
قصة وجدانية
تجلَّى له طيف ابنه..
بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي
رجل في الخمسين من عمره، متوسط الطول، خطَّ المشيب ذوائبه، و يوصف باستقامة قامتة، و ثبات خطوته، نحيف الجسم، وله عينان كأنهما نافذتا الروح، عندما تُحدِّق فيهما، ينتابك شعور بأنهما غارقتان في بحر من الأسى، وقد رسم الزَّمان بعضا من التجاعيد على الوجه الذي تعلوه غشاوة من القلق والحزن لفقده غُصنين نَديين قطفا من شجرة العائلة، وقمران غابا في ليلة واحدة، وصار هذا الرجل، يعيش أيامه مازجا بين لوعة الفقد وعظمة التضحية.. ولا يستطيع البقاء في منزله بعد انتهاء دوامه، يتناول طعامه، ثم يخرج، ولا يعود إليه إلا في ساعات متأخرة من الليل، ولا يقوى على النظر إلى غرفة قمران أضاءا درب العزة والكرامة، فيظل حبيس أحزانه..
ذات يوم، قرر الذهاب ليتفقَّد قِفار النحل خاصته، التي تركها في أحضان الطبيعة، كي يرعى النحل ما لذَّ وطاب من، زهور النباتات، والأشجار المثمرة داخل قطعة أرض تابعة لهم، الواقعة على سفح جبل مجاور لمسقط رأسه … استقلَّ مركبته لوحده، بعد دوامه الرَّسمي، ثم توجَّه – بيمن الله ورعايته- في هذا الصيف القائظ، للاطمئنان عليها، وعلى محصول العسل هذا العام، وليتفقدها من الأعداء التي تهددها، مثل: الحشرات المفترسة، والطفيليات الدقيقة، وطيور الوروار آكلة النحل، وغيرها.
علَّه يجد ضالته في الهروب من هموم الحياة، وآلام الزمن وجراحه.. تراه أحيانا منعزلا، وكأنه يحدث نفسه، وتنتابه تخيلات وهميَّة غير واقعية، كأنه مصاب بأعراض الاضطراب الوهمي.. يرى أشياء غير موجودة في الواقع، ويَمُرُ بحالة نفسية تعرف بـ” التجلِّي الإدراكي “، حيث يبقى مأسورا للحظة استشهاد ولديه، مما يُفقده القدرة على التكيُّف مع الواقع ، والانتباه لتفاصيل حياته اليومية….إلخ
أنطلقت المركبة، وبدأت عجلاتها تنهش أرض الشوارع، حتى وصل بسلام إلى المكان المذكور أعلاه، أوقف هدير محرك المركبة، بعد صَفِّها على رصيف الشارع العام، ترجَّل منها، ومضى في الطريق الترابي مشياً على الأقدام حتى وصل إلى مُرادِه..
جال بنظره نحو خلايا النحل، لم يستطع رؤية الصناديق كافة، فأصيب بدهشة غريبة، وساورته الشكوك بأنه تعرَّض للسرقة!! صار يبحث عن القَفير المفقود هنا وهناك في مختلف الاتجاهات!! لم يصل إلى نتيجة.. قفل عائدا إلى البلدة وقد هاضه الحزن، ومُكفَهر الوجه، وحالته لا تُسِر الصديق.. تلاقى مع نسيبه فلاذ إليه يشكوا حاله وقلة حيلته، معتقدا بأن السرقة حصلت فعلا!!!
عندما شاهده نسيبه على هذه الحالة، هدَّأ من روعه، ثم بادره بالسؤال:
- ما الذي حلَّ بك يا رجل، ولماذا أنت على هذه الحال، وزعلان؟
- لقد تعرَّضت بعض خلايا النحل للسرقة..
- هذا كلام غير معقول، اِرجع ثانية إلى هناك، وأبحث عنها جيدا أكثر.. يمكن لم تبحث كما يجب..
لم يطل الحديث بينهما، حتى نهض بطل القصة من مكانه، وعاد أدراجه ثانية إلى هناك.. عندما وصل، تفحَّص القِفار و قطعة الأرض عدة مرات ولم يستطع مشاهدتها جميعا… جلس يندب حظه .. يذرف الدموع ويردد: لقد استضعفوني بعدما فقدت سَنَداي” الشهيدين”، ويبتهل إلى الله ليفرغ عليه الصَّبر، وأن يرزقه قدرة التحمل..من شدة اللوعة والوجد.
ما هي إلا لحظات، حتى تجلَّى له طيف أحد أبنائه الشهداء، و مَثَلَ أمام ناظريه، وسأله: - لماذا تبكي يا أبتاه؟
أجابه: لقد سرقوا بعض خلايا النحل يا فلذة كبدي.. - لا يا أبتاه، لم يسرقوا شيئا، فها هي جميع الصناديق سالمة، لم تفقد شيئا، اطمئن، ألم ترَها؟ ها هي- وهو يشير بسبابته نحوها- تأكد منها ثانية، ثم اختفى الطَّيف من أمام والده الملهوف والموجوع لفراقهما..
- آه، والله صحيح، ها هي جميعها أمامي، عجبا كيف لم استطع رؤيتها وأنا بكامل قواي العقلية والجسديَّة؟..
أخرج منديلاً من جيبه، وطفق يمسح عن وجنتيه وعينيه الدموع الحَرّة المُنسكبة، ثم هدأت نفسه، وقفل عائدا إلى البلدة، يحدَّث بعض أصدقائه قصة ما رآه في الخلاء من عجائب قدرة الله سبحانه وتعالى. - – ملاحظة: لا بد من الإشارة، إلى أنه في حالة بطل القصة وحزنه العميق، يعمل العقل كآلة دفاعية على استدعاء صورة الغائب(الشهيد) بكل تفاصيلها أمام العين، وكأنها حقيقة واقعية وملموسة لتخفيف ألم الفراق. ويطلقون علماء النفس على هذه الحالة، بـ” التجلِّي الإدراكي”، أو متلازمة رؤية الطيف، بحيث تتجسَّد صورة من نحب أمامنا من شدة الشَّوق، وهي أحد طرق تفريغ الحزن الشديد.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.