
من بيت لحم إلى تاييوان… تجربة مهنية في الطب الصيني التقليدي وتبادل الخبرات الصحية ، بقلم: رانيا صبيح
تُعد برامج التبادل والتدريب الدولي فرصة مهمة للعاملين في القطاع الصحي للاطلاع على تجارب مختلفة وتطوير المعرفة المهنية، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها مجال الرعاية الصحية عالميًا. وفي هذا السياق، جاءت مشاركتي في البرنامج التدريبي المتخصص في تقنيات التمريض في الطب الصيني التقليدي، الذي عُقد في مدينة تاييوان بمقاطعة شانشي في جمهورية الصين الشعبية، كتجربة علمية وثقافية أتاحت لي التعرف على نموذج مختلف في تقديم الرعاية الصحية، والاطلاع على كيفية دمج الممارسات التقليدية مع الطب الحديث ضمن منظومة صحية متقدمة.
خلال الفترة الممتدة من 22 حزيران وحتى 14 تموز 2026، تشرفت بالمشاركة في هذا البرنامج التدريبي ضمن إطار التعاون العلمي والثقافي بين محافظة بيت لحم وسفارة جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين، وبمشاركة مختصين صحيين من عدد من الدول. وقد شكلت هذه المشاركة فرصة مهمة للتعرف إلى تجارب متنوعة، وتبادل الخبرات المهنية، وبناء علاقات تعاون مع كوادر صحية من خلفيات وثقافات مختلف.
منذ بداية البرنامج، كان واضحًا أن التجربة لا تقتصر على الجانب النظري، بل تجمع بين المحاضرات الأكاديمية، والتدريب العملي، والزيارات الميدانية للمؤسسات الصحية، إلى جانب التعرف على جوانب من الثقافة والحضارة الصينية. وقد ساهم هذا التنوع في تقديم صورة متكاملة عن الطب الصيني التقليدي وموقعه ضمن النظام الصحي الصيني.
ركز البرنامج على المبادئ الأساسية للطب الصيني التقليدي، والتي تقوم على مفهوم التوازن بين وظائف الجسم والعوامل المؤثرة في صحة الإنسان. كما تعرفنا إلى مفاهيم مثل الين واليانغ، ونظرية العناصر الخمسة، والأساليب التقليدية في تقييم الحالة الصحية، إضافة إلى طرق الرعاية التي تنظر إلى المريض بصورة شمولية تراعي الجوانب الجسدية والنفسية ونمط الحياة.
كما تناولت المحاضرات عددًا من الموضوعات الصحية المختلفة، من بينها اضطرابات النوم، وأمراض الجهاز الهضمي والتنفس، ومجالات التأهيل للإصابات العضلية والعصبية، إضافة إلى التعرف على الأعشاب الطبية الصينية وطرق استخدامها وحفظها ضمن إطار منظم يراعي السلامة الصحية.
وكان الجانب العملي من أهم مراحل التدريب، حيث أتيحت لنا فرصة التعرف والتدرب على عدد من التقنيات المستخدمة في الطب الصيني التقليدي، مثل الوخز بالإبر، والحجامة، وتقنية الغوا شا، والعلاج بالموكسا، مع شرح آليات استخدامها، والحالات التي يمكن الاستفادة منها فيها، والضوابط المرتبطة بتطبيقها.
ومن خلال الزيارات الميدانية، وبشكل خاص زيارة مستشفى شانشي للطب الصيني التقليدي، اطلعنا على تجربة الصين في دمج الطب الصيني التقليدي مع الطب الحديث داخل مؤسسة صحية متخصصة. وشملت الزيارة عددًا من الأقسام والوحدات العلاجية، إضافة إلى التعرف على آليات إدارة الجودة، وإجراءات سلامة المرضى، وتنظيم العمل بين مختلف أفراد الفريق الصحي.
وبحكم عملي في مجال التمريض داخل غرف العمليات، كان من المهم بالنسبة لي الاطلاع على طبيعة العمل في المؤسسات الصحية الصينية، خاصة فيما يتعلق بدقة الإجراءات، والالتزام بمعايير السلامة، وأهمية العمل الجماعي والتنسيق بين مختلف التخصصات. وقد أكدت هذه التجربة أن جودة الرعاية الصحية تعتمد على التكامل بين المعرفة العلمية، والتنظيم الإداري، وكفاءة الكادر الصحي.
إلى جانب الجانب المهني، تضمن البرنامج جانبًا ثقافيًا أتاح لنا التعرف على تاريخ الصين وحضارتها. فقد زرنا عددًا من المواقع التاريخية والثقافية في مدينة تاييوان ومقاطعة شانشي، مثل المدينة القديمة، ومتحف شانشي، ومعبد جينتسي، وتمثال بوذا في منغشان، إضافة إلى زيارة العاصمة بكين وسور الصين العظيم، حيث تعرفنا إلى جانب من الإرث الحضاري والتطور العمراني الذي تشهده الصين.
كما تطرقت خلال العرض إلى جانب من الطب الشعبي الفلسطيني واستخدام النباتات الطبية والأعشاب، وناقشت بعض أوجه التشابه بين هذا التراث وبين الطب الصيني التقليدي، خاصة في الاهتمام بالوقاية والاستفادة من الموارد الطبيعية، مع التأكيد على أهمية التعامل مع هذه الممارسات ضمن إطار علمي ومنظم.
وكان التواصل مع المشاركين من مختلف الدول من الجوانب المهمة في هذه التجربة، حيث أتاح البرنامج فرصة لتبادل الخبرات والتعرف على أنظمة صحية وتجارب مهنية مختلفة. كما أكد أهمية التعاون الدولي في تطوير القطاع الصحي وتعزيز ثقافة التعلم المستمر بين العاملين في هذا المجال.
أعود اليوم إلى فلسطين وأنا أحمل معرفة جديدة وخبرة إضافية ستسهم في تطوير ممارستي المهنية، كما أتطلع إلى نقل ما اكتسبته من هذه التجربة إلى زملائي والاستفادة منه في تعزيز ثقافة الجودة، وتحسين بيئة العمل، ودعم التطوير المستمر في مجال الرعاية الصحية.
إن المشاركة في مثل هذه البرامج لا تقتصر أهميتها على اكتساب المهارات والمعرفة فقط، بل تمتد لتشمل بناء جسور التواصل بين الشعوب، وتعزيز التعاون العلمي، وفتح آفاق جديدة أمام الكوادر الصحية للاستفادة من التجارب العالمية..
وفي ختام هذه التجربة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى حكومة جمهورية الصين الشعبية، وسفارة جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين، ومحافظة بيت لحم، وجميع الجهات المنظمة للبرنامج، على إتاحة هذه الفرصة العلمية، وعلى حسن التنظيم والاستقبال والدعم الذي رافق فترة التدريب..
لقد كانت هذه المشاركة إضافة مهمة لمسيرتي المهنية والإنسانية، ورسخت لدي أهمية الاستمرار في التعلم والانفتاح على التجارب المختلفة، بما يساعدنا ككوادر صحية فلسطينية على تطوير خدماتنا والارتقاء بمستوى الرعاية المقدمة للمرضى في مؤسساتنا الصحي.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.