلاف بأن ينزل إلى القاعدة في صورة اصطفافات وانقسامات.
كما علينا أن نكون أكثر وعيًا بما يحاك للحركة، وبما يبثه المتربصون بها من إشاعات وأكاذيب، وما يلفقونه من تصريحات ومواقف على ألسنة قياداتها وأبنائها، بهدف إشعال الفتنة وتوسيع مساحة الشك وتعميق الجراح.
فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل ما يُقال يستحق أن نصدقه، وليس كل خلاف يحتاج إلى أن نكون طرفًا فيه.
فلنحفظ فتح من خلافاتنا، ولنحفظ خلافاتنا داخل مؤسسات فتح.
ليختلف القادة كما يشاؤون داخل غرف القرار، وليتعدد الرأي والاجتهاد، ولكن حين يُغلق باب النقاش ويُتخذ القرار، يجب أن يُفتح باب العمل، وأن تتوحد الصفوف.
فالحركة التي تتسع للاختلاف، ولا تسمح له بأن يتحول إلى انقسام، هي حركة قوية.
والقيادة التي تختلف ثم تتوحد، هي قيادة مسؤولة.
والقاعدة التي لا تتحول إلى أتباع للأشخاص، بل تبقى وفية للحركة والمشروع، هي القاعدة التي تحمي فتح من كل عاصفة.
حفظ الله فتح، وحفظ وحدتها، وجمع على الخير قلوب أبنائها، ووفق قيادتها وأبناءها لخدمة شعبنا وقضيتنا ووطننا.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.