3:53 مساءً / 19 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

حين تلد الجغرافيا قصيدة: محمد عبد الحفيظ الهادي يفك شفرات الكلمة والموقف

حين تلد الجغرافيا قصيدة: محمد عبد الحفيظ الهادي يفك شفرات الكلمة والموقف

شفا – حين تلد الجغرافيا قصيدة: محمد عبد الحفيظ الهادي يفك شفرات الكلمة والموقف
حوار:عطا درغام

لا يكتب ليزجي الوقت، بل ليرمم تصدعات الروح والوطن. في شعره، تتحول الحروف إلى تضاريس يمنية صلبة، وتصبح القافية صرخة في وجه النسيان. محمد عبد الحفيظ الهادي، الشاعر الذي لم يقف يومًا على حياد بين الحبر والدم، بل جعل من قصيدته مرآة لزمن التحولات الكبرى. نلتقي به في هذا الحوار لنبش المسكوت عنه في تجربته الإبداعية، ولنفهم كيف يعيش الشاعر مأساة أرضه ومجدها خلف متاريس الكلمات.

المحور الأول: الأسئلة الوجدانية والبيئة الناشئة

س1: إذا كانت القصيدة الأولى مخاضًا، فما الذي مات فيك لكي تولد أولى أبياتك؟

لكي يولد أول بيت شعر أصيل، لا بد أن يموت جزء من اليقين البارد؛ يموت الصمت العادي والتعامل السطحي مع الأشياء. ما مات فيّ لحظتها هو ذلك الإنسان الذي يكتفي برؤية الحياة كأحداث عابرة لا تعنيه، ليولد مكانه الشاعر الذي يتشرب الألم الكوني ويستشعر نبض الوجود في حركته وسكونه.

س2: تضاريس اليمن قاسية وملهمة؛ كيف انطبعت خشونة الجبل ورقة الوديان على البناء الإيقاعي لقصائدك؟

اليمن ليست مجرد جغرافيا، بل هي ملحمة منحوتة في الصخر والغمام. خشونة الجبال الأبية زرعت في أوزاننا صلابة البحور الجزلة وصمودها، بينما أوديتها الخضراء ونداوة هوائها منحتا القافية رقة النسيم وعذوبة الجرس. الإيقاع هنا ليس تمرينًا عروضياً، بل هو صدى طبيعي لخطى اليمني وهو يرتقي ذرى الجبال أو ينحدر مع السواقي مطارداً طيف الحلم.

س3: في لحظات الصمت المطلق بعيدًا عن ضجيج المعارك والسياسة، من هو محمد عبد الحفيظ الهادي الذي لا يعرفه القراء؟

بعيدًا عن منابر الشعر وصخب السياسة، أنا إنسان أبسط بكثير مما تتخيل؛ أب يراقب بقلب ملؤه الخوف والرجاء خطوات أبنائه، ومواطن يتأمل تفاصيل الحياة اليومية بصمت، يجد أنسه في خلوة مع فنجان قهوة وكتاب نحو أو ديوان قصيد، أو في تأمل تفاصيل بسيطة تمنح الروح طمأنينتها المفقودة.

س4: هل تشعر أحيانًا أن اللغة تضيق بمأساة اليمن، وأنك بحاجة إلى أبجدية لم تخترع بعد؟

أحيانًا كثيرة، نعم. تشعر أن المعاجم التقليدية تقف عاجزة أمام فداحة المأساة، وكأن اللغة أصبحت أضيق من أن تحتمل حجم النزف. وكثيراً ما عانيت من هذا الضيق أمام مجازر غزة وفجائع الطفولة فيها. لكن العزاء يظل في أن الشاعر الحق هو من يُنطق المفردة بما لم تكن تعرفه، ويبعث فيها روحًا جديدة تلامس ذلك البعد العصي على الوصف.

س5: متى تحولت القصيدة عندك من “موهبة تُستعرض” إلى “مسؤولية يُحاسب عليها المرء”؟

تحولت القصيدة من مجرد زهو بالموهبة إلى تكليف وثقيل أمانة يوم أدركت أن الكلمة في زمن الانكسار قد تضيء طريقًا أو توقظ ضميرًا، وأن الشاعر يُسأل أمام ربه وضميره وشعبه عن كل حرف يخطه: هل كان سيفًا للحق أم معولاً للفرقة؟

المحور الثاني: أسئلة الموقف وشعرية الالتزام

س6: يرى البعض أن “شعر الالتزام السياسي” يفقد بريقه الجمالي لصالح المباشرة؛ كيف تنجو بقصيدتك من فخ الخطابية والمنشور الحزبي؟

النجاة تكمن في الجماليات الفنية؛ فالشعر يرتكز على التصوير، والرمز، والمجاز، لا على تقريرية الشعار السياسي المباشر. حين تصنع من الموقف الوطني لوحة فنية تنبض بالحياة، فإنك تلامس وجدان المتلقي دون أن تشعر كأنك تلقي عليه خطبة منبرية.

س7: عندما تقارن بين جراح الحاضر وجراح التاريخ (كما في استدعائك للطف والمظلوميات)، هل ترى الحاضر تكرارًا للماضي أم امتدادًا مشوهًا له؟

الحاضر اليمني ليس سوى امتداد دراماتيكي لجراح التاريخ وتجاربه المتكررة؛ إنها ذات المأساتين تتطابق فصولهما، وذات الخذلان الممتد عبر العصور، مع اختلاف الأسماء والوجوه، مما يجعل الشاعر كمن يقرأ كتابًا قديمًا يُكتب بحبر جديد.

س8: كتبتَ للصمود والمقاومة؛ هل خذلتك الكلمة يوماً في لحظة انكسار، أم أن الشاعر لا ينكسر؟

الكلمة لا تخذل من يؤمن بها، لكن طاقة الكائن البشري هي التي تئن أحيانًا تحت وطأة العبء. الشاعر ينكسر كأي إنسان من لحم ودم، لكنه يمتلك تلك الكيمياء العجيبة التي تحول الدموع والكسور إلى قصيدة تقاوم السقوط. وأكثر ما شعرت فيه بخذلان الكلمة—التي تمنيت أن تلبي حجم ما أحمل من الألم وأكتنز من الحزن—كان عندما كتبت عن رحيل سيد المقاومة العربية السيد حسن نصر الله (سلام الله عليه).

س9: في قصيدتك “شعب لدى الهيجا يصول ويصطلي”، هل كنت تصف واقعًا تراه أم كنت تصنع بالكلمات واقعًا تتمناه؟

في مثل تلك الأبيات، كنت أزاوج بين الأمرين: أصف جسارة واقع أراه رأي العين في بسالة الإنسان اليمني وعزيمته، وذلك في معركة “ذات السلالم” على حدود الأعداء، وفي الوقت ذاته أصنع بالكلمات أفقًا أتمناه وأدعو إليه؛ فالشعر استشراف وبناء للمعنويات وليس مجرد فوتوغرافيا جامدة.

س10: كيف يتعايش الشاعر بداخلك مع “الرقيب الذاتي” في زمن الاستقطابات الحادة؟

الرقيب الأكثر قسوة ليس رقيب الخارج، بل هو الضمير الحي للشاعر. في زمن الاستقطابات الحادة، يكون التحدي الأكبر هو النأي بالقصيدة عن التمحل الحزبي الضيق، لتظل منبرًا أوسع وأنقى يمثل الحقيقة والإنسان اليمني فوق كل الاعتبارات.

المحور الثالث: أسئلة الصنعة والمختبر الشعري

س11: تقف بحزم على أرض الشعر العمودي والتفعيلة؛ هل ترى في الأشكال الحداثية (كقصيدة النثر) عجزًا عن حمل القضايا الكبرى أم مجرد خيار جمالي آخر لا يشبهك؟

لست ممن يُغلقون الباب في وجه أي شكل إبداعي حقيقي. قصيدة النثر خيار جمالي لمن يحسنه، لكنني أجد روحي ونبضي وهويتي في فضاء الشعر العمودي والتفعيلة؛ فهناك تسكن الموسيقى التي ورثتها الروح وتطرب لها الجذور، ومع ذلك فلدي تجارب كثيرة في هذا المجال.

س12: كيف تولد القصيدة لديك؟ هل تبدأ من فكرة عقلية تبحث عن وزن، أم من لحن داخلي (دندنة) يبحث عن كلمات؟

دائماً تبدأ القصيدة من لحن خفي أو دندنة داخلية تهز الوجدان، وكأنها نغمة مبهمة تبحث عن جسد. تأتي الكلمات لاحقًا لتلبس هذا اللحن، بينما يتولى العقل بعد ذلك تهذيب البناء وضبط إيقاعه العروضي. وحينما تفرض عليك القصيدة من قبل جهة ما، أو يحدها زمن ضيق وتكون مشاعرك بعيدة عن جوها، تتحول إلى مجرد ناظم يرتب المفردات وينظمها في خيط عروضي فحسب.

س13: في شعر الرثاء الخاص بك, كيف تفصل بين حزنك الشخصي كإنسان، ومتطلبات النص الإبداعي كشاعر؟

في شعر الرثاء، أترك العنان للدمع في البداية حتى يستقيم الوجد، لكنني حين أمسك بالقلم، يتحول الحزن إلى مادة خام يتعامل معها الإبداع بحرفية وصنعة، بحيث لا يتحول النص إلى بكائية مملة، بل إلى عمل فني خالد يحفظ ملامح الفقيد ونبل سيرته.

س14: هل هناك بيت شعر لشاعر آخر تمنيت لو أنك أنت من كتبه لأنك شعرت أنه يمثلك تمامًا؟

هناك الكثير من الأبيات الخالدة في تاريخنا العربي وفي حاضره. وعلى العموم، جل الشعراء يستعذبون من غيرهم ما لا يستعذبون لأنفسهم؛ فالشعر من الغير كمثل الملابس، تراها على غيرك أجمل مما هي عليك. ولا أستطيع حصر أبيات بعينها لكثرتها، إلا أنني أذوب في شعر المتنبي، والشاعر اليمني الهبل، والشاعر عبد الرحيم البرعي، وغيرهم من درر الجمال التي تشعر أن قائلها قد لخص فيها تجربة إنسانية كاملة بأعجوبة بليغة.

س15: الشطب والتعديل هما مقبرة وميلاد القصيدة؛ ما هي أكثر قصيدة أرهقتك في مخاضها ولماذا؟

أكثر القصائد إرهاقًا هي تلك التي تحمل هاجسًا وطنيًا كبيرًا وتأبى القافية أن تسلس القياد فيها إلا بعد عنت؛ حيث يقف الشاعر بين حرارة الشعور وبرودة الصنعة حتى يستقيم الوزن والمعنى على أكمل وجه.

المحور الرابع: أسئلة المثقف والجمهور والمستقبل

س16: تشارك بكثافة في الأمسيات والفعاليات؛ هل جيل الشباب الحالي ما زال ينصت للشعر بنفس شغف الأجيال السابقة، أم أن “السوشيال ميديا” اختطفت ذائقتهم؟

صحيح أن وسائل التواصل أفرزت سرعة في التلقي وأضعفت أحيانًا القدرة على الإنصات الطويل، لكنني أؤمن أن الشعر الأصيل يفرض نفسه دائمًا. الشباب اليوم لا يزالون يتفاعلون بصدق مع الحرف الصادق إن وجدوا إليه سبيلاً.

س17: لو قُدّر لقصائدك أن تُترجم إلى لغة أخرى، ما هو الإحساس اليمني الخالص الذي تخشى أن يضيع في الترجمة؟

أكثر ما أخشى ضياعه في الترجمة هو ذلك “الشجن الدفين” وروح الكبرياء الممزوجة بالصبر والمرارة، وهي كيمياء خاصة جداً لا تمنحها إلا البيئة اليمنية بتركيبتها الفريدة.

س18: متى يشعر محمد عبد الحفيظ الهادي بالهزيمة أمام ورقة بيضاء؟

أشعر بالهزيمة حين يمتلئ صدري بالكلمات، ويضيق حولي الأفق، ثم تفشل لغتي في نقل الحقيقة كما أودها، فتقف الورقة البيضاء صامتة وكأنها تتحدى عجزي المؤقت.

س19: يقال إن “الشاعر نبي مبعوث من قومه”؛ ما هي النبوءة التي تقرأها لليمن في قادم الأيام ولم تكتبها في قصيدة بعد؟

لو كتبت نبوءة اليمن في بيت لقلت إن عتمة الليل مهما طالت فإن فجر الخلاص آتٍ لا محالة، وإن هذا الشعب الذي استنبت الحياة من بين الصخور قادر على بناء غده المشرق بعيدًا عن مكائد الأعداء.

س20: كيف تنظر إلى النقد الأدبي في اليمن اليوم؟ هل تراه منصفًا لتجربتك أم أنه غارق في المجاملات أو الخصومات؟

النقد الأدبي في مشهدنا المعاصر يعاني إما من غفلة ومجاملات، أو من أحكام متسرعة تحكمها الخصومات. ويبقى النقد المنصف والمحايد عملة نادرة نحتاج إليها بشدة لتصحيح المسار وإبراز الجواهر الحقيقية.

المحور الخامس: أسئلة الفلسفة والمصير

س21: إذا كان الحبر دمًا باردًا، متى يسخن حبرك إلى درجة الغليان؟

يسخن الحبر إلى درجة الغليان حين يلامس الظلم، أو حين يرى الشاعر براءة الأطفال تُزهق، أو حين يعبث العابثون بكرامة الوطن ومقدراته.

س22: ما هي الأسطورة أو الشخصية التاريخية التي تشعر أنها تسكنك وتتحدث بلسانك في كثير من نصوصك؟

تستهويني شخصيات الصبر والتحدي التاريخية، وتلك التي تحمل هم الأمة وتصنع مجدها من العدم؛ فكثيرًا ما يتسرب صدى الإباء والشموخ من تلك السير إلى ثنايا الحرف، كمثل الشاعر البردوني، والشاعر أحمد مطر، وأبو القاسم الشابي وأمثالهم.

س23: لو أُتيح لك أن تمحو قصيدة واحدة من تاريخك الشعري لأنك لم تعد تؤمن بمضمونها اليوم، فما هي؟

لا توجد قصيدة أتمنى محوها تمامًا، فكل نص كتبته كان يمثل مرحلة شعورية وفكرية عشتها بصدق في لحظتها، حتى وإن تغيرت الرؤى مع نضج التجربة.

س24: كيف تريد لطلاب الأدب بعد خمسين عامًا من الآن أن يعرّفوا تجربة محمد عبد الحفيظ الهادي في سطر واحد؟

أتمنى أن يُقال في تعريف هذه التجربة بعد خمسين عامًا: “شاعر عاش وفيًا لقضايا أمته ووطنه، فنسج من وجع اليمن وجمالها قصائد تنبض بالصدق والجمال والإباء”.

س25: أخيرًا.. إذا كان اليمن هو السؤال، فما هي قصيدتك التي تمثل الإجابة؟

إذا كان اليمن هو السؤال المعقد، فإن قصيدتي التي تمثل الإجابة هي كل بيت ينحاز للإنسان، وللحق، وللحياة، ويثبت أن هذا الشعب باقٍ بقاء الجبال، لا تمحوه النوائب ولا تنال من عزيمته العواصف. وبهذا الميزان العروضي والوجداني، يبقى الحرف اليمني شهيد العصر وشاهده الأمين.

شاهد أيضاً

مروان أغبر

فخ النوايا والنتائج: من يدفع ثمن إعادة رسم الشرق الأوسط؟ بقلم: مروان اغبر

فخ النوايا والنتائج: من يدفع ثمن إعادة رسم الشرق الأوسط؟ بقلم: مروان اغبر شهدت القاهرة …