
في بناء العلاقات الاجتماعية: أكثر من وضع الفواصل، وتأنى في وضع النقاط ، رؤية سيكولوجية ، بقلم : دكتور غسان عبد الله
كلما تبادر الى ذهني للكتابة في هذا الموضوع، أتردد وأقول لذاتي: لا زال لديك المتسع من الوقت والفرص كي تعرف الناس وتبلور رؤيتك هذه.
شخصيا، لست من هواة بناء العلاقات الفجّة والعابرة كسحابة صيف، لذا أعمد الى تبني القول ” هل تعرفه؟ نعم، هل تعاملت معه؟ لا، اذن لا تعرفه”
أقصد بالتعامل هنا، فرص التفاعل في ميدان العطاء أو السفر، الاعتقال معا، أو التعامل النقدي، اذ أرى أن محطات الاحتكاك والتفاعل هذه هي التي تكشف الانسان عل حقيقته.
وفق تجاربي الغديدة والمتنوعة، وعبر فترات زمنية متفاوتة من عمري، ومع أجناس بشرية مختلفة، ذكورا واناثا، ذوي خلفيات اجتماعية، اقتصادية ه، ثقافية وتعليمية مختلفة، يمكنني القول بأن هناك أنواع شتى من العلاقات الإنسانية، لا يمكن وصفها بالثبات أو التعميم.
بديهي القول، أن أي علاقة بين البشر يجب أن تلتزم بما ورد في الديانات السماوية التي حددت المرغوب والمذموم في هذه العلاقات، مع ضرورة افتراض حسن النيّة والابتعاد عن الظن والوسواس كما هو الحال، مع واجب الحذر والامتناع عن التفكير في الطرف الثاني كصراف اّلي.
هنالك علاقات يتحتم أن لا تشوبها شائبة، مهما كانت الظروف السائدة، كالعلاقة مع صلة الرحم والأقارب والجيران، حتى لو جاء من أي طرف سلوك مشين، فلا تميل الى قطع العلاقة كليا، والأفضل أن تتجنب الاحتكاك مؤقتا: زر غبا تزدد حبا، خشية تفاقم الوضع ليصل الى القطيعة الكاملة، باستثناء صلة الأرحام، اذ لا يجوز أبدا قطعها مهما تفاقمت الأحوال و الأسباب.
أيضا، هناك نمط علاقة لا تخضع الى شروط والتزامات من أحد طرفي التعامل: وتكون عند قضاء حاجة انسان ما، اذ من يفعل ذلك دون منّة ودون تباهي، له منزلة خاصة عند الخالق الرحمن الرحيم، وهناك من يضع قضاء حاجات الناس في صف العبادات من حيث المردود النفسي والرضا عن الذات، ” ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة والصدقة والصلاة، قال(ص) إصلاح ذات البين” حديث نبوي شريف، كون ذلك احدى مرضات الله التي يؤتي عليها أجرا عظيما .
عادة ما تتخذ العلاقات بين البشر حالة من الاستقرار و بالتالي يمكن وصفها بالعلاقة الاّمنة القابلة للتطور مع تزايد فرص التفاعل المتكافئ من قبل الطرفين، حيث تتخذ من الصدق، المودة والعطاء الموزون نهجا، بعيدة كل البعد عن المناورات والحيل السيكولوجية للإيقاع بطرف ما، وقد تكون علاقات مضطربة غير مستقرة بتاتا جراء عدم الوضوح واتباع نهج التربص وحبك المكائد والدسائس، والحيل النفسية التي يميل الى استخدامها البعض، اذ هناك الكثير من هذه الحيل و الألعاب النفسية التي يمارسها البعض دون ادراك أو الاكتراث بعواقبها التي قد تكون وخيمة في بعض الأحيان. من بين هذه الحيل الميل الى دوام/ انقطاع الظهور والغياب المتكرر كأسلوب للإدمان على التعود/ الغياب كي يجعل أحد الطرفين يتعلق/ تتعلق به/ بها، ثم يأخذ بالتلاشي والاختفاء تدريجيّا دون أي مبرّرّ.
لعبة/ حيلة أخرى: التظاهر بالتكلف والتردد أو الميل الى التأخر في إعطاء الجواب و متصنعا هيبة ومرتديا ثوبا ليس ثوبه، بل أكبر منه، للإيحاء بأنه ليس لديه الوقت الكافي كونه مشغول دوما ،وبالتالي فالطرف المقابل ليس من أولوياته في الحياة، ليزيد اهتمامك به أكثر، أو المبالغة في ردة الفعل وحين يخطئ بحق الاّخر، يعمد الى تصغير خطأه والعكس صحيح.
حيلة/ لعبة أخرى : المحبة الشكلية المصطنعة الزائدة أمام الناس وسرعان ما يقوم بسلوكيات يتجاهلك فيها مجرّد شعوره بأنّه بدأ يخسرك، يعود من جديد ليبادلك الحبّ والاهتمام، لكي تبقى متعلّقا به/بها بشكل دائم.
تعود أسباب فشل غالبية العلاقات الى: سوء/ التسرع في الاختيار أو بسبب فراغ اجتماعي والشعور سيكولوجيا بالحاجة لمثل هذه العلاقة، اذ هي فطرة الاهية أن يبحث الانسان، بغض النظر جنسه، عرقه، دينه أو عمره، عن خليلا في الحياة يتقاسم معه الرؤى ووجهات النظر حيال أمور الدنيا والاّخرة، كون “الانسان مدني بالطبع” لا يستطيع العيش بمفرده وبمعزل عن الاّخرين.
سبب اّخر يكمن في عدم القدرة على بناء / توفير أجواء تفاعل وحوار من شأنها أن تعمل على بلورة أهداف مشتركة ذات قيمة للطرفين، وقد تنهار مثل هذه العلاقة التي أخذت بالنضوج بسبب عدم القدرة للتوصل الى الحد الأدنى من التوافق على أمور لا مجال للتنازل عنها مثل: الافراط في فهم وصون الخصوصية. قد تظهر مثل هذه السمات منذ البداية،” كون الأرواح جنود مجّندة ما تاّلف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف”، وقد تظهر بعد فترة قصيرة / طويلة نظرا لعدم القدرة في التغلب على ومواجهة الكثير من التحديات والصعاب أو توفر خيارات وفرص أخرى لبناء علاقات جديدة يعتقد أحد الأطراف بأنها قد تحقّق لها/ له ما يصبوا اليه/ اليها في حياته/حياتها.
ننصح هنا بما يلي :-
⦁ البدء في تعليم قيم الاختلاف والمسؤولية المشتركة والشراكة المسؤولة منذ مرحلة الطفولة المبكرة للطفل
⦁ تدريب الطفل على صرورة الاعتماد على الذات self- reliance مع دوام المتابعة والارشاد، المراقبة والتوجيه، بحيث يشعر الطفل بأنه شريك فاعل active partner وليس مجرد روبوت يتلقى التعليمات والأوامر passive partner
⦁ تبني الأسرة/ المدرسة أسلوب القدوة/ الانموذج الإيجابي خلال عمليتي التربية والتنشئة الاجتماعية عبر توظيف أنشطة اجتماعية وفنيّة تؤدي الى ناتج محسوس.
وفي الختام علينا أن نعي وندرك بأن العلاقات كالشجرة تروى بقيم العطاء والنبل والعفو والتسامح، إن أصلحْتَ جذورَها أينعَتْ ثمارُها، والتي منها تُهذّيِبُ الطباعَ وتنمية الأخلاقُ عبر تربية النفوس. لا يمكن بناء العلاقات الإنسانية من خلال التلقين بل من خلال الممارسة والتفاعل المتبادل من أجل تأصيل هذه العلاقات ً، ويكون ذلك ليس من خلال كلماتٍ تُردَّدُ بل ممارسة نعيشها معا بصدق وبرد الجميل وتقدير جهود الاّخرين، فتملك قلوبهم، بعد أن جعلت الصدق والايمان بالقدر والصبر ركائزا لنهجك عتد البدء في تأسيس العلاقات، والتي قد تتطلب منك وضع فواصل من أجل التقييم والتقويم
أما ان بنيت العلاقات على غير ذلك من طمع وجشع وسوء ثقة وقلة تقدير، حتما ستكون حنظلا أو هباء منثورا، وستجد ذاتك مضطرا لوضع النقاط، نقاط النهاية واللهث من جديد الى تجربة بناء أخرى.
- – غسان عبد الله / القدس
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.