
الاستيطان… عندما يصبح الصمت شريكًا في الجريمة ، بقلم : أحمد سليمان
لم يعد الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة مجرد قضية فلسطينية أو خلاف سياسي حول الحدود، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى احترام المجتمع الدولي للقانون الذي وضعه بنفسه، وللقيم التي يرفعها شعارًا في المحافل الدولية. فإما أن يكون القانون الدولي ملزمًا للجميع، أو أن يتحول إلى نصوص تُطبق على الضعفاء فقط.
ما يجري اليوم في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، ليس توسعًا عمرانيًا، بل مشروع استعماري متكامل يهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي والسياسي، وإغلاق الباب أمام أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة. المستوطنات لم تعد تجمعات سكنية فحسب، بل تحولت إلى قواعد متقدمة للسيطرة على الأرض، وإلى بؤر ينطلق منها العنف المنظم ضد الفلسطينيين، من إحراق المنازل، واقتلاع أشجار الزيتون، والاعتداء على المزارعين، والاستيلاء على الأراضي، وصولًا إلى تهجير التجمعات الفلسطينية بأكملها.
إن الاستيطان هو البؤرة السرطانية التي تنخر جسد فلسطين. وكما أن السرطان لا يتوقف عن الانتشار ما لم تتم مواجهته، فإن المشروع الاستيطاني لن يتراجع ما دام يواجه ببيانات القلق، بينما يستمر الدعم السياسي والاقتصادي الذي يسمح له بالتمدد وفرض أمر واقع جديد كل يوم.
لقد أثبتت التجربة أن الإدانات وحدها لا توقف جرافة، ولا تحمي مزارعًا، ولا تمنع مستوطنًا من الاعتداء على قرية فلسطينية. ولذلك، فإن المرحلة الراهنة تتطلب انتقالًا من لغة البيانات إلى لغة الإجراءات، ومن التعبير عن القلق إلى تحمل المسؤولية.
إن أحد أهم ميادين هذه المواجهة هو أوروبا، ليس لأنها مانح اقتصادي كبير فحسب، بل لأنها تمتلك تأثيرًا سياسيًا وقانونيًا واقتصاديًا قادرًا على إحداث فرق حقيقي إذا توفرت الإرادة. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية الفلسطينية لا تقتصر على رصد الانتهاكات، بل تتمثل أيضًا في إيصالها بصورة مهنية ومنهجية إلى البرلمانات الأوروبية، والحكومات، والأحزاب السياسية، والاتحاد الأوروبي، ووسائل الإعلام، والجامعات، والنقابات، ومراكز الأبحاث، ومنظمات حقوق الإنسان.
المطلوب اليوم بناء منظومة فلسطينية أوروبية متخصصة في توثيق جرائم الاستيطان، وإعداد ملفات قانونية وإعلامية دقيقة، وترجمة الشهادات والوثائق إلى مختلف اللغات الأوروبية، حتى تصبح الحقيقة حاضرة على مكاتب صناع القرار، لا مجرد أخبار عابرة في نشرات المساء.
كما أن الوقت قد حان لإطلاق برنامج أوروبي واسع لإرسال وفود من البرلمانيين، والأكاديميين، والنقابيين، والإعلاميين، والناشطين والمتضامنين، للتواجد في القرى الفلسطينية المستهدفة، ومرافقة الأهالي خلال مواسم الزراعة وقطاف الزيتون، والاطلاع المباشر على ما يتعرضون له من انتهاكات. فالشاهد الذي يرى الحقيقة بعينيه يصبح أكثر قدرة على نقلها والدفاع عنها داخل مؤسسات بلاده، وتحويلها إلى مواقف سياسية وتشريعية مؤثرة.
إن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل أيضًا على الرواية. فكل تقرير موثق، وكل صورة، وكل شهادة مستقلة، وكل زيارة ميدانية، هي أداة لمواجهة محاولات تزييف الواقع. ومن هنا، فإن الاستثمار في الإعلام، والدبلوماسية الشعبية، والعلاقات مع الأحزاب والقوى الديمقراطية، أصبح ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن أي جهد سياسي آخر.
إن أوروبا التي بنت مشروعها على قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان مطالبة اليوم بأن تثبت أن هذه المبادئ ليست انتقائية. فلا يمكن رفض الاستيطان في البيانات الرسمية، ثم الاستمرار في التعامل معه وكأنه أمر طبيعي. ولا يمكن الحديث عن حماية النظام الدولي القائم على القانون، بينما يُسمح باستمرار مشروع استيطاني تعتبره المؤسسات الدولية غير قانوني.
إن الدفاع عن فلسطين اليوم هو دفاع عن مصداقية القانون الدولي نفسه. وإذا عجز العالم عن وقف مشروع استيطاني تدينه قرارات الأمم المتحدة بشكل واضح، فإن الرسالة التي ستصل إلى شعوب العالم ستكون خطيرة: أن العدالة تخضع لموازين القوة، لا لمبادئ القانون.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجهه كل مسؤول أوروبي: كم مستوطنة أخرى يجب أن تُبنى؟ وكم قرية أخرى يجب أن تُهاجم؟ وكم أسرة فلسطينية يجب أن تُهجّر؟ قبل أن يتحول الرفض السياسي إلى قرارات عملية؟
إن التاريخ لا يتذكر عدد البيانات التي صدرت، بل يتذكر من وقف إلى جانب العدالة عندما كانت في أمسّ الحاجة إلى من يدافع عنها. وسيبقى الاستيطان وصمةً في جبين المجتمع الدولي ما لم تُتخذ خطوات حقيقية لوقفه، وإنهاء آثاره، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه المشروع في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة على أرضه.
- – أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.