7:36 مساءً / 29 يوليو، 2026
آخر الاخبار

نظرة سريعة على التحولات في اتجاهات الشغف ومنسوبه لدى العائلة واليافعين في الضفة الغربية ، بقلم : دكتور غسان عبد الله

نظرة سريعة على التحولات في اتجاهات الشغف ومنسوبه لدى العائلة واليافعين في الضفة الغربية ، بقلم : دكتور غسان عبد الله

دراسة ميدانية عبر عينة عشوائية طيارة

عند كل تسارع وتفشي مصادر الضغوطات السيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية المتنوعة، والتي تطال كافة فئات مجتمعنا دون فارق يذكر بين الجنس، الدين، المستوى الاقتصادي، الخلفية التعليمية والمستوى الثقافي لهذه الفئات، تجدني أعمد وعن قصد الى الاحتكاك ببعض من ممثلي هذه الفئات بواسطة الحديث والحوار معهم بعد اختيار عينة عشوائية طيارة، كي استنبط ردود مشاعرهم حيال ما جرى ويجري من ممارسات فظّة، من قبل القوة القائمة بالقوة مباشرة أو شركائها، لهدف بات لا يخفى على أحد، وفق ما صرّح به مسؤول كبير لدى هذه القوة القائمة: مزيدا من الضغط لهدف التسريع في الهجرة الطوعية للمواطنين الفلسطينيين عن هذه الأرض، الموطن الأصلي والذي لا بديل له عنها .


وجدت أن أفضل وسيلة لقياس أثر تلك الضغوطات المتنوعة، هو فحص منسوب وتحولات الشغف لدى عينة طيّارة عشوائية من فئة اليافعين الفلسطينيين، شملت معظم الفئات التي ذكرتها أعلاه وعدة عائلات ممن استطعنا الوصول اليها، أيضا بشكل عشوائي.

بدابة، أجد لزاما عليّ التعريف وباختصار شديد ما المقصود ب مصطلح الشغف Passion من ناحية سيكولوجية: هي حالة طبيعية تعيشها كل الكائنات الحيّة: بشر، حيوان ، وشجر للتعبير عن مشاعرهم حيال وضع جديد، لم يألفوه من قبل قد تسبّب لهم حالة من الشعور بالإرهاق / الاحتراق النفسي والجسدي، جراء تزايد مصادر الضغوطات التي أشرنا لها أعلاه : دون أن تتلقى أية شكل من أشكال عمل المهتمين من خبراء ومختصين ومقدمي الخدمات، وبالتالي تقود في أبسط الحالات الى الشعور بالروتين القاتل ، ومحاولة التأقلم أو الاندفاع الي اتخاذ عمل/ سلوك سلبي لا يحمد عقباه جراء الجهل بالدوافع التي تقف وراء ممارسة مثل تلك الضغوطات .
أما في حالة توفير مصادر للتنوير والتعبئة بأهداف الفاعل، ما خفي منها وما بطن، فقد تصبح هذه الضغوطات بمثابة محطات شحن للهمم والطاقات الفاعلة لمواجهة النوايا الخبيثة للفاعل، كونها تعمل كجرس انذار لمستقبل الوجود والاستقرار واحداث التنمية المنشودة، على طريق انجاز الهدف الأكبر المنشود والعيش كما تعيش بقية البشر في ظل كرامة وهدوء و راحة بال، عندها تبدأ عملية إعادة ترتيب الأولويات ، بعد نفض الغبار عن الكسل والإذعان، ورفض القبول بالعيش كالقطيع الذي لا يهتم الا بالأكل والمنام اذا ما سلما، الأمر الذي قد يعمل على توليد مشاعر العجز والانكفاء ثم الانطفاء والانطواء والكف عن محاولات التغيير واستبدال الواقع، كما أثبت عالم النفس سكنر في تجاربه على الفئران وغيره لاحقا ما فعل مع القردة والموز.

في حالتنا الفلسطينية ، تكثر مسببات التغيّر بحالة الشغف، لعلّ من أبرزها ما أشرنا اليه أعلاه من تعدد أنماط ومصادر الضغوطات التي يعيشها المواطن، إضافة الى:-
⦁ توالي حالات خيبات الأمل لدرجة الأحباط والتي من مسبباتها الرئيسة رفع سقف التوقعات دون تقدير سليم لواقع الحال.
⦁ – الإرهاق والاحتراق النفسي : الضغط المستمر والسعي الدؤوب المتواصل لتحقيق المنشود دون جلسات استراحة لتقييم ومن ثم تقويم ما تم فعله وبذله، الأمر الذي يؤدي الى فترات استنزاف الطاقات الذهنية والجسدية .

تبني نهج الروتين المقيت في تنفيذ الواجبات اليومية، دون تعديل أو تغيير بغض النظر عن النتائج التي نحصدها، هنا أستذك قول ينسب الى اينشتاين ” اذا فعلت نفس التجربة الفاشلة بنفس الأدوات، حتما ستكون النتيجة فاشلة كسابقتها
⦁ عدم تبني رؤية واضحة لتحديد الهدف المنشود من السعي المتواصل في بذل الجهود، مما يؤثر سلبا على الشعور بقيمة الإنجاز اذا ما حصل.

كيفي تصرفت العينة العشوائية التي تعاملنا وما أفصحت عنه؟
لم تبد أي مجموعة من هذه العينة أي ِكل من أشكال الوهن، القنوط أو التردد، الامتناع عن العمل من أجل التغيير نحو الايجاب ، اذ عمدت الى :-
⦁ التخلي تدريجيا عن سلوك هوس الشراء والاكتفاء بشراء ما يلزم وتحتاج وليس ما تريد
⦁ من خلال تنامي الشعور بضرورة التكافل والتضامن مع الاّخر، أخذت الغالبية تبحث عن المنتوجات محلية الصنع، والامتناع قدر الإمكان عن اقتناء ما هو غير محلي الصنع
⦁ مثلما برز الميل الى ممارسة الطقوس الدينية( مسيحية وإسلامية)، بدأت جهود حثيثة في البحث عن كل ما من شأنه زيادة الوعي وتعزيز الثقافة الوطنية ، على طريق مواصلة إعادة بنا الذات ،من خلال زيادة ممارسة عادات القراءة للكتب التنويرية التي من شأنها ترسيخ القناعة بأن لا سبيل اّخر سوى البقاء في و على أرض الاّباء والأجداد، اّخذين العبر والدروس من النكبات السابقة ( البحث عن كتب غسان كنفاني ، محمود درويش ، توفيق زيّاد ، سميح القاسم ، محمود شقير وغيرهم – كما أفاد صاحب مكتبة وسط رام الله -و زيادة الطلب على الأغاني الوطنية الملتزمة – مرسيل خليفة، أحمد كعبور ، أمل مرقص ودلال أبو اّمنة، وبالأخص الزجل الشعبي – أبو عرب وتسجيلات الشيخ امام و راجح السلفيتي ….، وزيارة المعارض الفنيّة وحضور الندوات الثقافية والمهرجانات.
⦁ اتضح لنا من خلال ما أفصحت عنه، وكأن واقع حال التغيير الحاصل يقول لن يفتر ولن يتردى شغفنا حيال الوطن بكل مكوناته.

لإسناد مثل هذا الشغف القديم الجديد والاّخذ منسوبه بالارتفاع ،مطلوب من الجهات الرسمية والأهلية ليس فقط احتضان المبادرات الشبابية والمجتمعية، بل رفدها بخطوات عملية غير مكلفّة ماديا، مثل ضرورة إقرار قانون الخدمة الإلزامية على الطلبة وبقية شرائح المجتمع، كما اقترحنا هذا في العام 2008 ، من خلال طرح برامج العمل التطوعي في المستشفيات والمؤسسات الرسمية و الأهلية، هكذا يلتحم الشغف المتنامي وينصهر في بوتقة العمل ونقطف ثمار الشغف المتجدّد، متجاوزين الروتين والاكتفاء بطرح الشعارات، ليصبح نهج العمل وترجمة مشاعر الشغف الى أفعال ملموسة نتائجها على أرض الواقع، مما يزيد من فرص تعزيز السلم الأهلي و وأد نهجي الانقسام والاقصاء، من خلال الزجّ بكل الطاقات في معركة الخلاص والتحرر وبناء الحلم المنشود، ولنبدأ بخطوات صغيرة وليبدأ كل منا بذاته.

  • – دكتور غسان عبد الله / القدس

شاهد أيضاً

وفد الحملة الأكاديمية الدولية الفلسطيني يختتم مشاركته في برنامج خبراء دراسات الصين لدول الحزام والطريق

وفد الحملة الأكاديمية الدولية الفلسطيني يختتم مشاركته في برنامج خبراء دراسات الصين لدول الحزام والطريق

شفا – اختتم وفد الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي مشاركته في برنامج خبراء …