11:50 مساءً / 25 يوليو، 2026
آخر الاخبار

الاختيار المهني في فلسطين … قرار اليوم .. ومستقبل الغد ، بقلم : أسيل عبد الناصر شحادة العبسي

في كل عام، وبعد انتهاء امتحانات الثانوية العامة وإعلان النتائج. نرى نفس المشاهد تتكرر داخل بيوتنا الفلسطينية هناك فرحة بالنجاح. وهناك أيضا، حيرة وأسئلة كثيرة تدور داخل الطلبة الناجحين. أي التخصصات سوف اختار؟ هل أبحث عن تخصص يضمن لي فرصة عمل؟ أم أتبع تخصص يلبي شغف وطموحاتي ؟ أم أسعى لتحقيق رغبة أسرتي؟ أم أن أقررأنا وفق ما أراه مناسبا لي؟

بين هذه الأسئلة الكثيرة يقف آلاف الطلاب الفلسطينيين أمام هذا القرار الذي يحدد ملامح حياتهم لسنين قادمة. ومع كل ذلك، ما زال الأهالي والطلاب يتعاملون مع الاختيار المهني، كأنه قرار وليد لحظة إعلان النتائج. مرتبط بالمعدل الدراسي أو بما يرغب الأهل أن يكون عليه أبنائهم أو بالصورة النمطية التي يرسمها المجتمع لبعض المهن. ولكن في الحقيقة، أن الاختيار المهني هو عبارة عن عملية إنسانية وتربوية معقدة. تبدأ مع الإنسان منذ سنوات الدراسة الأولى ،وتتطلب أن يكون هناك معرفة دقيقة بالذات، وأن يكون هذا الطالب أيضا، مدركا للقدرات والميول. وأن يفهم الفرص والتحديات التي يفرضها عليه الواقع.

وإذا أردنا أن نخص فلسطين فإن هذه القضية لها بعد وطني وتنموي، إلى جانب البعد الفردي الذي تتمتع به فالشباب الفلسطيني. يواجه تحديات استثنائية تتعلق في محدودية فرص العمل تتعلق في الظروف الاقتصادية الصعبة و تأثير الاحتلال في الحركة و في التنمية والاستثمار. وهناك أيضا، تحولات رقمية متسارعة تعمل على إعادة تشكيل سوق العمل فلسطينيا وعالميا، ولذلك إن أي قرار؟ مهني لا يكون مستند إلى الوعي والتخطيط، من الممكن أن يتحول إلى عبء على هذا الفرد وأسرته، والمجتمع.

وهناك تجارب عديدة أثبتت أن النجاح المهني لا يتعلق بمجرد الحصول على شهادة جامعية، بل يتحقق عندما يلتقي الشغف بالكفاءة. وتلتقي القدرات مع ما يحتاجه المجتمع، فمثلا الطالب الذي يقوم بدراسة تخصص لا ينسجم مع شخصيته، من الممكن أن يحصل على درجة علمية، لكنه يكون قد افتقد للرضا والدافعية. وعلى الصعيد الآخر، هناك أشخاص آخرون قد يختارون مهنا عن قناعة فيبدعون بها ويتركون من خلالها أثراً حقيقياً وملموساً.

وللأسف أن بعض الطلاب ما زالوا يقيسون قيمة التخصصات بالمكانة الاجتماعية، أو بالانطباعات المتداولة. ولكن في ظل العالم المتغير بسرعة غير مسبوقة، أصبحت مهارات التفكير النقدي العمل الجماعي الابتكار و التعلم المستمر والقدرة على توظيف التكنولوجيا كلها عناصر لا تقل أهمية عن التخصص نفسه. وأن هناك كثير من المهن التقليدية شهدت تغييرات جذرية، وفي المقابل ظهور مجالات جديدة، تتطلب استعدادات دائمة للتطوير.

هنا نصل إلى حقيقة واضحة إن الإرشاد المهني لم يعد خدمة اختيارية تقدم للطالب عندما ينهي المرحلة الثانوية، بل أصبح ضرورة تربوية فدور المرشد المهني لا أن يختار مستقبل الطالب بالنيابة عنه، ولكن أن يساعده في اكتشاف ذاته ومساعدته على تحليل البدائل واتخاذ قرار مبني على المعرفة والمعلومات لا على التخمين، وكلما بدأ الإرشاد المهني في سن مبكرة، ازدادت الفرص في الوصول إلى قرار مهني ناضج ومتوازن عند الطالب.

وهذه مسؤولية لا تقع على عاتق الطالب وحده، بل هي مسؤولية تشاركية ما بين الأسرة و المدرسة و الجامعة ووسائل الإعلام المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني وأيضا صناع القرار. فالعمل على بناء ثقافة مجتمعية تؤمن بأهمية الإرشاد المهني هو بمثابة الخطوة الأولى نحو تقليل الفجوة ما بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. والعمل على الحد من البطالة المقنعة، وتعزيز الإنتاجية.

ومن واقع عملي في مجال الإرشاد النفسي والتربوي، أؤمن بأن الطالب الذي يمتلك المعرفة الحقيقية بذاته قبل أن يختار تخصصه يكون أكثر قدرة على النجاح والاستمرار، ويكون أكثر استعداداً لمواجهة الأزمات والتغيرات التي قد تفرضها عليه الحياة. فالاختيار المهني ليس اختيارا لسنوات الدراسة الجامعية فقط، بل هو اختيار لأسلوب حياة ولمسار يرافق الإنسان طوال حياته، وإننا في فلسطين بحاجة إلى شباب يملكون الوعي قبل أن يملكون الشهادة ويملكون الرؤية قبل القرار والإرادة قبل الفرصة فالأوطان لا تبنى بالشهادات فقط، وإنما تبنى عندما يعمل كل إنسان في المكان الصحيح الذي يستطيع فيه أن يقدم أفضل ما لديه.

ولذلك أوصي بإدماج الإرشاد المهني ضمن المناهج الدراسية، وذلك ابتداء من المرحلة الأساسية، وأن لا يتم حصره فقط في الصفوف الثانوية. ثانيا أن يتم تعزيز دور المرشدين المهنيين في المدارس والجامعات، وأن يتم تزويدهم بالأدوات الحديثة لقياس الميول والقدرات المهنية. ثالثاً، أن يتم إنشاء قاعدة بيانات وطنية محدثة حول احتياجات سوق العمل الفلسطيني، تكون هذه القاعدة متاحة للطلبة أولياء أمورهم. رابعاً أن يتم تنظيم زيارات ميدانية وبرامج تدريبية تعريفية بالمهن المختلفة ليتم ربط المعرفة النظرية بالواقع العملي. خامساً العمل على توعية الأسر بأهمية احترام ميول للأبناء، وقدراتهم الابتعاد عن فرض التخصصات التي لا تنسجم مع شخصياتهم. سادساً العمل على تعزيز الشراكة ما بين الجامعات ووزارة التربية والتعليم ووزارة العمل والقطاع الخاص لضمان أن يتم مواءمة التخصصات مع احتياجات التنمية، وسوق العمل. سابعاً تشجيع الطلبة على اكتساب المهارات الرقمية واللغات باعتبارها متطلبات أساسية لسوق العمل الحديث. ثامناً العمل على تعزيز البحث العلمي في مجال الإرشاد المهني، وأن يتم إجراء دراسات دورية حول اتجاهات الطلبة و العوامل التي تؤثر في قراراتهم المهنية، وذلك بما يسهم في تطوير السياسات التعليمية.

في النهاية، يبقى الاختيار المهني أكثر من كونه مجرد قرار أكاديمي إنه استثمار في الإنسان ومستقبله ،وفي مستقبل الوطن بأكمله، وكل خطوة واعيه يتخذها الطالب اليوم قد تكون حجر الأساس لمسيرة مهنية ناجحة تسهم في بناء مجتمعنا الفلسطيني بأن يكون أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة فرص أفضل للمستقبل.

ومن وجهه نظري أن أكبر خطأ نرتكبه بحق أبنائنا، هو أن نقوم بسؤالهم بعد إعلان بعد إعلان نتائج الثانوية العامة ما هو التخصص الذي يناسب معدلك؟ بينما السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه هو من أنت؟ ما الذي تستطيع أن تبدع فيه؟ ففلسطين لا تحتاج إلى أعداد كبيرة من الخريجين فقط، بل تحتاج إلى أشخاص يعملون في مهن يؤمنون بها ويبدعون فيها ويحولون المعرفة إلى إنتاج والطموح إلى إنجاز، يبدأ بناء الإنسان من مساعدته على اتخاذ القرار الصحيح، ويبقى الاختيار المهني الواعي هو أحد أهم هذه القرارات.

  • – أسيل عبد الناصر شحادة العبسي – باحثة دكتوراه في الارشاد النفسي والتربوي – فلسطين .

شاهد أيضاً

وزير الخارجية الصيني يجري محادثات مع نظيره القيرغيزي

وزير الخارجية الصيني يجري محادثات مع نظيره القيرغيزي

شفا – أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي محادثات مع وزير خارجية قيرغيزستان جينبيك كولوباييف، …